أ.سعاد دنكلاي تكتب لــــ ” زينا “: الصورة الذهنية عن أرتريا

عمل نظام الجبهة الشعبية على تغذية فكرة القوميات التسع وإحياء لغاتها ورقصاتها الخاصة وضخمها ، فمن قبله كان الأرتريون يقسمون جغرافيًا وكل منطقة جغرافية قد يسكن فيها أكثر من قومية واحدة . الهدف من ذلك سياسة “فرق تسد ” وقد نجحت إلى حد بعيد في ذلك ، فضربت النسيج الاجتماعي وأثارت النعرات العنصرية من جهة وضربت اللغة العربية من جهة أخرى ، وإن كان موضوع اللغة ملفاً كبيراً لعلنا نتناوله في وقت لاحق . ما يهمني الآن هو كيف أستثمر النظام هذا التنوع وغرس من خلاله الرقص كهوية وطنية ! فإننا كإرتريين مازلنا نختلف في العلم ولكننا نتفق في الرقص .

نختلف في اللغة والدين ونتفق في الرقص !… حتى أصبح الرقص هو الصورة الذهنية لنا كإرتريين أمام أنفسنا وأمام الآخرين . وساهمنا نحن كمجتمع أفرادًا وكيانات في تثبيت الصورة الذهنية هذه ففي كل مناسبة وطنية نرقص ، يوم الاستقلال نرقص حتى في ذكرى المعارك نرقص _ احتفالات “فنقل “وتحرير مصوع _ ، بل إن المجلس الوطني المعارض وصلتنا فيديوهات رقصهم قبل أن يصلنا بيانهم الختامي !!

وأنا هنا لست ضد الرقص كتراث ثقافي أو فن يروح عن النفس في حدوده المعقولة . ولكن ضد أن يصبح التعبير عن حب الوطن بالرقص حتى باتت الصورة الذهنية لإرتريا في مخيلتنا الرقص والقوميات التسع .

فعندما أقول مصر مثلا يتبادر الى ذهنك مباشرة الأهرامات والفراعنة ، ولو قلت السعودية يتبادر الى الذهن مهبط الوحي وبلد الحرمين …. وهكذا

ويقوم على صياغة وصناعة ذلك خبراء ومتخصصون في علم الاجتماع والدعاية ، وقد يعمدون إلى رسم صورة سلبية كما هو الحاصل في الغرب من وصم المسلم بالإرهاب ، الغريب أننا- معشر الأرتريين – متصالحون تمامًا مع هذه الصورة الذهنية ! ، ولا نرى أي غضاضة في ذلك !!!

وكأننا شعب بلا تاريخ أو حضارة !

نسينا أننا من هزم أقوى جيوش القارة ببطولات شهدائنا وقيادة زعمائنا .

ومن باب المكايدة السياسية ألغت “أو حاولت ” الجبهة الشعبية نضالات وأمجاد جبهة التحرير وكذلك يفعل الآن معارضوها بنكران بسالة رجالاتها وعملياتهم النوعية الفدائية ! ، وأعتقد لو أنتجت فيها أفلاما سينمائية لفاقت روعة أفلام هوليوود الخيالية .

ونتيجة لهذا أصبحنا كأمة فارغين ، لا أمجاد لنا ولا تاريخ . ولو أننا تجاوزنا مرحلة حرب التحرير وعدنا إلى التاريخ القديم لوجدنا فيه تاريخاً مشرقاً وحضارة عريقة ، فها هي اليونسكو تدرج اسمرا ضمن التراث الإنساني العالمي ، وها هو رأس مدر بمصوع شاهدًا على مرور صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم لنشر الإسلام في القارة الأفريقية ، وفي جزر دهلك والبحر الاحمر وأراضي دنكاليا آثار لم تكتشف بعد لحضارات غابرة حيث تطل على معبر مائي مهم مرت منه حضارات عريقة .

لو كان الأمر بيدي لمنعت الرقص تماما _ باستثاء حفلات الزواج _ في أي مناسبة أرترية لخمس سنوات قادمة على الأقل حتى ننفض الغبار عن ثقافتنا وتراثنا الحقيقي ونتيح الفرصة لظهور الفنون الاخرى ، ولأني لا أملك من الأمر شئاً أدعو من هنا الشباب الأرتري خريجي علم الاجتماع والتاريخ أن يشمروا عن سواعدهم ويتحملوا مسؤوليتهم تجاه الوطن فهذه ساحة اجتهاد وبذل وعمل تفوق العمل السياسي في أهميته ، وادعو كل    شاب – وشابة – إرتري في المهجر أتيحت له فرصة التعريف بأرتريا للأخرين أن يلغى فقرة الرقص تماما ليتيح لنفسه مساحة للتفكير والإبداع واظهار أجمل ما في ارتريا وشعبها وتاريخها … فارتريا تستحق ذلك .

مشهد : https://www.youtube.com/watch?v=rRc_6Ks8l98

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *