الأستاذ محمد إدريس قنادلا يكتب من سويسرا : مات أبي وأنا في الغربة ..هذه العصافير في نحيب لا في تغريد

الحياة مدرسة، والأحداث تعلم ، فإن كان في الميلاد درس ، ففي  الوفاة درس مشابه ، وإن كان في عرفنا طريقة للعزاء ففي الغربة طريقة أخرى ،  والعرف مدارس وإن اتحدت المشاعر النبيلة، وورود الأصدقاء في المناسبة مثل تغريد الطيور يجد الحزين فيه نحيبا أليمًا ، والمسرور لحنًا ممتعاً ، وفقد العزيز منغصة ومنقصة فلا غرابة أن نتقلب في الأوجاع  ، وإننا لصابرون في المصاب الجلل ،  وشاكرون للتعازي الجميلة ولا أحد يعوض فقد الأب الحنون فقد شغر مكانك يا أبي ولا نقول إلا ما يرضى الرب تعالى : إنا لله وإنا إليه راجعون .

 الخبر الفاجعة :

في  صبيحة الإثنين التاسع من  شهر  شعبان 1442ه الموافق 22.03.2021  في الصباح أوصلت أطفالي الصغار إلى  الروضة، وفي  طريقي إلى  المنزل اشتريت  كرت شحن  للهاتف واتصلت إلى أبي في إرتريا كي أصبح عليه، رد على  الهاتف شخص  آخر  بصوت منتحب، وبعد التحية سألته  عن والدي فقال لي: ربنا يرحمه توفي والدك قبل  ساعة، ثم  قاطعني قائلا نحن مشغولون  بالدفن،  اتصل  علينا  لاحقا، سألته عن  سبب  الوفاة فقال لي لو سمحت اتصل لاحقا نحن  الآن مشغولون  بإجراءات  الدفن، خطر ببالى أن  أقول له  قَبِّلْهُ لي على جبينه  قبل  دفنه  وبلغه  سلامي، لكنه  أنهى المكالمة وأغلق  هاتفه  ولم يدع لي مجالاً لإيصال  وصيتي الأخيرة إلى  أبي  قبل  دفنه، إنه جندي  من جنود  الجبهة الشعبية عديمة  الرحمة،  لا فرق عندهم بين  صرخة  مولود أقبل  على الحياة وصرخة  ميت  رحل عنها ،يشتهون الموت بأسماعهم وأبصارهم، رددت هاتفي إلى جيبي

شريط الذكريات :

 واسترجعت، وسألت الله الرحمة والمغفرة لأبي  تشاطرني  دموعي وداعه تصب ساخنة في هدوء  ممزق، ويمر شريط حياته أمامي  خلال ثوان معدودة،  ابتساماته، ملاطفاته، حكاياته وقصصه ، سفرياته، أعماله، قرآنه، ذكره  تسبيحه، صلاته، صحته، مرضه، صبره، عفته، مروءته، شجاعته، بأسه، سيفه ، حلمه، عفوه، كرمه وسخاءه،  وكل تفاصيل حياته

وصلت منزلي  وأنا  في  حالة ذهول  لا يعلم  مداها  إلا الله من هول  المصيبة.

 اتصلت على مديري في العمل  فأخبرته بالوفاة وبغيابي عن العمل فعزاني وواسني  وقبل عذر الغياب

جلست أبكي  وزجتي  تبكي  في اتجاه آخر من المنزل، والأطفال في  المدرسة يضحكون  ويمرحون لا علم لهم .

تعزية مشفوعة  بالورود:

وبينما  نحن كذلك رن  جرس الباب، فتحت الباب  فإذا بشابة تحمل وردة  مغلفة تسألني  هل  أنت  السيد/  محمد إدريس؟ قلت نعم، قالت هذه  الوردة لكم، أستلمتها وانصرفت،  وقد أرفق مع الوردة  اسم المرسل وكرت تعزية مكتوب عليه عبارات  تعزية  ومواساة باللغة الألمانية، وتوالت إلينا الورود المعزية  بعد انتشار  خبر  الوفاة يحملها إلينا  بائع  الورود، وكروت التعازي يحملها ساعي البريدوقد دفع المهدي فاتورة الخدمتين مع فاتورة الشراء.

لم يكن أسلوب التعزية بالورود مألوفا لدينا فالورود في  عرفنا الاجتماعي  تهدى في  مناسبات  الفرح وزيادة مولود في الأسرة  وليس لفقد عزيز منها.  

أما في عرف المجتمع  الغربي يستقبلون  مواليدهم  بالورود ويودعون بها  موتاهم  ولا سرادق تقام وينتهي العزاء  بمراسم الدفن  أو الحرق، وترسل  باقات الورود مع كروت تكتب عليها عبارات  التضامن  والمواساة  وترسل إلى أهل الفقيد ، ويدفع  المرسل قيمة التوصيل. والأمانة والثقة تتحلى بها الأطراف كلها . 

ولا يهتمون بالحضور الشخصي للتعزية   والجلوس مع أهل الفقيد   ليس  بخلاً  ولا  تقليلًا  من  الشأن ولكن هذا عرفهم،  فهذه  الورود تكلفهم  أكثر من تكلفة قيمة  تذكرة المواصلات  للحضور،  وأداء  واجب  العزاء .

ورغم غرابة الورود المعزية،  فقد قبلنا هذه الورود المهداة برحيل الوالد وشكرنا عليها وتفاءلنا بها بأن  يجعل الله  قبره روضة من  رياض الجنة، لكنها لم تعوضنا عن  الأهل ولم  نحس  بجمالها في ذلك  الوقت، لأن المصاب كان جللا  ولأن التعزية بالورود كان حدثاً  لم نألفه. إنها تجربة جديدة عشناها بغرابة لكنها علمتنا فن التعامل الراقي الظريف عند قوم يختلف عرفهم عن عرفنا في هذه المناسبات

شكراً لكم جميعا :

في هذه المناسبة الباكية تلقينا ما يسعد ويخفف ألم الفراق فالأصدقاء من كل الأطياف كان لهم تواصل محبب ، وحضور مواسي فهذه هي  الجالية المسلمة تقف بجوارنا معزية وقد وجدت النفوس ارتياحًا عندها لما ألفته من معاني المواساة  فشفت  الصدور وخففت أحزان الفقد، فشكرًا لأصدقائنا  وزملائنا السويسريين الذين  بعثوا إلينا  بالورود  الجميلة  المغلفة فقد تعلمنا منهم أن الورود رمز للتعبير الحميمي الصادق في حالتي الحزن والفرح   وشكرآ للجالية المسلمة وبخاصة  الإرترية،  والسودانية،  والإثيوبية، وجميع الإخوة  والأخوات من مختلف البلدان  والجنسيات وكل من اتصل وكتب معزيًا عبر  وسائل  التواصل الاجتماعي وكل من حاول الاتصال ولم يتمكن  من ذلك، وشكر خاص للدكتور حامد محمد إدريس صاحب  القلم  السيال  مواسي  المكلومين  وناصر  المستضعفين، فبفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل ما قدموه لنا  من مواساة حسنة ودعوات  صادقه وورود  ضاحكة  مبتسمة ابتسمنا رغم  مرارة  الفقد، نسأل الله أن يجزيكم عنا خير الجزاء.

والشكر موصول لكل الإخوة والأخوات  الإرتريين الذين قدموا واجب العزاء والمواساة من إرتريا  والسودان  وإثيوبيا  وجيبوتي، والخليج  ومصر ، وماليزيا،  وأوروبا  وكندا،  وتركيا، نسأل الله أن يجعل ذلك في  ميزان حسناتهم  ولا يريهم  مكروها في عزيز لديكم.  

والحمد لله الذي أعطانا لنشكر ثم أخذ منا لنصبر  وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أسألك  أن  تغفر  لأبي  وترحمه  ولا تعذبه  فإنه قد  نزل بك  وأنت أرحم  به منا.

One thought on “الأستاذ محمد إدريس قنادلا يكتب من سويسرا : مات أبي وأنا في الغربة ..هذه العصافير في نحيب لا في تغريد

  • أبريل 6, 2021 at 4:40 ص
    Permalink

    رحم الله والدكم، واجركم، وصبركم، هكذا الحياة، جمعنا الله مع موتانا في الجنة.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *