الإعلامي القدير صالح قاضي جوهر يجري حوارًا لطيفًا باكياً مع ابن المعتقل عبد الرحمن مرانت

كنت أظن أن الضيف والمضيف لا يحسنان الحديث بـــ ” التقرايت ” لكن المقابلة أوضحت أن الزمان لا يقضي على الأصالة،  والناس معادن فمنهم نفيس، لا تبدله شدة المحن ولا طول الغربة ولا ترف النعمة،ولا شظف المعيشة.

الأستاذ صالح قاضي استنطق ضيفه بلغة عاطفية عالية وهو يغالب دموعه بين مشهد ومشهد يريد إخفاءها ، لكنها  تهزم المحاولات الجادة المتكررة في حبسها  إنه إنسان كريم أصيل جهدًا ومشاعر  نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله ، والضيف كان ثابت الجنان ، حاضر البديهة ، جريئا ، يدرك أن ذئبا اختطف والده  ويتوقع أن يعود السجين من بطن الحوت مرة أخرى  ، المقابلة عابت على فريقين صمتهم الذليل:

1- أبناء وأقارب وجيران المعتقلين

2- الجبناء الشامتين ا لذين سرهم الاعتقال الآثم .

وهذه الفئة وصفها عبد الرحمن بأنها جاهلة وتمنى لها أن تزول  الغشاوة عنها

ودعت المقابلة إلى تشكيل تكتل  لمناصرة المعتقلين  يضم أبناء هم وجيرانهم ومعارفهم والنشطين  في ملف حقوق الإنسان

وقال عبد الرحمن : من ضيع بهيمة يبحث عنها حتى يجدها فكيف لا يبحث من ضيع أشخاصًا أعزاء من معلمين ومشايخ وقادة .

من باب الاختصار نستأذنك أخي الكريم الأستاذ صالح قاضي في حذف بعض الأسئلة من  الحوار  ونتيح المساحة لأجوبة الضيف الكريم الأسد الشجاع العنيد ابن العنيد – كما وصفته – صاحب  المواقف الجريئة  حتى لو كان الجزاء الاعتقال أو الشهادة  لتبقى المبادئ   فما ماتت مبادئ يقف أصحابها خلف القضبان .

 

بسم الأسرة نشكرك استاذ صالح قاضي وأشكر الأستاذ عبد الرحمن ود الخليفة الذي ألف كتابا عن الوالد

نحن في الأسرة نشكر  لكم جهودكم ووقوفكم مع الوالد ومع جميع  المعتقلين

الوالد كان مناضلاً في جبهة التحرير الأرترية ، كان ينشط في العمل الفدائي  سراً بمدينة كرن كان مسؤولا .

وفي عهد هيلي سلاسي سجن مرتين بتهمة  الانتماء لجبهة التحرير وذلك عام 1969 م وعام 1973م

عام 69 كان يودع بنت عمه في محطة المواصلات صباحا فتم اعتقاله هناك  لوجود ورقة تابعة لجبهة التحرير وقد عرفوا ذلك عبر الجواسيس ، عندما شاهد محاولة الاعتقال، ابتلع الورقة ونصفها لفظه متهتكاً زائل المعالم مما يضيع دليل الإدانة  فكان السجن سنة واحدة .

أما عام 73 فضبط عليه مع سبعة من جماعته  ففرض عليه خمس سنوات سجناً قضى منها   ثلاث سنوات ونصف ثم تحررت مدينة كرن على يد الثوار فخرج من السجن قبل إكمال المدة

والآن منذ أن سجن مع الجبهة الشعبية 27 عاما لم يعرف له مكان  ولا جريمة ولا محاكمة.

الأمر الذي يوضح ان أيام الاستعمار كانت أرحم من أيام الاستقلال،  هناك قضاء وحكم وجريمة محددة أما الآن فالأمور تغيرت ، فهذه  أسوء الأزمنة السياسية التي نعيشها،  لا حكم ولا عنوان  لكل المساجين ،  لقد سجن  ثمانية علماء ومشايخ من مدينة كرن عام 1992م  وتبع ذلك اعتقالات  عام 1994 وعام 1997م واللاحقون لهم في المحنة  والمصير واحد .

  • ولدت في القرية لكن بعد ان تم تعيين الوالد قاضيًا في أغردات ترددت في المدن.مكثت معه أشهرًا ثلاثة  وكنت أدرس بالمعهد

كنت مصاحبًا له ولهذا أعرف تفاصيل حياته وأنشطته السياسية والثورية

كان يحكي ما يعانيه في سجون اثيوبيا

وما كان يقوم به من أنشطة لصالح الثوار ، وعندما أتذكر ذلك النشاط أعيب على شباب اليوم لم لا يكون لهم مثل جهود السابقين

  • اعتقل الوالده محمد مرانت بتاريخ 17 يوليو 1991م وقد مكث عشرة أشهر في سجن كرن وكان يزار ويعرف مكانه ، وعند إضافة المعلمين إلى المساجين أخذوهم معًا إلى أسمرا في  ليلة الاعتقال نفسها
  • في أسمرا ما كنا نراهم ، لكن كان بالإمكان إرسال هدايا إليهم عبر البوابات
  • وفي عام 1997م و1996 م شاهده في زيارة إخواني الصغار : عباس وميمونة أذن لهما لمدة خمس دقائق تقريبا
  • عندما بدأت الحرب مع إثيوبيا عام 1998م غيروهم من سجن أسمرا إلى موقع آخر  فكان الاختفاء التام بعد هذا التاريخ وحتى الآن لا يعرف لهم عنوان ، ولا أحوال .
  • نحن ستة أفراد في الأسرة أبناء وبنات القاضي محمد مرانت ثلاثة أبناء وثلاث بنات
  • رسالتي لأبناء المساجين : تحدثوا ، عبروا عن المأساة ، طالبوا بالإفراج عن المساجين ، إلى متى نحن صامتون ، من يضيع هرًا لا ينام حتى يجده فكيف من ضيع إنسانا عزيزا

شاهدت مرة امرأة تبحث عن هر مفقود تقول : من عثر عليه أمنحه خمسمائة دولار ، كم حزنت لهذا المشهد وقد تذكرت الوالد والبقية من العقد الفريد

نحن فقدنا علماءنا ومشايخنا وكبار الأسر وعمدها  فهل من فقد هؤلاء ينام ولا يبحث ؟ أي فقد أعظم من هذا ؟

وعندما يأتي يوم الإفراج عنهم إن شاء الله ماذا نقول لهؤلاء المعتقلين ظلماً : ما موقفنا تجاه قضيتهم

ماذا  فعلنا بشأنها ؟

نعتز أن ينشط شباب أرتريون في دول كثيرة  يهتفون بإطلاق سراح المعتقلين و للأسف لا يظهر في المشهد والنشاط والاحتجاجات  ابناء المعتقلين وأقاربهم .

ويؤلمني من يستصغر جهد الآخرين وهو لا يعمل ، نحن نحتاج إلى عمل حتى لو كان ضئيلا  لأنه  يعبر عن مشاعرنا تجاه المعتقلين.

المطلوب الحركة بما يستطاع وربنا يبارك ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ..)

  • المساجين أحرار وأعزاء لأنهم رفضوا الذل أمام الحكم الجائر وأعلنوا مواقف إيجابية : نحن نختار أئمة ديننا ، نحن نختار المفتين ، نحن نحمي كرامتنا .. فهم أبطال وحماة الدين ، ولهذا فهم مأجورون إن شاء الله في كل ساعة يقضونها في السجن ، نعم هم مرابطون  ولهذا يخف حزننا عليهم  لأنهم لم يسجنوا في دنيا .
  • رسالتي إلى كل من اعتقل أخوه أو أبوه أو قريبه ، أو جيرانه أن ينهض مطالباً بحق مشروع وهو الافراج عن المعتقلين ، نعمل معا   نكون كتلة ، وجسما يطالب بحق المعتقلين.

لا نشكك في بعضنا ، ولا نستصغر جهود العاملين ، يلزمنا أن نكثر من  السواد فإنه أدعى لسماع صوتنا إلى العالم كلما تكاتفنا وكان أبناء المعتقلين في الواجهة

  • ابناؤك يسألون عن جدهم كيف تجيب؟

عبر أفلام الكرتون يعرفون الملك الظالم فأقول : أخذ جدكم الملك الظالم  وغيبه

يستغرب الأولاد كيف لشخص أن يغيب أناسا  ظلما ويبقى  ، يستبعدون ذلك بحكم براءة الطفولة

يستغربون أن يغيب الجد عند الظالم 27 عامًا

لكن كلما اقمنا مناسبة يوم المعتقل ونأتي بصور المعتقلين بنتي الكبيرة  تسعد بذلك وتسر ، وتروي عن سيرة جدها حسب ما تعرف إنها سيرة عطرة  وإن ذلك الموقف منها يثلج صدري

من يفرح بسجن المعتقلين ويشمت بهم ماذا تقول له :

يبتسم عبد الرحمن  ثم يقول : هؤلاء جهال ، أزال الله عنهم الغشاوة ، ونعرف من يقول : محمد مرانت  رجل عنيد ، حياته كلها في مشاكل مع الحكومة ، – وهو سياسي له تجربة مختلفة مع جبهة التحرير وهي ضد الجبهة الشعبي –  لو صمت لسلم من غضب السلطان والاعتقال.هذه مزاعم الشامتين!!

هم يجهلون أن أسياس افورقي لا يترك الدعاة والأحرار حتى لو تركوا مواجهته  وأن أذى أسياس لحق بالصغار والكبار والصامتين والناطقين والناشطين والخاملين على حد سواء.

هو يقتل  على الهوية ، حجي موسى في أسمرا منذ أن جاءت الجبهة الشعبية كان يصمت مكرهًا وكان صابرا يتوقع فرج الله ، وينتظر ثم جاءه  الظلم وهو معرض ،  وهو لم يستطع الصبر إلى الأبد فصرح  وتحدى دفاعا عن المدرسة والخلق النبيل  فاعتقل .

الطفلة سهام ابنة الوزير عبده علي،  هرب أبوها الوزير فما علاقة أبيها بها إنها طفلة صغيرة  تعتقل بجريرة الآخرين

بعض المثبطين لا يريد العمل أو لا يستطيع  العمل لضعف همته ولهذا يقوم بتثبيط الآخرين ويصب التقريع على ا لمعتقلين يعيب عليهم  مواقف أدت بم إلى السجن في رأيه.

كل ذلك ظلم للمعتقلين ، الذين يستحقون منا المناصرة والمؤازرة  لا الخذلان والتثبيط

شعورك هل تتوقع عودة الوالد ؟

نعم أملي في الله كبير ، أنا مسلم فمن شأني التفاؤل ، ونحن إن لم نستطع إنقاذهم من فم العدو فليزم أن نعي أنه يلزمنا الحفاظ على قيمنا المستهدفة وديننا وثقافتنا والجيل الجديد الذي يعمل النظام على اختطافه مطلوب منا حمايته بالقدر الذي كان عليه الكبار المعتقلون .

نغرس فيهم المبادئ التي اعتقل الكبار بسببها فيلزم الجيل الوريث الحفاظ عليها ، نعمل ما نستطيع فيه ، وليبذل كل واحد بما يستطيع ، الفرج قريب إن شاء الله ، الليل ينجلي ، البعيد  يرجع ، والمعوج يستقيم ، المفقود يعود إن شاء الله .

النص الأصلي : https://youtu.be/9lxPrXPCUdA

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *