أ.المحبوب عبد السلام يتغزل بأسياس أفورقي ويعدد حسن خصاله وجمال إهابه..إلى متى هذا الانبهار الخاطئ؟!

في مقال جديد يطل علينا به مثقف سوداني يتحدث عن جمال وثقافة أسياس أفورقي ويعدد حسن خصاله وحسن سياسته وحنكته وجمال إهابه !..

وهو نهج قديم جديد لبعض مثقفي السودان  فقد تحدث بعضهم  عن ضعف المعارضة وهزالها فقتلوها ، وتحدث بعضهم عن تقدم ورقي مسيحيي أرتريا مقابل بداوة مسلميها وتخلفهم. ولم يجد الكاتب الحذق الأستاذ المحبوب عبد السلام لم يجد شيئاً يتحدث فيه عن شعب أرتريا وحقوق الإنسان فيها والحريات والعدل والتنمية والمصالحة بين الرعية والسلطان وعودة المهاجرين غير أن يذكرنا بمحاسن أسياس أفورقي خلقة وخلقا   ..غرام حتى بعد سن الشيخوخة شخصاً ونظاماً. بعد أن أبدت السنون سوءات المفتون به 

إلى متى يظل المثقف السوداني أسيرًا للانبهار الخاطئ  .؟!

كتب : المحبوب عبد السلام

الثلاثاء 24 يوليو 2018م

أثيوبيا-وآرتيريا-ُأطفأت-النار-أزهر-الجلنار- http://www.sudantribune.net

لو تيسر لك أن تجلس الى الرئيس الإرتيري آسياس أفورقى فأنت أمام مثقف عميق كثيف التجربة حاضر الذهن ثاقب النظرات، وأمام سياسي يقظ عالي الحساسية شديد الوعي بحركة العالم منخرط بالتمام في أحوال الاقليم، وإذا كنت على الوجه الخصوص سودانياً فسينصرف اليك بكل ما يملك من اهتمام وستغفل بالتمام مدى انخراطك معه في الكلام أنك تتحدث الى غير مواطنك بل هو كذلك لولا أن سادة العالم لقرون رسموا الحدود. لو أسرفت الحديث عن الاسلام وأنت مسؤول من بلاد العرب فسيذكرك الرئيس بأن (الاسلام دخل آرتيريا قبل أن يصل المدينة)، وإذا كنت مسؤولاً من السودان وأسرفت الحديث عن العرب فسيطلب منك بهدوء أن تمعن النظر في إهابه لترى أينا يبدو الى العرب أقرب رحماً. وإذا جاء السؤال عن الديمقراطية والانتخابات فسيستشهد فوراً من قريب بأمثلة ماثلة في الإقليم انتهت فيها الانتخابات بمثول قادة الأحزاب أمام المحكمة الجنائية الدولية في أعقاب تبادل الاتهامات بالتزوير ثم تظاهرات الاحتجاج ثم فضها بالعنف والقتل.

قريب من هذا الحضور الثوري، حضور أكثر هدوءا إذا تيسر لك أن تسمع الرئيس الأثيوبي الراحل ملس زيناوى، وقف بقاعة الصداقة بالخرطوم يقول: في البرتوكول يتحدث الرئيس في المختتم، لكن دعوني أخرق هذا التقليد وأبدأ في تقديم البروفيسور جعفر ميرغني، فلو امتد بي العمر عقب ترجلي الوشيك من مقعد رئاسة الوزارة فسأفرغ بالتمام لرعاية الدراسات المعنية بالوشائج الثقافية لهذا الاقليم، العمل المجيد الذي يواصله هذا البروفيسور بدأبٍ وصبر جميل، نحن أقليم واحد واسع ثرى ونحتاج أن نعرف ذلك بعمق. كان ذلك ضمن إحدى زياراته الرسمية للخرطوم نحنو ختام العقد التسعين والتي صحبه فيها العالم جعفر ميرغني شمالاً الى النقعة والمصورات ثم الى البجراوية واهرامات جبل البركل.

طيب أن تسمع رئيس إفريقي يذكرك بهجرة المسلمين الأولى الى الحبشة، وقد خلد القرآن مضامينها وجوهرها وإن لم يذكر قصتها وأحداثها مما فعلت السيرة، فقد قصّ أحسن القصص بوجوه لم تأت في الانجيل السرياني الذى تتطابق معه معظم آيات أهل الكتاب، وحملتها كتب الانجيل الأثيوبي عن الصديقة مريم عليها السلام، وأن السورة الخامسة من القرآن تحمل اسم المائدة تطابق ذات اللفظ والمعنى في الأثيوبية القديمة ( كائيدا )، وطيب الى حد الدهشة أن يبشرك الوزير الأول في بلد الحضارة الأقدم أنه سيفرغ الى الثقافة فور وضعه لهموم السياسة.

وفى الكفاح الصميم نحو التحرير اختار الصحفي الأميركي دان كونل الذي تابع الثورة الارترية يوماً بيوم عنواناً ملفتاً لكتابه (في مجابهة المعضلات كافة)، إذ كان أول سرد يسمعه العالم عن تلك الملحمة النضالية التي مكنت شعباً أعزلاً من جلب نظامٍ دعمته الولايات المتحدة الأمريكية ثم الاتحاد السوفيتي على التوالي جاثياً على ركبتيه، كما جاء في تقديم الكتاب، أو كما وصفه المفكر الكبير نعوم شاموسكى: إنها قصة ملهمة في البسالة والصمود والإنجاز والأمل ودرس بليغ جدير بأن يتعلم منه الناس. لقد اعتبر دان كونل أن نجاح الثورة الارترية المعجز يعزى الى النسيج المتنوع الذي أذاب فيه قادة تلك الثورة شتات المجتمع الإرتيري الذى هو نصف مسيحي ونصف مسلم، تتقاسمه تسعة أصول إثنية، وهيأته من ثمّ أن يحمل مبادئ والقيم الانسانية التي وسمت أزمنة الحرب الى زمن السلم لتكون أصولاً يؤسس عليها نهضة مستدامة.

أما فى أثيوبيا فقد شهدنا قدوةً ومثالاً نادراً في حمل مبادئ الثورة الى أزمنة السلم والحكم، أن تغادر المنصب عين أوان المغادرة مشكوراً مبروراً. يخطئ المحسنون كثيراً حينما يتوهمون أن التاريخ لا يسير بغيرهم، فيتشبثون بالمقاعد حيث ينبغي أن يغادروا. التجرد مبدأٌ قريب ميسور فى أزمنة الحرب والنضال، عسير أوان السلم والمناصب والجاه، لكن كثيراً من قادة الكفاح الأثيوبي اختاروا أول ذلك العهد ليفسحوا المجال للجيل الأصغر من شباب الثورة الذين قاتلوا كالبنيان المرصوص حين القتال، وأضحى مهماً أن يستقوى بهم صف السلام حين النصر والفتح وتدفق الناس أفواجاً، وهي بطبيعتها تحمل الصالح والطالح. من أولئك سباحات نقا الذي عهد بالمسؤولية لجيل ملس زيناوى وهو فى أول العقد الخمسين، ومنهم زيناوى نفسه الذي حدثنا بما كانت تحدثه به نفسه أن يفرغ من السياسة الى الثقافة ومن الدولة الى المجتمع، ومنهم داسالين الذي ما زالت كلماته تقرع قلوبنا: إن استقالتي ضرورية حتى أفسح المجال لحل يجلب للبلاد الاصلاحات الملحة والسلام الدائم والديمقراطية). صدق دسالين فى موقفه قبل كلامه وفى كلامه قبل موقفه، فأثيوبيا أرض صدق منذ كلام النبوة القديم ولحين أوان دسالين، فما الصدق إلا أعلى أخلاق الحضارة.

وكما صدق دسالين وهو يصف حاضره صدق نبوءته في المستقبل، إذ جسد أبي أحمد رئيس الوزارة الذى حل محله أحلامه كافة في قيادة تحمل الحاضر إلى المستقبل، فأبي أحمد بشخصه يمثل التنوع الدقيق الذى يسم أثيوبيا بأكثر مما يظن العجلون فينسبونه لمجرد اسمه الى الاسلام أو المسطحون الذى يربطون مجيئه بالانتصاف لأقلية الأرومو الغالبة عددا، فمشهد الوداع بين الرئيس المغادر والرئيس القادم لا يذكرنا أبداً بمشاهد القارة لدينا والتي ظلت تحملها لنا التلفزيونات منذ حين، أعنى مشاهد اقتحام الأبواب وإفزاع الأسر وانتباه الرؤساء من بملابس النوم وقد روعتهم لعلعة الرصاص. منظر دسالين واسرته وأبي أحمد وأسرته ذكرنا بمشاهد الوداع بالبيت الأبيض وليس القارة السوداء.

وكما يرتكب القادة العظام أخطاء عظيمة سنة الله فى الذين خلو من قبل، تندفع الشعوب بعد الثورات المجيدة فى العنف وعهود الإرهاب وتدفع بفلذات أكبادها الى المقصلة، كما دفعت ذرية الأنبياء بأخيهم الأصغر الأجمل الى غيابة الجب. فقد اتصلت الحرب بعد الكفاح المشترك الطويل بين أثيوبيا وآرتيريا، آرتيريا كأنها تستأنف حرب التحرير بعد أن استشعرت أنها تحاصر في لقمة العيش، وأثيوبيا يمنعها لا شعورها ألا ترى آرتيريا ألا أخاً أصغرا يؤمر فيطيع. وقد تلجلج الإقليم الأفريقي يومها والى حين المصالحة القريبة بين المحورين، كما يتلجلج الاقليم العربي اليوم، ولكن أبي أحمد اختار سبيل الصالحين، فذكر أيام الجفاء في أيام الوفاء جفاء. مضى أبي أحمد الى آرتيريا كأن لم يكن. ذكرنا كذلك مشهد آسياس وهو يوزع بسخاء الابتسامات الى ضيوفه مع القهوة، كذلك بتقاليدنا التي تجمع بين الإمامة والزهد بين الرئاسة والتواضع.

ولولا أن القادة العظام يتوبون من قريب بتجربتهم أو بفطرتهم، فيستشعرون معاناة شعوبهم ويصيح فيهم نداء من دواخلهم أن كفى كفوا أيديكم، فيجيبون أحسن إجابة، ما قام إليهم العالم يعينهم ويمهد لهم الطريق، جهود القاهرة والرياض وأبي ظبى المبرورة المشكورة جاءت لأن الأثيوبيين والآرترين أصلحوا أمرهم بنية صادقة خلق الحضارة الذى أشرنا اليه، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، سنة ثانية من أقدار الله فى التاريخ، وسنة ثابتة مهما اشتدت مؤامرات المتآمرين ومهما دقت مكائد الكائدين، لولا أن في المؤامرة عزاءٌ للفاشلين وهاجس أثير يعشقه الموسوسون.

تحدونا تجربة أثيوبيا وآرتريا أن نتطلع بأمل الى سلفا ومشار، أنهما سمعا النداء واستجابا له بأحسن وجوهه، فدولة الجنوب إذ ولدت بأسنانها أعملتهم في عملية عض الأيدي كما أعملت سواعدها فى كسر عظام أنفسهم، فقد ولدوا من رحم دولة في مقدورها أن تعينهم حتى يستووا على أقدامهم، فمهما تكن مرارة الفطام ففصاله في عامين، وهى محاطة بإقليم صديق ولدى عالم استبشر بها وقد جاءت على كبر من أحلام الامبريالية المسيحية، فقبل أن أكمل هذا المقال رجّ أبي أحمد العالم بتصريح آخرٍ عظيم : أن لابد من الديمقراطية، ذلك نداء المستقبل تصيخ اليه أفئدة الذين وعوا، وحرىٌّ برياك ومشارك أن يسمعوه بأوضح مما سمعه أبي أحمد، فقد تهيأت الانسانية في طريق حرية الانسان وكرامته وعدله وكفايته ولات حين مناص.

بقي أن أقول إن الجلنار هو زهر الرومان الثمرة التي تنتظم هذا الاقليم، تزهر الثمار إذا وضعت الحرب أوزارها كما يثمر سائر الزرع والضرع، روح وريحان وجنة نعيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *