أ.د.جلال محمد صالح في مقال خص به ” زينا ” : من أين وإلى أين مبادرة أبي أحمد نحو السلام مع إرتريا ؟

الإسلام السياسي هو المستهدف ولا أتوقع انفراج الأزمة بين النظام الأرتري وشعبه

مبادرة أبي أحمد ليست نابعة من الذات، كما يود أن يسوق لها مسوقوها، وإنما هي ضمن سياقات وسباقات، تقتضيها خارطة ترتيب المنطقة الإسلامية

ترتبط دول القرن الإفريقي الأربع، جيبوتي، إرتريا، إثيوبيا، الصومال، إضافة إلى السودان،بالمحيط العربي، ارتباطاً كلياً، جيوبلتيكيا،لا بد أن يجعل منها محل اهتمام، عند كل من له حضور بشكل وآخر، في إدارة صراعات هذه المنطقة العربية الإسلامية، أو الشرق الأوسطية، كما يسمونها، حيث الكيان الصهيوني، المزروع على أرض فلسطين المحتلة، وحيث الذهب الأسود، والأصفر، وحيث التباينات العرقية، والثقافية، واللغوية، والطائفية، وحيث المصالح المتضاربة.

وبسبب تفجر الربيع العربي، ما زالت المنطقة العربية الإسلامية، في حالة من المد والجزر، والتنافس الحاد، بين دولها،هدوء يخلفه هَدُودٌ،كل منها يسعى إلى تثبيت كيانه، من أن يهتز، وتعزيز وجوده، من أن ينهار، وتقوية نفوذه السياسي، من أن يتراخى، ثم يتهاوى، حيث تحسب، أن ذلك من ضرورات أمنها، وعامل من عوامل بقائها، في وجه هذا الاضطراب،وفي التصدي لكل من تظن فيه أنه يعمل في الإطاحة بها، وتقويض أمنها، وضرب استقرارها السياسي، وتماسكها الوطني.

وعليه، لا يمكننا قراءة مبادرة رئيس وزراء إثيوبيا، أبي أحمد، قراءة متوازنة، في فهم منطلقاتها الأساسية، وأبعادها المختلفة ـــ كما يبدو لي ـــ بمعزل عن هذه المجريات والخلفيات، وانفصال عن ما يدور في الشرق الأوسط ـــ حسب المصطلح الدارج ـــ من تدافعات.

وإذا ذهبنا إلى افتراض أسوأ الاحتمالات، بناء على ما تقدم ذكره، وبناء على ما يتردد من وجود خارطة جديدة، للشرق الأوسط الكبير،وبناء على انزعاج الدولة (القطرية) في عالم الإسلام، من مشروع الدولة ( اللاقطرية ) الذي يبشر به ( الإسلام السياسي ) سواء كان على النموذج الداعشي،الذي هو الآخر في حد ذاته، جزء من آليات الترتيب المستخدمة، والمسخرة، على غير بصيرة منها؛ لتحقيق أهداف مرسومة سلفاً، أو على نموذج غيره، فبإمكاننا أن نتنبأ بترتيب جديد، قد تشهده منطقة القرن الإفريقي، إما بدفع بعضها إلى ما يعرف بالفوضى الخلاقة، لتوليد كيانات جديدة،أو بتغيير أنظمتها السياسية؛ بحيث تتماشى مع أهداف الترتيب الذي تشهده المنطقة العربية الإسلامية، والتي هي حبلى به الآن، أو في حالة مخاض، والذي يستهدف ضمن ما يستهدف، بالدرجة الأولى والأساسية، ما يصفونه بـ(الإسلام السياسي) على مختلف مستوياته، مهادنة ومصادمة، أو توسطاً وتطرفاً.

وبهذا أن مبادرة أبي أحمد ليست نابعة من الذات، كما يود أن يسوق لها مسوقوها، وإنما هي ضمن سياقات وسباقات، تقتضيها خارطة ترتيب المنطقة الإسلامية، من غير أن يعني هذا بالبداهة أن لا مكاسب تذكر أو ترتجى، للطرفين المتنازعين، إثيوبيا، وإرتريا، فما ( بادمي ) هنا إلا مجرد معبر إلى ما يراد له أن يكون؛ ليتفرغ كل طرف للمهمة المنوطة به، في ضرب وجود ما يعرف بـ( الإسلام السياسي ) ومن يحسبونهم حلفاء له، وتعزيز نفوذ ومصالح من هو على نقيض وتضارب مع الإسلام السياسي ومصالح حلفائه، في المنطقة.

وإذا كانت حماسة رئيس وزراء إثيوبيا، في إنجاح هذه المبادرة، متصاعدة ومتسارعة، بشكل يلفت النظر، فإن الرئيس الإرتري، لابد أن يكون اقتحم عقبتها، وهو يدرك أخطارها وأثقالها، على ذاته، شخصًا، ونظاماً، فهو بطبعه العدواني، لا يعرف للسلام قيمة، وكما يصف نفسه، في لقاءاته الصحفية، أنه مطبوع على العناد، يشد الحبل حتى الانقطاع، ولا يمكن أن يرخيه أبدًا.

وهذا ما حدث منه فعلاً، حين شده مع ( التجراي ) المشاركين له ثقافة وحضارة، وأصولاً، حتى أطاح بهم في أديس أبابا، ولكن ألا يعني هذا إطاحة به، على المدى القريب أو البعيد؟.

ومهما كانت وجهات النظر المتباينة في الإجابة على هذا السؤال، فإن التجارب أثبتت أن الأنظمة الدكتاتورية،والشيفونية، تؤتى من حيث تظن أنها تحسن صنعاً، وتصوب البندقية إلى ذاتها، من حيث تحسب أنها تصوبها إلى العدو، وهو ما أراه في قبول إسياس أفورقي بهذه المبادرة، إذ كان يأباها من قبل، يوم دعي إليها، من نفر من رفاقه، في قيادة الجبهة الشعبية؛ لتحرير إرتريا، الذين فتك بهم؛ لمجرد أنهم دعوه إلى حل إشكالية ( بادمي ) مع إثيوبيا، بالوسائل السلمية، عندها اتهمهم بالعمالة، وزج بهم في المعتقلات المظلمة، ورفع شعار أن ( لا سلام يكون قبل انسحاب آخر مدفعية إثيوبية، وآخر جندي إثيوبي، من ( بادمي) .

وهذا يعني أنه بقبوله لهذه المبادرة، وضع نفسه، أمام قدر كبير من مستحقات السلام، التي يجب أن يدفعها ثمناً، ويتفاعل معها على النحو الذي يتفاعل به المعلن الأول لها ( أبي أحمد ) الذي أفرج عن سجناء الضمير، وسجناء السياسة، والفكر، من الإسلاميين، وغير الإسلاميين، واستعفى شعبه، عما نعته بـ( الإرهاب ) الذي مورس ضدهم.

فهل شخصية إسياس أفورقي، ونفسيته العنيدة، وتكوينه السياسي، هي من هذا النوع، تبيح له، وتسمح، أن يتعاطى مع هذه المبادرة، كما هو تعاطي أبي أحمد معها؟.

يكاد يكون محل اتفاق، أن ذلك مستبعد جداً، ومستحيل، وهو ما يعني أن لا انفراج سيحدث، في الأزمة الإرترية الإرترية، وأن لا تصالح سيكون بين أفورقي ومعارضيه، وأن لا سجناء سياسيين ستفك عنهم الأغلال والقيود، وأن الأمر بالنسبة له، لا يتعدى أكثر من إعلان إثيوبيا الانسحاب من ( بادمي ) قولا، وقبول اتفاقية الجزائر دون شرط يذكر،بغض النظر عن البدء الفعلي للانسحاب، متى يكون.

أما شأن الداخل، كيف يدار، فأحسب أنه استوثق منه، مشترطا، أن لا يمارس عليه ضغط من أي جهة كانت، وأن لا يتابع و يساءل عن سالف كسبه الأثيم، وربما اللاحق أيضاً، خلال السنين العجاف التي ما زالت ماضية؛ وهو على أريكة السلطة القاهرة والمغتصبة في آن واحد.

والذي يهمنا من الأمر كله، أيا كانت مواقف أفورقي، وتوقعاتنا منه، أن يكون لنا تصورنا الخاص بنا، في معنى السلام الذي نريده، مؤكدين أن السلام مطلب إنساني، وحضاري، لابد أن ندعو إليه، ونستبشر به، ولكن السلام يبقى من غير جدوى، ويظل مجرد أمنية، ما لم يتأسس، ويشيد على ما يلي:

أولا: حل الأجهزة الأمنية القمعية التي ارتكبت العديد من الجرائم المروعة، والبشعة، في حق المواطن الإرتري، وتقديم الجناة إلى المحاكمة العادلة.

ثانيا: الكشف عن مصير من غيبوا في السجون، وأخفوا عن الوجود، بسبب مواقفهم السياسية، وانتماءاتهم الفكرية، من كافة فئات الشعب الإرتري، وتوجهاته السياسية، والفكرية، وفك السجناء، وتعويضهم، بوصفهم سجناء الضمير، والحق العام.

ثالثا: اعتذار القيادة الحاكمة، ممثلة في الرئيس وأعضاء مكتبه، بالدرجة الأولى، والأساسية، إلى الشعب الإرتري، ثم الخضوع لإرادته العادلة، وكلمته الفاصلة، في مساءلة ومحاسبة صانعي القرار، وفي تقرير مصيرهم السياسي.

رابعا: إعلان نهاية الحكومة الحالية؛ لتحل محلها حكومة انتقالية، تتشكل من كافة القوى الإرترية، دون استثناء، لا تتجاوز ثلاثة أعوام، ترتب لانتخابات عادلة، حرة ونزيهة.

خامسا: عقد مؤتمر مصالحة وطنية جامعة، وشاملة، تخرج بنقاط الإجماع الوطني، في بناء دولة (التوافق الوطني ).

سادسا: تفعيل مبدأ ( العدالة الانتقالية ) استجابة للانتهاكات المنهجية أو الواسعة النطاق لحقوق الانسان؛ وذلك بغرض تحقيق الاعتراف الواجب، بما كابده وعاناه الضحايا، من انتهاكات، وتعزيز إمكانية تحقيق السلام، والمصالحة، والديمقراطية.

سابعا: كتابة دستور جديد، يحظى بإجماع الشعب الإرتري، وبمشاركته الحقيقية، في إنجازه، عبر نقاش مستفيض، وعميق.

وكتبه/ أ. د. جلال الدين محمد صالح

لندن

15/7/2018

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *