أ.باسم القروي يكتب :تقرير ” زينا ” يكشف التفاصيل: تجارة التهريب ..ضرورة ملحة لشعب أرتريا وحكومته

ممكن تعريف التهريب بأنه تبادل سلع خارج الأطر المشروعة بعيداً عن عدل القانون وسيف السلطان ، وبهذا يصبح التهريب جريمة تلاحقه الحكومات ،  وتعاقبه بمصادرة السلع المهربة دون أن تنتظر سندا شرعياً ، و تعاقب المهربين بقانون هي الخصم فيه والحكم  ودون أن تفرق بين  التهريب البريء والتهريب المجرم  والمهربين  المجرمين والمهربين الأبرياء .لا تفرق بين مهرب معيشة لجأ إلى التهريب مضطرًا وبين  مهرب يمارس المهنة إجراما .

للحكومات الحق أن تتخذ لنفسها تدابير تحظر بها التهريب إن كان ضاراً باقتصادها ومواطنيها. لكن هل لها الحق أن تعاقب أهل الحاجة المضطرين الهاربين من إيذائها الظالم ، المضطرين إلى لقمة عيش أغلقت الأنظمة الجائرة سبيلها المباح. هذا النوع من التهريب لا يمارس إجراما وإنما يتحرك في مساحة ” السعي ” المباح للبقاء على قيد الحياة فهو لا يمارس السرقة ، ولا النهب المسلح ، ولا يتاجر في المحرمات شرعاً وإنما يبيع التاجر ويشترى السلع الحلال وبماله الحلال والبيع صحيح شرعا لأن أركان البيع وشروطه مكتملة فيه  .

والتهريب الضار من الناحية الشرعية حرام يجب على  الحكومات مكافحته والتشديد على منافذه وتنزيل العقاب الرادع على  ممارسيه وذلك إذا كانت السلع التجارة المهربة بشرًا أو مخدرات أو خمورًا أو سلاحًا ونحو ذلك مما يدخل في التجارة الضارة التي تؤذي المواطنين في دنيهم وتذهب بأمنهم واستقرارهم وتدعم النزاعات بينهم ، وربما تهدد أمن الوطن بصفة شاملة

الحدود بين أرتريا والسودان لا تخلو من نشاط تهريب يمارس التجارة بالبشر أو الخمر أو السلاح فللحكومات  الحق على ملاحقة هذا النوع من التجارة لكن النشاط الأعظم للتهريب من السودان إلى أرتريا هو تهريب: 1 –  السلع المعيشية  2- تهريب البشر  وكلا التهريبين لا يندرج تحت طائلة الإجرام لو نظرت إليه من الناحية الشرعية والناحية الإنسانية لأن العيشة ضرورة واتخاذ تدابير من دفع أجرة للدليل والعبور بمنافذ خاصة طلباً  للنجاة من بطش سلطتي البلدين ضرورة وهي تبيح المحظورات .أما التهريب الحرام فهو ما يتعرض له اللاجئون في الحدود عند العبور فقد يخطئون  الطريق أو يخونهم الدليل فيتحولون إلى سلعة تباع ، وجريمة تمارس ، فعلى الجهات الرسمية تخليصهم من المحنة واستيعابهم ضمن اللاجئين في مواقع آمنة

مبررات التهريب  :                     

التهريب بنوعيه السلع والبشر له مبررات مختلفة نذكرهما فيما يلي :

  • تهريب البشر :

أهم مبرر يدفع المواطنين الأرتريين إلى الهجرة عبر التهريب هو :

  • فرار اللاجئ من الحكومة الأرترية معارضاً لها أو هرباً من أذاها فهل هذا تهريب يوجب حراسة الحدود وإغلاقها على وجه القادمين من أرتريا
  • فرار اللاجئ من الشرطة السودانية ورجال أمنها في الحدود لأن هناك حالات كثيرة تم فيها إرغام اللاجئ على العودة المرة إلى سلطان جائر جاء هاربًا  منه  فإن تعمد التخفي عن عين السلطة السودانية  خوفاً من أذاها فهل هذا تهريب ؟
  • أحيانا يأتي الأرتري إلى السودان يبحث عن عمل أو يرغب في حضور مناسبة اجتماعية أو يلتمس مساعدة من بعض ذويه في السودان أو يأتي للدراسة .. فهذه حالات لها مبرراتها الاجتماعية وعندما يغلق في وجها المعبر الرسمي تلجأ إلى منافذ التهريب حتى تصل ما تريد ، فهل هذا تهريب إجرام ؟
  • أن مواطنا له جنسيتان زار أهله في الوطن الآخر وأخذ معه هدية من طعام أو لباس ..وعبر بها الحدود بطرق غير شرعية متخفيا من الشرطة المؤذية فهل هذا تهريب ؟
  • أن سكانًا يتعرضون للتجويع المتعمد من سلطانهم الجائر فيلجأ أفرادهم لجلب السلع بالطرق غير الشرعية – وليست بكميات تجارية وإنما ما يحمله الشخص على كتفه من دقيق وسكر أو ما يحمله معه صحبة راكب في مواصلات محلية مثل عربة الكارو – .. خوفًا من سلطانهم الجائر أو السلطان المتحكم  فهل هذا يدان بالتهريب  لكونه اشترى  قوت أسرته .
  • تهريب السلع:

إن الوضع في أرتريا مأساوي  من حيث المعيشة ولهذا يلجأ السكان إلى تهريب السلع  ، يشترونها من سوق السودان بسعر السودان ويبيعونها في ارتريا بسعر أرتريا مضيفين عليها ربحا وكلفة الترحيل وفواتير رشاوي العبور مما يجعل الأسعار ترتفع أكثر

وعلى هذا التهريب تعيش الحكومة والشعب هناك  وهو موقف صنعه النظام الطاغي  ويضطر إليه المواطن البريء

كان الأصل أن يكون اتفاق بين حكومة البلدين، بموجبه تصبح الحدود سلسل العبور ، وتصبح السلع سلسة التحرك ،  وتعزز بتسهيلات من سلطتي البلدين تشجع على الاستثمار الحلال  حتى يتحرك تجار سودانيون إلى أرتريا والعكس وتفتح شركات واستثمارات هنا وهناك وبهذا ينتشر الأمن والأمان وتزدهر التنمية وتختفي إلى الأبد ظاهرة التهريب يحاربها الشعبان والحكومتان ولا مبرر لمواطن أن يسلك المسالك الوعرة مع وجود المسالك الآمنة . وعند غياب الوضع الطبيعي للعلاقة بين الحاكمين في البلدين يصبح التهريب وضعا مفروضا يستعصى على الحل لأن مبرراته قائمة .وتأتي في مقدمة هذه  المبررات لتهريب السلع ما يلي :

  • أن الشعب الأرتري محتاج إليه ليبقى على قيد الحياة
  • النظام الأرتري محتاج إليه ليبقى على قيد السلطة
  • إغلاق المنافذ الرسمية في الحدود بين البلدين
  • سوءالعلاقة بين البلدين أوجد وضعا غير مرحب بالأنشطة الشعبية العابرة للحدود إلا عبر التهريب
  • وجود مواطنين مغامرين يعملون على هذه المهنة لانسداد فرص العمل أمامهم

وضع السلع المهربة في أرتريا

من  غرائب النظام الأرتري أنه يطارد التهريب أحيانا ويسمح به أحيانا  ويصادر السلع المهربة أحيانا ويغض الطرف عنها أحيانا والمواطنون يعرفون ذلك منه فأخذوا يتعايشون مع الوضع الشاذ حتى وصلت السلع إلى كل المدن الأرترية  دون ترخيص لها بالعبور السلس ، ومع ذلك يدرك النظام الأرتري أن هذه السلع من السودان وأنها  وصلت بالتهريب وأنه لا مفر من التعامل معها بالرضى أو بغض الطرف. .

وتظهر أحياناً حالات هيجان سلطانية يصبح ضحيتها بعض التجار ويسلم آخرون إذ ليس هناك قرار  رسمي موحد يمنع التهريب أو قرار رسمي موحد يسمح بالتهريب إنه بلد يعيش بلا قانون ضابط يعطيك الأمان،  لا في نفسك ولا في مالك ولا في عرضك.

أنواع السلع المهربة :            

سألت عددًا من التجار  النشطين في تجارة الحدود بين أرتريا والسودان فقالوا لي :

إن أهم المواد الرائجة في التهريب المواد الضرورية التي تتوقف عليها حياة المواطنين ولا يستغنون عنها ويأتي في مقدمتها المواد الغذائية من دقيق وسكر وزيت وعدس وأرز إلى جانب مواد أخرى مثل الملابس ومواد النظافة وتجارة النقود أي تحويل العملة ..

قلت لهم : وماذا عن مواد البناء فقالوا : ليست مفضلة  الآن وذلك لأن نشاط البناء في أرتريا متوقف بقرار من دولة كما أن تهريب مواد البناء صعب لثقله وصعوبة الفرار به  عند المطاردة فالسيارة التي تحمل جوالات سكر زنة 50 كيلو جرام   أخف بكثير  عند المطاردة  من سيارة  أخرى تحمل ألواح زنك أو مواسير حديد .

هل توجد مطاردة ؟  .

أجاب المصدر :نعم قد تتعرض السيارات أحيانا للمطاردة بواسطة سيارات حكومية متربصة  تتعقب التجار في الطرقات والمسالك  لكن لأن البلد واسع والطرق سهلة والحمولة محكمة في السيارة بالحبال ومتماسكة لاعتدال وتناسق أحجامها قد تنجو سيارة التجار وتفشل سيارة الحكومة  إلا إن أدركت سيارة معطلة في الطريق وهذا قد يحدث نادرًا لأن سيارات التهريب يتعهدها  أصحابها دوما بالعناية وتوفير قطع الغيار .

وسائل التهريب :

توجد تجارب لتهريب السلع عبر الطائرة جواً  يستخدم فيها التجار تحايلا على الجمارك في المطار بطرق هم يحسنونها .. ولا نريد الحديث فيها هنا  وذكر التجار أن السلع المهربة بالطائرة ليست كثيرة  ومع ذلك تفيد التاجر لأنها تغطي له تكاليف سفره  ومصروف أسرته  ولهذا لا يستغنون عنها خاصة أن عدد من التجار يتردد بالسفر على  الطائرة وقد أرسل مواد تجارية بالتهريب الأرضي  وهو يستقبلها في الوطن أرتريا  ، ليقوم بتوزيعها على المتاجر وتستمر الدورة سفرا وعودة وبيعًا واستيراداً . وذكر التجار أن الرحلات الجوية كانت سارية المفعول ومفيدة لكنها توقفت بسبب إغلاق البلاد بناء  على سياسة الحذر والوقاية من  الكورونا حسب تبريرات الحكومة.

وذكروا أن سعر التذكرة ذهابا وإيابا بالطائرة  الأرترية كان 14 الف جنيه سوداني وكانت  الطائرة الإثيوبية بمبلغ 8 ألاف جنيه – قبل أن ترتفع إلى 20 الف  لاحقاً-  فكان الخيار المفضل الطائرة  الإثيوبية لأنها تسمح بحمل  عفش صحبة  راكب يزيد عما تسمح به الطائرة  الأرترية وقالوا : إن التجار عادوا أخيرًا إلى الشحن الجوي السوداني ” الكارقو ”  فهو يسمح بحمل 60 كم صحبة راكب  وسعر التذكرة كان 12 الف جنيه قبل إغلاق الخط .

وذكر التجار أن زجاجة عطر من  النوع الرخيص  تشتريها من الشارع في الخرطوم كافية لعبور السلع  المحظورة في مطار أسمرا .ومثل ذلك في المحطات الأرضية

التواصل بين المدن الأرترية

 لا تستغرب إن رأيت حركة المواطنين نشطة بالأقدام تتواصل بين مدينة ومدينة لأنه لا توجد مواصلات بسبب الحظر الذي فرضه النظام على الشعب الأرتري  ولهذا عاد الشعب إلى العصور القديمة عندما كانت الوسيلة الأهم أن تحمل الأقدام الأشخاص من مكان إلى مكان ولهذا  يستخدم الشعب الأرتري أقدامه للتنقل بين الأماكن سواء كان في المدن والقرى أو لغرض الهجرة خارج الوطن .

وقد أصبح مألوفا أن ترى المسافرين يمشون على أقدامهم بين  مدينة ومدينة  عبر الطرق الرئيسية دون ان تعترض طريقهم الحكومة  وهذا المشهد أكثر وضوحًا في الطريق بين أسمرا وقندع  ومثل ذلك حركة المواطنين في الإقليم الواحد التي تقصد القرى أو المدنية أو المراعي والمزارع ..وذكر بعض التجار أن بعض العربات  الخاصة أخذت تنقل المواطنين بالأجرة الباهظة يركبون  عليها بعد محطة تفتيش وينزلون منها قبل محطة تفتيش أخرى لأن الحكومة تطارد  أصحاب العربات إن هم ساعدوا المواطنين في الترحيل  وكأنها تستعذب آلامهم .

كلفة شحن السلع المهربة :

إن مما يجعل السلع في أرتريا غالية جدا هو أجرة الشحن والترحيل فلو كانت هذه السلع تصدر إلى أرتريا بالطرق العادية لكانت الكلفة أقل والسعر أقل لكن لأن التهريب مخاطرة كبيرة ، ومجازفة غير مضمونة العواقب السليمة ترتفع كلفة الترحيل وبالتالي ترتفع الأسعار لتكون أضعافا لما كانت عليه من سعر في السودان .

وتحدث  بعض التجار لوكالة زاجل الأرترية للأنباء ” زينا ” أن أجرة عربة بوكسي تويوتا  من محطة تهريب في ” قرورة ”  – مثلا – الحدودية باتجاه البحر الأحمر إلى مدينة ” شعب ” الأرترية  في عمق إقليم شمال البحر الأحمر التي تبعد عن الميناء مصوع 70 كم تقريبا باتجاه الشمال   كانت قد وصلت  : 100 ألف نقفة  – ” عملة أرترية “-  بما يعادل : 6666 دولار  للشحنة الواحدة ، وقد تنزل إلى  ما بين 45 – 35  ألف نقفة  حسب الظروف ومخاطر الطريق وندرة المواد الضرورية .

وعندما فتحت الحدود مع إثيوبيا  عام 2018م قبل إغلاقها اللاحق وصلت أجرة البوكسي إلى خمسة ألاف نقفة فقط لان السوق الإثيوبية غطت السوق الأرترية بالسلع الرخيصة والخيارات الكثيرة فأعرض الناس عن التهريب وعن السودان لكن انقلاب النظام الأرتري عن الوضع واتجاهه نحو التأزم  وإغلاق الجدود مع إثيوبيا إلا للحرب دفع المهربين إلى البوابة السودانية مرة أخرى فهي غير قابلة للإغلاق وغير قابلة للإيقاف  لأكثر من عامل  أهمها العامل الجغرافي  وخبرة المهربين في هذه الأرض الواسعة والتداخل الاجتماعي بعمق أكبر مقارنة بما عليه الوضع في إثيوبيا  .

أسمرا تتوزد من شعب  ومدن بركا والقاش :

تعيش العاصمة الأرترية أسمرا على  ما تزودها به  مدن الحدود مع السودان مثل ” قرورة”  و” علي قدر”  و” تسني”  والمنافذ التهريبية الخاصة  وقد ذكر تجار التهريب أن تجاراً من العاصمة أسمرا يردون إلى أسواق التهريب في المدن مثل مدينة ” شعب ”  في إقليم شمال البحر الأحمر فإنها تعد مركزاً تجاريًا حياً  يستقبل السلع من السودان ويعمل في تمريرها إلى بقية المدن الأرترية ومثل ذلك تفعل المدن الحدودية الأخرى  والحكومة الأرترية تعرف هذه الحالة وتدركها  لكنها تغض الطرف عنها لأنها محتاجة إلى التهريب وتغض الطرف عنها لأنها لا تقوى على خنق التهريب وإيقافه نهائيا ولهذا تظل معه بين فتح غير رسمي مدة طويلة وانتقام جائر مفاجئ  والتجار يعلمون هذه المفاجئات غير السارة وينتظرونها بحذر وتوقي وتضحية .

قال لي أحد التجار : إنه عندما تقوم الحكومة بحملة  انتقام مسعورة تستهدف تجارة التهريب  وترسل  جنودا مزودين بعربات وسلاح لمطاردة التجار تتواصل تجارة التهريب بكل شبكاتها حتى السودان بهدف إيقاف إرسال السلع  وعندئذ ترتفع الأسعار في أرتريا إلى حد غير معقول  وربما انعدمت من  الأسواق  وتستمر على ذلك مدة نشاط الحملة ثم تغيب الحملة العسكرية  فيجد الناس متنفسا ليعودوا من جديد إلى  ممارسة المهنة الضرورية الملحة وقال المصدر إن مرور القوات الرسمية التي تكافح التهريب ليس متواصلا ، وليس هناك محطات تفتيش لحظر تجارة التهريب  وإنما تصل مناطق الاستهداف عربات وقوات خاصة يعرفها المواطنون ويسمونها باسمها  وهي تضر من عثرت عليه لكن الناس يتحاشون الاصطدام بها ويتواصلون بالهاتف للنجاة من شرها .

.عوامل نجاح التهريب :

يعتمد التهريب على عوامل نجاح  يتغلب بها على إجراءات الحظر الرسمية

1- الحذر والسرية :

 يأتي التعامل السري الحذر في أول قائمة نجاح العمل التهريبيي فالسرية خلق أصيل لتجار التهريب وهو صفة دائمة فيهم حتى التحقيقات والتقارير الصحفية لا تظفر منهم بتصريح ولا باسم صريح إلا من خلال التواصل الشخصي  والإنس الاجتماعي أو التواصل مع أشخاص هميمين..  أما لو علم التاجر أنه يتحدث مع شخص يكتب للإعلام فلن تظفر منه بمعلومة  وإنما ربما أعطاك معلومات مضللة والغالب أنهم يلوذون بالصمت وهذا قانون  المهنة.

2- المغامرة :

كثيرا ما يتعرض التجار إلى مصادرة أموال ومراكب  النقل وربما قتل بعضهم برصاص من الحكومة الأرترية ليلا في المعابر الخفية وكم قتلت إبل مهربة  واصحابها  ومع ذلك يتصف التاجر بالمغامرة فهو يتوقع النجاح والربح الوفير مما يدفعه  لخوص التجربة المتكررة  رغم ما يعلم فيها من مخاطر فهذه حياتهم  وحياة شعب أرتريا فإنهم لن يستغنوا عن سبيل واحد مفتوح أمامهم  وهو التهريب لأن النظام أغلق الطرق الشرعية .كما أنه  سيء الطوية لا يحب أن يرى الشعب يعيش في ارتياح  ، وينعم بالسعادة .وهذا رأي يكاد يكون محل اجماع بين التجار النشطين في تجارة الحدود

3- التعاون بين أعضاء الشبكة :

الشبكة التي تضم عددًا ضخماً من الناشطين في تجارة التهريب ، والمركبات التي تنقل هذه السلع ، وتجار الجملة في السودان الذين يبيعون السلع إلى  تجار أرتريا، أو نشاط تجارة العملة وأصحاب المخازن ،  أو متاجر ومحلات الحدود التجارية  ..، قد تصل السلع من المدن الكبيرة باسمها وكلها شبكة متعاونة متواصلة  تجتهد في دفع المخاطر  وتتخذ من الإجراءات ما يضمن سلامة السلع من الوقوع في يد الجهات الرسمية الأرترية أو السودانية

4-  الأمانة :

قال لـــ ” زينا ”  بعض التجار إن العاملين في تجارة التهريب أمناء جدا  فليس فيهم من يسطو على مال غيره  وكثيرًا ما تترك السلع في العراء  دون رقيب حتى يأتي إليها صاحبها بسيارة فلا تتعرض للسرقة وكثيرًا ما يحدث أن يسقط بعض المواد من سيارة  مطاردة  وجارية بسرعة عالية  فتأتي سيارة لاحقة تلتقط  ما سقط من السيارة السابقة حتى تلحقها بما سقط منها  ويشهد التجار أن المواطنين الذين تتحرك التجارة في ارضهم أمناء ولهذا لا تتعرض السلع إلى مخاطر السرقة  أو الإتلاف أو التبليغ إلى  الجهات الرسمية المتربصة..

5- بعض القوات الرسمية تغض الطرف :

ذكر التجار أن الخطر غالبا يأتيهم من قوات خاصة  تكلف من الحكومة لأداء هذه المهمة المؤذية   للمواطنين وأن الجيش الرسمي المقيم في معسكرات مثل  معسكر ”  مهميمي”  لا يهتم كثيرٍا بنشاط المواطنين تجارة  وإنما  يغض الطرف عنهم واحيانا كثيرة يكون التجار على اتفاق مع ضابط  يؤمن لهم الطريق في أيام محددة مقابل رشوة

فتكون هذه فرصة لترحيل سلع كثيرة إلى العمق الأرتري بهدوء وأمان

وشكا التجار أن القوات البحرية شرسة مع المواطنين غير رحيمة  فمن وقع في يدها لا يتوقع السلامة  وهي تخرج من البحر وتمدد أحيانا نحون اليابسة تترص بالتجار لتؤذي .ولهذا يتعوذ منها المواطنون لكونها تصادر السلع والمركبات وتعاقب التجار والسائقين بعقوبات قاسية أسوأها التغييب في المجهول دون محاكمة.

6- ارتياد طرق غير مسلوكة:

من عوامل نجاح التهريب أنه يستخدم طرقا غير مسلوكة  ولا أنيس بها ولا جليس لا حكومة ولا شعب – إلا نادرا –   ولهذا تتحرك العربات نهارًا وليلاً  وهي تخترق الغبراء بطرق غير معبدة  بعيدة عن معسكرات الجيش حتى تصل إلى محطاتها ا لأخيرة في المدن التي تردها عادة  مثل ” شعب ”  بإقليم شمال البحر الأحمر أو تسني وعلى قدر بإقليم  القاش بركة

الممارسة الإجرامية في التهريب  :

إن التهريب الإجرامي الذي يستحق الإدانة هو ما يقوم به ضباط الجيش والموظفون الكبار فهم يهربون الأشخاص بسيارات الحكومة ويضمنون للمهربين  الوصول الآمن إلى العاصمة السودانية الخرطوم  بالتواصل والتعاون مع شبكة هم يديرونها  ويتقاضون مقابل هذه الخدمة أموالا طائلة بالدولار.

ومن ناحية أخرى ذكر التجار أن الجيش يستهدف احيانا التجارة ليصادر  سلعاً مهمة مثل الدقيق والسكر والعدس لحاجته إلى ذلك  وهو سلوك عدواني  لا يسنده قانون ولا تحكمه قاعدة وإنما يعرفه المواطنون التجار،  ودوما يدركون أن  المعسكر إن جاع استهدف التجار في المواد الغذائية  كما أن ضباطًا يصادرون السلع لصالحهم الخاص.

المشهد الأخير :

على الرغم مما يشاع من قبضة النظام وجبروته فإنه يتضح من خلال هذا التقرير أن الوطن أرتريا يمكن التجول فيه دون أن يراك أحد ،  ودون أن يعيق حركتك أحد ، ويمكنك أن تعمل ما شئت من مهام دون أن يكتشف أمرك أحد،  لأن النظام قائم على ترتيب بشري يمكن  تجاوز خطره بترتيب بشري مغاير   ولا ينصر النظام أعظم من الخوف منه فإذا سلكت الطرق المناسبة وتسترت بالإجراء المناسب  خاصة في زمن المشي على الأقدام المتاح الآن فإمكان أي شخص ان يتحرك من طرف  البلاد إلى الطرف الآخر  وسط مواطنين متحركين مشيًا على أقدامهم يصعدون الجبال ، ويهبطون السهول ، ويجرون خلف المواسم ؛ يلتمسون مصالحهم ،  ويتنقلون بين المدن لقضاء احتياجاتهم الضرورية ، وإن كان للنظام عين فيجب أن يكون للمتجول عين يتقي بها  المضار،  ويدرك بها الأخطار وهكذا يتعامل التجار الآن مع سلطان الوقت القاهر وهم غالبون على ضعفهم ، وهو مغلوب على قوته وبطشه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *