أفورقي وشرق السودان

تابعنا في الأيام الماضية أحداث شرق السودان باهتمام بالغ وندعو الله تعالى أن يتقبل موتاهم شهداء ويشفي جرحاهم ويعافي مرضاهم ويصبر ذويهم .

حقيقة ماحدث مؤسف للغاية

وبداية علينا أن ندين من حيث المبدأ الاقتتال على أساس قبلي أو عنصري وأن التعصب القبلي والتخندق على أساسه يورد صاحبه المهالك فيصبح لا يرى الحق حقا فيتبعه أو يرى الباطل باطلاً ليجتنبه ويكون حاله حال الشاعر الجاهلي (لدريد بن الصمّة  ):

 (  وما أنا إلا من غزية إن غوت… غويت وإن ترشد غزية أرشد   )

وما أوصل القارة السمراء الغنية بالخيرات والثروات الى هذا الحال المزري إلا لشيوع الاقتتال القبلي بينهم .

وإن كان من حيث المبدأ الاقتتال على أساس عنصري أو قبلي قبيح مذموم فهو أشد قبحا عندما يكون ظالما ومتعديا على أبرياء هذا من حيث المبدأ ، أما في حالة الدفاع عن النفس فهو مختلف تماماً فمن مات دون عرضه أو أرضه فهو شهيد وأحسب أن أهلنا البني عامر كانوا في حالة الدفاع عن النفس في وضع فرض عليهم فهم مسالمون وتاريخهم يشهد لهم بذلك

ورغم أن الأحداث الأخيرة ليست الأولى ولكنها جاءت في وقت دقيق جدا يختلط فيه الوضع الداخلي بالسودان من جهة وإرتريا من جهة أخرى والوضع الإقليمي والدولي من جهة ثانية

_ فالسودان يمر بمرحلة انتقالية حبر اتفاقيتها لم يجف بعد وفيه قوى متصارعة تتسابق فيما بينها للحصول على أكبر حصة من السودان الجديد ودولة عميقة تسعى لتجميع صفوفها والانقضاض على الثورة الوليدة ناهيك عن الفصائل المسلحة

والحال هذه بالتأكيد هناك جهات ما . لا تريد الاستقرار للسودان ومستفيدة من حالة الفوضى والاقتتال القبلي سواء في شرق السودان أو غربه أو مناطق أخرى منه ، وهناك أدوات يرمى لها الطعم فقط لتمضي حيث شاء لها المدبر .

فالثورة السودانية لم تنجز بعد ، إنها فقط أطلقت صافرة البداية للانطلاق نحو السودان الجديد والسؤال الذي يطرح نفسه هنا … هل بدأت انطلاقة نحو الوجهة الصحيحة ؟!

هذا ما ستجيب عنه الأيام.

_ الجهة الثانية المؤثرة والمتأثرة هي ارتريا والنظام الحاكم فيها فقد دأب النظام الإرتري في استخدام ورقة شرق السودان ضد النظام البائد في السودان فتارة يستضيف مسلحيهم في أراضيه وتارة يخترق السيادة السودانية ويدخل أراضي شرق السودان كأنه في أحد أقاليمه دون اخطار رسمي للدولة السودانية في لامبالاة للأعراف الدولية والدبلوماسية بين الدول بالإضافة لاستباحة مخابراته للمنطقة يسرح ويعربد فيها بلا رقيب ولا حسيب فيغتال معارضيه ويختطف منهم من يريد كل ذلك دون أن تحرك الحكومة السودانية ساكنا !!

ولو عدنا بالتاريخ لكل الحكومات السودانية قبل الإنقاذ ورأينا كيف أنهم ينظرون للقضية الإرترية ربما يفسر لنا أسلوب التعالي الذي يمارسه عليهم أسياس فالأشقاء السودانيون للأسف الشديد والذين هم أقرب الشعوب إلينا يبدو أنهم لا يريدون إرتريا إلا تحت حكم وسيطرة التجرينية بزعم الأمن القومي السوداني فلو حكمت قبائل البجة إرتريا _ التي ينحدر منها قبائل البني عامر والحباب _قد يؤدي ذلك الى قوة البني عامر ومنعتهم من إخوانهم على الضفة الأخرى وهذا مالا تريده القوى الشمالية في الخرطوم فهي تريد رجل الشرق المنكفئ على نفسه المشكك في هويته السودانية والمهدد من قبل أسمرا لتضمن ولاءه لها دوماً ، ولذلك فهي تفضل بقاء نظام أسياس أفورقي الذي يعمل على استغلال هذه الورقة جيدًا فلا يستبعد تورطه في الأحداث وتآمره على البني عامر فهو نظام معزول دوليا وفشل في تطبيق السلام مع اثيوبيا الذي روج له إعلاميا بأنه انتصار كبير . وتضيق الحلقة عليه شيئا فشيئا فالأجواء الديمقراطية التي تسود الدول المحيطة به تؤرق مضجعه واستنشاق البني عامر لهواء الحرية والديمقراطية والعيش بسلام في ظلها قد يكون ملهما لامتداداتهم في ارتريا وخاصة أنه يتزامن مع تململ في الداخل الإرتري وظهور دعوات وحملات للخروج في المدن الإرترية أو الاحتشاد على طول الحدود الإرترية “مسيرات العودة

_ولو وسعنا دائرة النظر أكثر لنرى ما يحدث في الإقليم من حولنا لرأينا إعادة لرسم الخرائط وصياغة ( سايكس_بيكو ) جديدة فخريطة الوطن العربي بدأت بالتغير ابتداءا بالعراق ليصبح في شماله دولة للأكراد وسوريا التي تحولت الى دويلات وليبيا  أصبح بحكومتين واحدة في الشرق وأخرى في الغرب واليمن الذي قسم الى شمالي وجنوبي والصومال قسم الى صومال وبونت لاند “أرض الصومال” وحتى اثيوبيا رغم ما يبدو عليها من النمو الاقتصادي تطفو فوق صفيح ساخن وصراعات قومية تظهر في شكل محاولات انقلاب فاشلة هنا وهناك ، أما السودان فقد قسم رسميا الى شمال وجنوب ويعاني شقاه من حروب أهلية .

أقول لو نظرنا الى كل ذلك فإننا لا نأمن أن تستمر  ارتريا ايضا بخريطتها السياسية الحالية فاللاعبون الكبار يحسنون دائما خلط الأوراق واختيار الطعم المناسب في الوقت المناسب الذي يريدون وما أكثر جياع السلطة والثروة في منطقتنا .

اليمامة الإرترية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *