أ.محمد آدم حدوت يكتب عن : “الفاتح من سبتمبر .. ذكرى تعيش فينا”

يوم الفاتح من سبتمبر ليس كغيره من الأيام وينبغي أن يكون كذلك والاحتفال به ينبغي أن يكون في المقام الأول في دواخل كل ارتري شريف في أسرته ومع أبنائه وفي المدارس وفي القروبات وهو واجب وطني نبيل .. ثم تأتي من بعد المهرجانات والكرنفالات الجماعية لإحياء ذكرى هذا اليوم العظيم في حياة الشعب الارتري وتاريخه الحديث .
يوم الفاتح من سبتمبر لا ينبغي أن يمر على الارتريين مرور الكرام .. من منا قام فجر ذلك اليوم ورفع أكف التضرع والرحمة لروح عواتي ورفقاء دربه ممن وهبوا أرواحهم لكرامة هذا الوطن وعزة هذا الشعب .
من منا ذكر أهل بيته أو من يعيش معه في السكن أو من يداوم معه في العمل بأن يوم الفاتح من سبتمبر هو يوم عظيم في تاريخ الشعب الارتري .
إننا لم ننل شرف المشاركة مع عواتي في تفجير الثورة وإعلان الكفاح المسلح ولكن شرف إحياء ذكرى الفاتح من سبتمبر يظل واجباً علينا وعلى الأجيال القادمة طالما حيينا فوق هذه البسيطة .
قد يتساءل البعض ممن نسوا أو تناسوا عظمة ذلك اليوم
لماذا كل هذا الاهتمام بسبتمبر وعلامَ الضجة الكبرى علامَ ؟
أقول لهم ولكل من أراد معرفة عظمة سبتمبر أقول: يكفي أن شرارة سبتمبر في عام ١٩٦١م أوجدت تلك الحالة الهستيرية التي عاشتها الامبراطورية الاثيوبية يومها وهي أقوى امبراطورية في أفريقيا في ذاك الزمان فبمجرد سماع دوي أول طلقة من قمة جبل أدال معلنة الكفاح المسلح لقائد لا يملك شيئاً سوى الإرادة الوطنية الخلاقة ثارت ثورة إثيوبيا ولم تقعد لأن الإمبراطور هيلي سلاسي يعلم جيدًا بأن هذه الطلقة ليست كالطلقات التي تطلق على الصيد أو في مناسبات الأفراح أو في مطاردة اللصوص لذلك تحركت اثيوبيا بخيلها وخيلائها واستخباراتها وحلفائها لإخماد تلك الشرارة وكان أول تلك الإجراءات هو إصدار حكم الإعدام على القائد حامد ادريس عواتي ورصد الجوائز الضخمة لمن يأتي به حيا أو ميتا بل حتى لمن يدلي بمجرد معلومات عنه يدخل في جوائز الإمبراطور هايلي سلاسي التي يسيل لها اللعاب .. ما هذه العظمة يا عواتي؟!!
من جانب آخر سلك العدو طريق الاغراءات حيث عرض على عواتي عبر وسائله المختلفة وعملائه المناصب الرفيعة والمكانة السامية والحوافز الضخمة مقابل التنازل عن الثورة ولكن هيهات له مع قائد وطني عنيد عزم على تحرير وطن كامل وعتق شعب من براثن عدو غاشم .
عواتي كان يعلم جيدا وهو الخبير العسكري والفارس بأن هذه الطلقة لا تشبه الطلقات الأخرى التي كان يطلقها من قبل وكان يدرك عواقب طلقة أدال عليه شخصيًا وعلى شعبه الأبي ولكن قال في نفسه أنا لها وشعبي لها .. وأول عواقب تلك الطلقة التي انطلقت من قمة جبل أدال عليه شخصيا هو الحكم القاسي القاضي بإهدار دمه حيث ظل مطاردًا حيا وميتا لأربع سنوات واثيوبيا بجبروتها وعملائها وجواسيسها لا تعلم أن عواتي قد مات وأن سر وفاته قد بقي في صدور رجال أوفياء تجاوزوا صدمة وفاة عواتي قبل أن يكمل عامه الأول وتواثقوا على ألا يفشوا ذلك السر وقد كان إلى أن أعلنت جبهة التحرير الارترية رسمياً وفاة القائد عواتي في عام ١٩٦٥م بعد أن تمكنت الجبهة وسيطرت على أجزاء واسعة من ارتريا وثبتت أوتادها على أرض ارتريا .
فاتورة طلقة أدال كانت باهظة التكاليف على عواتي شخصيًا وعلى شعبه الصامد الصابر حيث ظل عواتي فترة حياته القصيرة في الثورة التي لم تتجاوز بضعة أشهر يدفع الفاتورة لحظة بلحظة من جبل إلى جبل ومن وادي إلى وادي ولا يعرف لعواتي أن بات ثلاث ليال في مكان واحد .. أما الشعب الارتري أيضا كان قدر التحدي حيث دفع فواتير باهظة تمثلت في القتل الجماعي والمذابح الشهيرة وحرق القرى في إطار الحملة الاثيوبية المسعورة في النصف الثاني من ستينات القرن الماضى وتوالت تلك الحملات حتى السبعينيات إثر إعلان اثيوبيا سياسة الأرض المحروقة التي قضت على الاخضر واليابس والتي لم تفرق بين البهائم والبشر في سياسة الإبادة الشاملة والأرض المحروقة التي استهدفت إبادة وطرد ثلاثة مليون ارتري آنذاك أي كامل الشعب الارتري حتى تخضع الأرض طائعة لها على جثث وأشلاء شعب بأكمله ولكن هيهات لها ذلك . حيث نعيش اليوم ثمرة تلك الطلقة التي انطلقت من قمة جبل أدال وتواصلت بطولات وتضحيات عظيمة وها هو العلم الارتري يرفرف وسط أعلام الأمم والشعوب بالأمم المتحدة وليشهد التاريخ وليشهد العالم اجمعه إن ارادة الشعوب لا تقهر وأن عواتي القائد الملهم يبقى رمزًا عبقريًا للشعوب الحرة الأبية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *