إرتريا و إثيوبيا …. الثابت والمتغير الخبير الإعلامي الشاعر/ أحمد شريف

 في مقالة سابقة، أشرتُ إلى أن كل شيء من حولنا نحن (الإرتريين) يتحرك، خاصة في المنحنى السياسي، ونحن فقط الثابتون!! فإذا كانت السياسة تعني في بعض ممارساتها، عدم التخندق والثبات في المواقف القديمة، وفقا للمصالح، فإن المؤكد عدم وجود ثوابت في علم السياسة خاصة في مداها العملي، بخلاف إطارها النظري. ومثالا على ذلك، أشير إلى ما ذكره الكاتب (عبد المحسن يوسف) بقوله: “من كان يظن أن روسيا سيكون لها هذا التواجد القوي في منطقة كان الغرب يعتبرها تحت تأثيره المباشر؟! وها هي روسيا تمتلك اليوم قواعد عسكرية في سوريا، واتفاقيات استراتيجية مع تركيا وإيران، بمعنى أن روسيا أضحت متواجدة في قلب الشرق الأوسط، وعلى ضفاف الخليج العربي، ومزاحمة للنفوذ الغربي بشكل لافت للنظر في قلب العالمين العربي والإسلامي.” أهـ وهكذا في مواقف عدد من الدول التي تتغير بين يوم وليلة؛ وفقا لمصالحها الإستراتيجية أو حتى المرحلة والآنية في أضعف الحالات.

وسائل النشر الحديثة، تعج هذه الأيام بكتابات متباينة في الشأن الإرتري – الإثيوبي، (المتواقفة) بعضها ببعض، بمعنى تأثير وضع هذا على ذاك، ولو بنسب متفاوتة. خاصة إذا كنا من الذين ينظرون إلى الحالة تلك، في بعديها التاريخي والاستراتيجي. ومسلم به أن تنشر آراء متباينة أو متوافقة في التحليل والتوقعات، حيث كل أدلى كل برأيه وفق قراءته للأحداث وتوقع تداعياتها. لكنني، سأنظر إلى الحالة (الإرترية الإثيوبية) من منظور (الثابت والمتغير)، ليس بسبب (إعلان الائتلاف الحاكم في إثيوبيا قبوله الكامل لتنفيذ (إتفاقية الجزائر) الموقعة بين الدولتين قبل سنوات) سأنظر إلى الحالتين في إطار جملة من المتغيرات التي طرأت على الأوضاع الداخلية لإثيوبيا على وجه الخصوص، والثابت في الحالة الإرترية، سواء في إتجاهاتها السياسية، وأيضا في بعدها الاقتصادي على وجه التحديد، سيما وأن قدرًا كبيرًا من التغيرات قد طرأت في الحالة الإثيوبية، وذلك قبيل رحيل، رئيس وزراء إثيوبيا الأسبق/ المناضل (ملس زيناوي) بسنوات. المتغيرات التي شهدتها أثيوبيا خاصة في السياسة الاقتصادية، التي قد يصعب رصدها في هذا المقال، سيما خلال الفترة المشار إليها آنفا، أعطت مؤشرات على أنها تتجه اتجاها مختلفا في علاقاتها مع الآخر على المستويين الإقليمي والدولي بما فيها (إرتريا) ولو على نمط هادئ حينا، وساخن في أحايين أخر. فإذا كان دولة رئيس وزراء إثيوبيا الأسبق (زيناوي) قد أعلن، بعد توقيع إتفاقية الجزائر “أن (الحرب مع إرتريا) قد انتهت عمليا” أحسب أن دولته ومنذ تلك الفترة، بدأت عملياً في إحداث تغيير في توجهاتها السياسية، إلى ما يمكن تسميته بـ(الماراثون الاقتصادي الممرحل)، بدءًا بالشروع العملي في إتمام مشروع سد النهضة، مرورًا بتطوير علاقاتها الدولية المبنية على الاستثمار والنهضة الاقتصادية لا غير، إلى جانب برامج داخلية عديدة ذات مردود اقتصادي مباشر أو غير مباشر على المواطن، ولو في إطاره الضيق على أقل تقدير. إن منحنى السياسة في إثيوبيا، بدأ في تغير اتجاهاته منذ الفترة المشار إليها أعلاه، حيث ظهرت ملامح رؤية جديدة لإثيوبيا، ملخصها ضرورة قيادة الاقتصاد للقاطرة أو السفينة الإثيوبية وليست السياسة لوحدها، كما درجت عليها منذ عصورها الإقطاعية وحتى مرحلة الثورة التي أطاحت بالانقلابين الحُمُر (من: أمان عندوم وحتى: منقستو هيل ماريام). أولى مؤشرات ذلك المتغير في الحالة (الإثيوبية) ظهر في الانتقال الناعم، لدولة رئاسة الوزراء من (ملس) إلى نائبه (هيلي ماريام) بعد وفاته المفاجئة، خلافاً على شاكلة الحالات الإفريقية، ثم جاءت أعلى درجات متغيرات المشهد السياسي، في تقديم دولة رئيس الوزراء (هيلي ماريام) استقالته، سواء جاءت على خلفية الضغط الجماهيري أو إملاءات الأحزاب السياسية المتحالفة. الشيء المهم أنه، تقدم باستقالته وقُبلتْ دون إحداث ضجيج سياسي، أو فرقعات إعلامية محليا أو إقليميا. وقد مثلت تلك العملية، خطوة سياسية غير مسبوقة في نيسج فسيفسائي مكونات (الأمة) الإثيوبية من ناحية، ونادرة في الحالة الإفريقية بشكل عام، ومقارنة بثبات مميت وقاتل، كما في الحالة الإرترية (الثابتة الساكنة الراكدة ) والتي لا تحتاج إلى توضيح أكثر مما هي عليه، سواء للأعمى أو البصير (سياسيا)! إن كبرى تداعيات (الحرب الإرترية الإثيوبية) الأخيرة، على الحالتين، وبغض النظر عن مسبباتها وأجندتها المعلنة و المخفية، فإنها تباينت في انعكاساتها، على وضع الدولتين بشكل عام. بالنسبة لـ( إرتريا)، فإن أعظم تداع لها، تمثل في تشظي وانشطار صف الحزب الحاكم الوحيد، (هقدف)، حتى وإن كان يحمل بذور خلافات وتباينات غير مشاهدة إلا لأصحاب التجربة ومراقبيها اللصيقين. حدوث شرخ بذلك الحجم لجهة مسؤولية تاريخياً عن قيادة شعب، وإدارة ملفات سياسية واقتصادية، كان بمثابة زلزال لم يستطع الحزب حتى تاريخه التقاط الأنفاس. ولأن حجم تداعيات (النكسة) كانت قوية، بالتالي فإن ارتدادات الأزمة تواصلت انهياراتها حتى وصلت (المجموعة) نقطة اللاعودة أو إلى الطريق المسدود لا يساعدها في التماهي مع أي خطوة إصلاحية سواء جاءت من الداخل أو الخارج وتحديدا (إثيوبيا) هذه الوضعية المزرية، أكدت (الثابت) الرابض في المربع الأول. وإدمان ترديد شعارات لا وجودلها على الواقع. ليس هذا وحسب،بل شرعنة نهج مغاير لثوابت وطنية، من قبيل الوقوع في حبائل تحركات غير بناءة وغير استراتجية ومدمرة لمقدرات الوطن والمواطن. والمتمثل في تبني تحالفات إقليمية وشبه إقليمية سواء مع : (إسرائيل، تركيا، إيران، الحلف العربي، الصومال، إثيوبيا، السودان قطر مصر) مع وضد في ذات الوقت، إلى غيرها من الحراك الأقرب إلى ماراثون يومي لا تمارسه دولة، تحترم شعبها وتلتزم بمبادئ وطنية، مهرت بالغالي الذي لا يعود. غرقت (الحالة الإرترية) في بحور تكتيكات آنية مرحلية ومخاطر لا يعلم مداها إلا الله. أدى كل ذلك إلى زعزعزة الاستقرار الداخلي، صحبه دمار للبنى الإقتصادية برمتها، مع نزوف بشري وإنساني، كلها ماثلة للعيان. بمعنى انهيار كامل وفشل صريح للدولة، أدى إلى تدهور الوضع برمته. أما في (الحالة الإثيوبية) مع وضع الظروف الخاصة في الاعتبار، بما في ذلك عدم اسقاط مسؤولية ما ارتكبته (إثيوبيا) بحق إرتريا أرضا وشعبا، كدولة مستعمِرة أنظمة كانت أو حكومات، بما فيها (الحكومة الحالية) باعتبار ان تلك الحقائق لا تسقط تلك الحقائق ولو بالتقادم. سيما وأن أثيوبيا قد اعترفت بتبعات مسئوليتها التاريخية الاستعمارية في إرتريا – أدبيا -، سيما بعد تأكيد سيادة إرتريا، الذي جاء بعد نضال دامي، واستفتاء مشهود دوليا. إن تلك الممارسات اللانساينة التي ارتكبت بحق الإرتريين داخل إرتريا وإثيوبيا من (إثيوبيا) هي الأخرى، بحاجة إلى فترة طويلة، تضمد خلالها جراحات الماضي القريب. ورغم هذا وذاك، فإن الدرس المستفاد لإثيوبيا من تاريخ حروبها الطويلة مع دول الجوار على مدى التاريخ، أعتقد لأول مرة وكأنها، قد وصلت إلى قناعة سياسية مفادها، {أن الاقتصاد ينبغي أن يتقدم السياسة} وهذا هو أول متغير في العقلية التي تحكم إثيوبيا على الأقل دولة رئيس الوزراء الجديد (ابيي)، (أتفقت أو اختلفت القوى السياسية فيما بينها)، تلك مسألة لا تعنينا في هذا المنحى، بقدر ما يهمنا انعكاساتها على الوضع الإرتري سلبا أو إيجابا وهو الأهم. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن سفينة الجمهورية الإثيوبية (إقتصاديا وسياسيا)، لا تواجه أمواجا عاتية من التحديات. ومن الإنصاف الموضوعي أن نتسآءل لماذا أصبح التغيير سمة معتمدة ومعمولا بها في إثيوبيا؟ ولماذا (إرتريا)، في مرمى الثابت الذي لا يتغير، حيث (حكم الفرد) الذي لا يسأم، إلى درجة أنه أي (الفرد) أصبح منهجا مترسخا لا تقبل جدلية النقاش حول منهجه، و لا موضوعية المراجعات في نهج الدولة ومسارها؟ فغدت الحالة (قدريةً) لا يمكن تجاوزها إلاَّ برحيل رأس المجموعة الحاكمة (إسياس) (المستعمر الوطني)؟ وهنا تتمظهر الأزمة في أسوء صورها. للإجابة على التساؤلين أعلاه، وبعيدا عن إسقاطاتهما التاريخية وموروثاتها الإدارية والثقافية، فإن القوتين التين دخلتا (أسمرا) و (إديس أبابا)، عبر بوابة الثورة إلى رحاب الدولة وتحدياتها، فإن الثانية، استطاعت في فترة وجيزة أن تكيف نفسها للتحول إلى مفهوم الدولة أيا كان شكلها، لماذا؟ وكيف؟ تسآؤلات مثل هذه وغيرها، بحاجة إلى دراسة متخصصة وبحث استقصائي. عمليا وخلال سبعة وعشرين عاما، الذي يمثل عمر الدولتين الوليدتين (إرتريا و إثيوبيا)، فإن فلسفة التغيير لدى الأخيرة كانت هي المحرك الأساسي لإدارة دولاب الحكم، وذلك في إطار المؤسسية – أيا كانت شكلها – ، ومع مرور الزمن أفرزت التجربة هذا المستوى الذي تُدار به شؤون (الجمهورية) وشعوبها أو أمتها على أدق التوصيف. ومحك العملية الرئيسي برأيي المتواضع، بن الحروب أو المواجهات بين الفرقاء داخل الجمهورية أو خارجها غدا أمر مكلف إقتصاديا بالذات، بالتالي وصلوا إلى ضرورة أن تتقدم قاطرة (الجمهورية) عجلة الاقتصاد وأخواتها، وكل ما سواه يصبح تابع وملحق بها. ومن هذا المفهوم، نستطيع القول، بأن ما شهدته (الجمهورية الإثيوبية) خلال السنوات القليلة الماضية، من تطورات سياسية سواء في رأب الصدع الداخلي، أو التنادي لإجراء مصالحة مع قوى المعارضة، أو الإعلان عن القبول الكامل لاتفاقية الجزائر بين إرتريا وإثيوبيا، وغيرها من المشاريع والعلاقات المبنية على محاولات إحداث تغيير جذري في منظومة العقل السياسي الإثيوبي – اتفقنا معها أو اختلفنا – كل ذلك يشير إلى { أن أي جمهورية أو أي دولة تتواضع إلى الامتثال بأمر القانون و تعمل بمؤسسية وتحاول التقيد بها، أيا كانت لونية أو مستوى تلك الممارسة، فإنه ومع تطور التجربة في نهاية المطاف، تكون محصلتها البدء في وضع القاطرة في طريق الاستقرار الاقتصادي أولا، ومن ثم التقدم السياسي في أدنى مستوى لها، والذي يعني في الأخير الاستقرار الوطني حتى ولو كان نسبيا } والعكس صحيح. ولا يعني ذلك أن أثيوبيا غدت جنة يتفيؤ مواطنوها ظلال الدعة، ولكن على أقل تقدير هناك مؤشرات ومتغيرات ترشح حدوث ذلك ولو بعد حين. التجربة الإرترية، منذ 1991 وحتى تاريخه، تمثل أنموذجا واضحا لغياب دولة القانون الذي أفرز غياب حكم المؤسسية والشفافية، وتداعيات كل ذلك، أدى بدوره إلى ترسيخ دولة (الفرد) لا غير. وهو الثابت الذي لم يتغير طوال تجربة الدولة الوليدة التي كانت توقعات نسبة نجاحها 100%، إذا لو استطاعت عن قناعة تجاوز عنق زجاجة الإدارة الثورية. ولكن على العكس، فإن الدولة بكل طموحات شعبها وتطلعاتهم وإمكاناتها البشرية والطبيعية ووجود تجارب ناجحة أمامها (المجموعة وصلت إلى الفرد) اختارت أن تسجن نفسها في عنق الزجاجة القديمة، ليس هذا وحسب، بل أغلقتها بإحكام لا يقبل التغيير، أو حتى مجرد تنفس الهواء ومشاهدة ما يدور من حوله. وفي نهاية المطاف حصاد أليم، مطلعه تراجع في المبادئ، يعقبه تنصل عن الأهداف، يليه تلاشي قيم التضحيات، ثم هدر كرامة الإنسان، للوصول إلى إدمان حالة الثبات التي لا تقبل التغيير مطلقا!! وكأن كل تلك التضحيات وقوافل الشهداء وتطلعات الشعب المناضل واستحقاقات الاستقلال والحرية، كلها تعني هذا الثبات الفاشل المدمر المستميت في حصنه لا غير!!!؟؟ خلافا لقانون الحياة القائم على فلسفة التغيير لا الثبات!! إذا في ظل وجود عقليتين وحالتين، (1) منهج قابل للتغيير لإيجاد بديل أفضل، و(2) آخر ثابت لا يتحرك يرى واقعه هو الخيار المطلق، أمام هكذا وضع، لا أتوقع شخصيا أن تبدي الحكومة الإرترية (حكومة الفرد) (المستعمر الوطني) التفاعل إيجابيا مع إعلان (الائتلاف الحاكم في إثيوبيا) تنفيذ اتفاقية الجزائر الموقعة بين الدولتين – إذا صدق الإعلان قولا وفعلا من الجانب الإثيوبي – بمعنى الشروع في تنفيذ بنود الاتفاقية، هذا رغم أن العملية معقدة للغاية. وحتى ظهور هذا وذاك، الشيء المتوقع، خروج (رئيس الاستعمار الوطني، إسياس أفورقي ) خلال الأيام القادمة، في مقابلة مع وسائل إعلامه (تلفزيون إذاعة وصحافة)؛ ليمارس ذات اللعبة ويكرر نفس السيناريو، من خلال طرح تساؤلات فلسفية واستفهامات ميتافيزيقية أو طوباوية، أو شيء من هذا القبيل. السؤال الأهم هو كيف ستتعامل (القوى الفاعلة في الملف (الإرتري الإثيوبي) مع موقف (أسمرا) الذي سيدور في حلبة المماطلة (لا قبول صريح، ولا رفض معلن!!!) سؤال آخر كيف ستوظف (إثيوبيا) موقف (أسمرا) (المتململ) محلياً وإقليمياً ودولياً؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام الحبلى بالتطورات، ولكل حدث حديث. فالمسألة أعقد من مجرد إعلان قبول هذا الاتفاق! أو رفض هذا الإعلان! ولكن هناك ثابت ومتغير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *