الأستاذ أبو محمد علي محمد محمود يكتب : يوم المعتقل الارتري يوم الضمير الحي

شكرًا لوكالة زاجل للأنباء صاحبة الهمة والحضور المميز على تذكيرنا وربطنا بقضايانا الحية بشكل دائم. وقضية المعتقلين في ارتريا هي قضية كل بيت واسرة ارترية.

بمبادرة كريمة وانطلاقة رائدة أطلق نشطاء ارتريون قبل أعوام حملة تضامن باسم يوم المعتقل الارتري في 14 من ابريل وكان ذلك هو نداء الضمير الحي، والوقفة الإنسانية، وقد دشنت هذه الحملة في مناطق عدة عبر برامج وندوات تفاعل معها عدد لا يستهان به  تضامنًا مع هذه القضية الانسانية المهمة، وبلورت فعالياتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 وبحسب تقارير منظمات حقوق الانسان العالمية فإن عدد المعتقلين الارتريين تجاوز حاجز العشرة آلاف معتقل في شعب قليل العدد، ونحن عندما نطلق كلمة معتقل إنما نطلق ذلك تجاوزًا وتماشياً مع اسم اليوم المخصص، ولكن حالة هؤلاء الناس الحقيقية هم المختفون قسرًا، ويعتبر الاختفاء القسري جريمة ضد الانسانية ففي الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 47/133 في 18 ديسمبر 1992م  المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فقد تم تعريف الاختفاء القسري ((بأنه اعتقال، أو احتجاز، أو اختطاف، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية، يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة، أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته، أو إخفاء مصير الشخص المختفي، أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون)).

الواقع ان النظام الدكتاتوري في ارتريا لم يرفض فقط محاكمة هؤلاء المختطفين المختفين بصورة قانونية، أو الإقرار بحرمانهم من حريتهم، بل أنه يرفض الاعتراف أصلا أنه من اقتادهم، أو يتحفظ عليهم، ويرفض إعطاء اي معلومة عن مصيرهم، أو أنه يهتم بهم اصلاً كمواطنين، بل الأسوأ يعتقل أو يغتال من يسأل عنهم.  الحالة الارترية لا يعرف لها مثيل في العالم الحاضر، وتعتبر هذه الاتفاقية أحد المعاهدات المهمة التي اعتمدتها الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان، فهي منذ دخولها حيز التنفيذ في عام 2010م تحتفي بها الأمم المتحدة في 30 من أغسطس من كل عام كونها يوماً دوليًا للمختفين قسرياً، بهدف استحضار معاناة هؤلاء الأشخاص.

وبالرغم من هذه الاتفاقية فإن الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها لم تعمل الكثير من أجل حل قضية المغيبين قسريًا في ارتريا ، بل أنها لم تقم كأقل حد برعاية اسر المغيبين ريثما يتحدد مصيرهم ، فهذه الأسر  تواجه في بلادها وفي بلاد اللجوء لمن خرج منها ظروفا صعبة بسبب غياب عائلهم.

 إن مبادرة اختيار 14 من إبريل كيوم للمعتقل الإرتري يعتبر لفتة بارعة وتخصيصًا مهمًا، وتهدف هذه الحملة إلى لفت الانتباه إلى حالة المغيبين قسرًا منذ سنوات، وهي محاولة لإيقاظ الضمير العالمي للتضامن بصورة جادة مع هذا الملف، فأقل ما يمكن أن نقوم به هو التذكير بقضيتهم، و14 من ابريل بدلاً من 30 من أغسطس هو تحوير ذكي، ففيها استمرار للتذكير بقضية المغيبين في ارتريا لشهور قبل المناسبة العالمية، وكذلك حتى لا تضيع قضية المختفين قسرياً في ارتريا ضمن قضايا المختفين قسرياً في العالم، فهؤلاء لهم إعلام أقوى، ومحامين كثر، ودول مناوئة لدولهم تعمل على إبراز معاناتهم نكاية بالأخرى، ولكن المغيبون قسرًا في سجون الطاغية في ارتريا هم خارج اطار الزمن، كما هم خارج اهتمام العالم، ربما لضعف وسائلنا الاعلامية، ومساراتنا القانونية ، وقبلها ضعف معارضتنا، فبعض هؤلاء المغيبين اختطف من قبل اقرار الاتفاقية، ولا يزال مصيره مجهولا، وقد يكون بعضهم قضى نحبه تحت وطأة التعذيب او سوء ظروف السجن فالمعروف عن سجون الطاغية في ارتريا، مع كثرتها حيث تجاوزت الثلاثة الف سجن، فإن أغلبها في حاويات في مناطق تصل فيها درجة الحرارة الى الخمسين درجة، وفي حفر تحت الأرض لا يصلها الهواء.

العالم يتحدث عن المختفين قسريًا يعتقلهم بشر، ولذا يسمع عن خبرهم وظروفهم، أما  في ارتريا فنشك ان هؤلاء الذي يشرفون على اعتقال هؤلاء السجناء أنهم من البشر، وأن لهم قلوباً ترف لوقع ظرف إنساني، أو لهم علاقات اجتماعية وأسرية، ” وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)  النساء ” وعندما كنا نقرأ (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) البقرة ) كنا لا نتصورها كواقع الى أن رأينا حال زبانية ارتريا الذين لا يرف لهم طرف انساني، فلا تجد حتى الخبر العابر عن مرض أحد هؤلاء المغيبين أو موته.

اؤيد بشدة الاستمرار في الاحتفاء بهذا اليوم بالرغم من ضعف الأداء الذي سببه نحن جميعا، وبالرغم من عدم تفاعل الإعلام العالمي والمنظمات الدولية بصورة فاعلة مع ملفات المختفين قسرياً في ارتريا، لكننا ينبغي ألا نسكت ان لم نستطع الفعل، فالسكوت عجز وإعاقة، فرب كلمة قد تصل يوماً ما الى أذن ضمير ينتفض لها في ارتريا ، والاحتفاء بهذا اليوم على الأقل يعتبر مواساة لإسر المغيبين فهؤلاء لا يلذ لهم طعم الحياة فهم في قلق الانتظار الدائم، وهو الأصعب على النفس الانسانية أكثر ممن دفن الشخص ميته ومن ثم يحتسبه، هذه الأسر تموت كل يوم بسبب الجراحات النفسية كلما تذكرت حال عائلها أو ابنها. فرج الله كربهم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *