أيها المسلمون اتحدوا! (اللغة العربية بين الطرد والمقاومة)

ليست فتنة طائفية :

ليست دعوة للفتنة ولا الطائفية منطق العقل والتاريخ يسند هذه الدعوة كم من سنين جرفتها الأيام وأحالتها إلى ركام من التداعي والسقوط محاولاتنا الذكية الخائبة مرة والناجحة مرات مستمرة في لملمة أنفسنا والركون إلى برامج يجمعنا هو الذي يقودنا إلى التغيير دون أن يتخلف منا أحد.ونوجه السهام إلى العدو الذي يتربص بنا الدوائر أحال البلاد إلى أشباح -للأسف – وفي ظل هذه الأوضاع كل يمني نفسه أن ينطلق بأحلامه الخاصة واهتماماته في الخروج من البلاد علّها تنجيه من وطأة التنكيل المستمر . كل اللافتات التي جربناها لا أرى لها أملا في إنقاذ وطن تستعصي حلوله وتتقاطع مصالحه وتتنافر قواه .. أول الحلول وأوجبها أن يعيد المسلمون التوازن التاريخي الذي كان ضابطاً للكثير من سمات التعايش الذي انفرط عقده بعد دخول جبهة التحرير 1981م السودان ، وعندما أقول التوازن أعني المسلمين ودورهم التاريخي البارز الذين حفظوا وحدة التراب الارتري من التشظي و الذين بدأوا الثورة وكانوا  مسادات الدفاع عن الوطن منذ الرابطة الإسلامية وحركة التحرير وجبهة التحرير حينما تباطأ غيرهم والتفتوا يمنة ويسرى لم يتوان المسلمون في تحديد الهوية وخيار الاستقلال فشكلوا بحق التوازن ورسموا خطوطا وتاريخاً ناصع البياض رغم ما صاحب تلك الحقبة من سلبيات لكنهم لم يتوانوا في المضي قدماً في تحقيق الأهداف والمصالح الوطنية العليا ومن تلك الصور المشرقة:

الوثيقة الجامعة :

ما نسى الشعب الارتري حكمة الأجداد عندما مهروا بنداً في الوثيقة المهمة 1952م تكون اللغتان العربية والتجرينية لغتين رسميتين جنباً إلى الجنب على مستوى واحد في التعامل والانتشار والأهمية حتى تشهد البلاد الاستقرار والتعايش هذه الوثيقة جنبت البلاد كثير من الفتن والأهواء والكراهية والصراع. قبل الشعب أن تمثل مكوني البلاد الرئيسية بل هما ثقافتا الشعب كله، كل يجد نفسه فيها كان هذا تقدما هائلاً في ترسيخ قيم التعايش وبناء وطن يحفظ لكل طرف ما يبتغيه لتعميق لمشتركات بين الطرفين، مثلت هذه الوثيقة المخرج السلس والواقعي للكثير من الصراع في المستقبل . توزان مقبول ومنطقي يمثل أحد مرتكزات التعايش المشترك بين المسلمين والنصارى و تطور عميقة الدلالة في تلمس مستقبل البلاد في الاستقرار والتنمية والحقوق .

موقف التنظيمات من الوثيقة:

لم يشذ من هذا التوافق التاريخي طوال مرحلة الثورة أي تجمع سياسي أو مدني على الأقل في مستوى ميثاق كل قوى التنظيمات السياسية ومازالت على ذلك النهج قد نختلف في حجم الممارسة في ترسيخ مبدأ مساواة اللغتين في كل كيان لكن حفظها والالتزام بها هو ما يهم ومازالت هذه التنظيمات تدعو أن المحافظة على ما كان متفق عليه منذ 1952م.

مقاومة خرق شاذ :

أول خرق شاذ كرسته الجبهة الشعبية قلبت ظهر المجن ورسمت طريقاً جديدًا غير معهود ولا متوافق مع الأعراف والتعايش في ارتريا رافضة أن يكون للغة العربية في ارتريا ما للتجرينية من مكانة وسطوة ووجود، تنصلت بالكلية من إرث الأجداد الجامع وفرضت جملة من التدابير في بداية نشئتها 1973م ورفعت شعار التجرينية لغتها الأولى في كل مفاصل التنظيم والتعاملات والأوراق والمحاضرات كل شيء ليتم إقصاء اللغة العربية تمامًا عن مسرح التنظيم أولاً ومن مشهد الدولة الوليدة لاحقاً وما زالت تتأبط شرًا بكل ما له علاقة باللغة العربية. يسمون اللغة التجرينية (لغة محلية) والعربية (لغة وافدة) على هذا الفرضية شنت الجبهة الشعبية جام غضبها وكراهيتها فضلاً عن خوفها من مقدرة العربية و ما تملكه من فرص التأثير والانتشار على المشهد بأسره عكس التجرينية الجامدة التي لا يمكن أن تنافس للعجز في بنائها وتصريفها، لغة لا مستقبل لها إذا ما تُرك الأمر للمنافسة في الساحة الارترية. رسوخ اللغة العربية في ارتريا لا يحتاج إلى دليل ممهور بأي صيغة يكفي أن ثلاثة أرباع أو فالنقل نصف السكان من المجتمع الارتري يتعامل معها تقرباً إلى الله زلفى بالعبادة والدعاء، وأن الشعب الارتري لو خير لما اختار غيرها،

موقف المسلمين :

يستميت المسلمون أن تظل اللغات- على الأقل كما -اتفق عليها الأجداد منهجا تتبناه الأجيال ، وربما غلا بعضنا أن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية في ارتريا وتأتي التجرينية ثانية يُتعامل بها إذا كان المسيحيون يصرون على تهميش اللغة العربية فلا يلوموا من يشطط من المسلمين ويطالب بتنحي وابعاد اللغة التجرينية، هذا الغلو الذي أسميته له وجهة نظر قد نتفق معها أو نختلف يقول أصحابها ودعاتها طالما الأغلبية في البلاد مسلمون فما الضير أن تكون اللغة الرسمية للبلاد العربية!! هذا منطق العقل معمول به في دول كثيرة والأغلبية في مفهوم الديمقراطيات لها الحق في الذهاب إلى مشاريع تتبناها الغالبية في أي شأن يخص البلاد. هناك إدعاءات بأن النصارى هم السواد الأعظم أو هكذا يروج فمن العدل أن ينظر للأمر بمنظار المصلحة وتجنب ويلات ومشكلات قادمة فالمسلمون متمسكون باللغة العربية ولن يتنازلوا عنها قيد شبر. إذا كان الأجداد تمسكوا بها في الماضي ولم تكن اللغة العربية بهذا الانتشار والزخم كما هي عليه الآن عدد ضخم من الخبراء والمعلمين وشعراء وأدباء على مستوى عال من الثقافة والتمكن سيكون هذا الجيل أكثر إلحاحاً وإصرارا أن تتبوأ اللغة العربية مكانها اللائق حتى لو كُسرت (بيضة الوطن) إن كانت تفيد! الذين يودون مناقشة الثوابت الوطنية من جديد يمرقون من الصف الوطني الجامع ويسعون لخلط الأوراق والموضوعات التي أصبحت طوال عقود من المسلمات التي لا نقاش حولها ولا خلاف ، إذا عرضنا كل شيء للنقاش من جديد سيطول بنا المقام في مربع الفعل ورد الفعل، ولن تبقى أي ثوابت تجمع الشعب الارتري ولا يبقى مقوّم واحد يعتد به ولا أرى للمنطق -هنا- أو للعقل مكان، من يود خلط الأوراق من جديد سيلغى بالضرورة الإرث العميق والتاريخ الواسع والتجربة التي أصبحت جزءاً من تكويننا السياسي والثقافي ، الأمر الذي نعايشه في ارتريا اليوم كواقع فرضته ظروف معينة لن تبقى كأوراق ضغط على رقابنا حتى نرفع الراية البيضاء صاغرين، النقاش المجدي الذي يفتح أرضية جديدة وتصالح مع النفس البحث عن التعايش والعودة من جديد إلى صيغ وطنية في ظل العدالة والقانون والمساواة والذي يجب أن يصرّ عليه الجميع ولا يلتفت لدعاة الوقيعة والخراب الذين يرفعون رايات سوداء وعواطف مهلكة لا تبني وطناً يسع الجميع بقدر ما تهدم ، يجب أن نحارب كل ناعق يريد المساس بالثوابت وبمصلحة الوطن العليا. يعتقد كثير من الفرقاء إن ما يحصل الآن في ارتريا تجريف مقصود مخطط له منذ عقود طويلة.. التغيير الديمغرافي وإفراغ البلاد من سكانها واحتلال الأرض وتوزيعها لغير أصحابها وتسليم مفاتيحها للقادمين ووعود حالمة بالتملك الدائم للأرض بحجة تملك الدولة لها هذه السياسة تنصف أي نداء للتعايش بين المكونات في ارتريا إذ لا يعقل أن يسكت صاحب الدار أن تغتصب أرض آبائه وأجداده . نعايش اليوم كيف هبّ الأحفاد في فلسطين بعد موت الأجداد للمطالبة بالأرض والعرض والموت في سبيل ذرة تراب واحدة. فلن يبقى هذا الملف في يد الغاصب إلى منتهاه. فلا شك سيثور المظلوم في يوم كريه أظنه لن يطول وأي كريه أبلغ مما يجري، وهنا تكمن خطورة ودمار ما تقوم به العصابة الحاكمة في ارتريا في المستقبل بإيعاز لشيطان التكويش وتكريس للهيمنة والتسلط والجبروت. المخرج في رأيي إعادة الثقة بين الفرقاء بحوارات عميقة ومصارحة واضحة مما يتهدد الوطن، وكيف سيكون مصيره في المستقبل؟

عبده يوسف أحمد Ayae1969@yahoo.com

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *