الأستاذ أحمد القيسي في ذكرى يوم المعتقل الارتري يذكر بـــ ( خيار حمل البنادق)

    حين يثار موضوع ( المعتقل , المغيب قسرًا , المبعد قهرًا )  في الواقع الارتري , فان المسالة تأخذ مسارًا أخر , ليس له شبيه فيما هو متعارف عليه حول هذا المفهوم على مستوى عالمنا الذى نعيش فيه . الاعتقال والتغيب لا ينحصر على مجموعة اختارت نهجًا رافضًا لدولة الفرد , بل هناك مساحات متفاوتة لمفهوم الاعتقال والتغيب , فالمسالة تشمل الجميع

هناك من وضعوا في زنازين ضيقة , وآخرون في مخازن واسعة حشروا فيها حشرًا , وهناك من تم نفيهم في الجزر المتناثرة , وآخرون استضافتهم جبال الساحل والروابي المنتشرة . إبداع وتفنن في تغيب الإنسان , والحصيلة طوابير من

الموتى , وصور يومية لمواكب جنائزية , إنه طقس يومي في بلد ظل يحلم بالحرية , ليجد أخيرًا ليس في مصادرة حريته

بل  في وجوده في هذه الحياة مع قليل الكرامة .

               

   لا أدري حين أفكر في هولاء المعتقلين اصل إلى قناعة أننا نتحدث عن أموات فليس من المعقول أن تصل بهم حالة الصمود والمقاومة والصبر في الاستمرار على الحياة أمام هذا الجبروت من العذاب , ربما قد حاولوا في بداية الامر

ولكن في لحظة ما يسقط الإنسان مهما حاول , حتى الاعتزاز بالنفس والتسلح بالوعي والأمل , تسقط أمام هول الكم الهائل من الإذلال , في عالمنا رحلة  الاعتقال أو التغيب هي مجرد زمن يمر ملئ بالذل , وامتهان الكرامة , وقسوة العذاب لينتهي بك السفر إلى الموت , حتى هيبة الموت وقدسية اللحظة  لا تعفي من المزيد من الاذلال . فيتم شحن الجثة

وكأنها بقايا أشياء غير مرغوبة , أمام الآخرين ممن ينتظرون دورهم . كل ذلك يجري بصورة متعمدة لأن المقصود هو إيصال رسالة لكل من بقي في داخله ذرة إنسانية أو كرامة .

 

  يشحن الأموات فوق بعضهم إلى رحلة هي أيضا نحو المجهول , لان أدبيات الاعتقال في عالمنا حتى الأموات

هم ملكية خاصة للزعيم يفعل بهم ما يشاء . هذه هي الصورة الحقيقة لواقع المعتقل الارتري . وكم من المعتقلين ماتوا غدرًا برصاص حراسهم حين طفح بهم الكيل متمردين على واقعهم , أو محاولين في لحظة يأس في الهروب حين أصبح

الموت أكثر شرفاً من تلك الحياة التي يعيشونها .

 

  نحن وما نحمله من عزاء لهؤلاء  المعتقلين , قد لا ندري أننا لا نختلف عنهم عذابًا , فما نملكه هو العزاء مع إطلالة كل

ذكرى , ثم نعود في اليوم التالي إلى ذاك العالم السخيف والثرثرة المعهودة حول من الذى سبق وجوده الدجاجة أم البيضة

وهلم , وكل عام ونحن بخير … إنها التراجيديا الارترية  في أبدع صورها .

 

   لا يمكن إنهاء عذابات المعتقلين والمغيبين … والشعب الارتري كله إلا عبر حقيقة واحدة خلاصتها , ان نحتكم للعقل

وننظر إلى أنفسنا نحن الذين ندعي اننا نملك مساحة تسمح لنا أن نفعل شيء في تغيير هذا الواقع بأن الطرق والرؤية التي

حكمت أفعالنا سابقاً هي جزء من علتنا . ونحن مطالبون ان نغير نهجنا وطرقنا مع هذا العدو , حتى لو استدعى الأمر اللجوء إلى حمل البنادق , وهو خيار ترددنا على اتخاذه طويلًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *