البروفيسور جلال الدين محمد صالح يكتب : أفيقوا أيها البجة واتحدوا

خشية من تبديد الصحوة البجاوية :

تشهد ساحة البجة اليوم، على طول امتدادها الجغرافي، والثقافي، من الشرق السوداني، إلى العمق الارتري، حالة من التفاعل السياسي، تحمل في أحشائها جنينًا في مراحل متقدمة من أطوار التكوين، أرجو أن لا يُجهض ويَسقط.

وتعمها يقظة من سبات طال عهده، أرجو أن لا تُخدَّرَ أو تُشَلَّ.

وتحفها آمال عِراضٌ متنامية، ما زالت تتشكل حتى تكتمل بنيتها المتماسكة، آمل أن لا تبعثر وتبدد.

التكبيل المركزي :

هنالك مشوشات ومكدرات بدأت تشوب هذه اليغظة وتكتنفها، تبتغي حبس الجماعة البجاوية في معتقلها الحديدي العنصري، وإرجاعها مرغمة إلى قيوده؛ لتبقى كما كانت مكبلة، قابعة في  الهامش الذي أهملت فيه، لسنين طويلة، ليس لها من السلطة والثروة إلا أن تتهاوش وتتهارش فيما بينها، على ما يُلقيه إليها المستأثرون بمقاليد الحكم، من بقايا السلطة ومقاعدها الهامشية، وضئيل الثروة، تعطى هبات ورشاوى، لمن رضي بالذيلية فيها والدونية، منذ أن أنشبوا أظفارهم بها، وأحكموا قبضتهم عليها.

لقد أمسكوا بها أول ما أمسكوا حلفاءَ المستعمر، ثم خلفاءَ له، بنظام مركزي قصرها عليهم، تحت شعار وحدة الوطن، وكأن لا وحدة تكون للوطن إلا بِمَرْكَزَةِ السلطة والثروة في أيديهم، كما هو في الشأن الارتري حاليا، وكما كان عليه السودان من قبل الإنقاذ سابقا.

ثم بعد دماء سفكوها، وأمن أضاعوه، وحروب أشعلوها، وتشريد للمهمشين أحدثوه وتسببوا فيه، ومن بعد إصرار وعناد شاهدوه ولمسوه في عزيمة هؤلاء المهمشين، على انتزاع الحقوق، مهما كانت التضحيات، لجأ بعضهم – كما في إثيوبيا والسودان – إلى نظام فدرالي هو الآخر عانى من تجاوزاتهم، حتى بات كائنا مشوها، كسيحا لا يقوى على مواجهة ومقاومة تدخلات المركز وتغولاته.

احذروا الأفاعي المتربصة :

وحتى لا يفلت الأمر من بين أيديهم أكثر مما فلت ما زال ينهج هؤلاء، ومن هو على شاكلتهم في المنطقة، السياسة نفسها التي انتهجوها من قبل ( فرق تسد) من خلال إدخال المكون البجاوي نفسه، في متاهات تضر بوحدته، وتشوش على رؤيته.

وقد تنطلي هذه المكايدات – أيا كان مدبرها – على بعض البجة فيسيرون خلفها من حيث لا يشعرون، أو من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا، فيقعون في الفخ الذي نصب لهم.

على البجة أن يفطنوا لمثل هذه الألاعيب، ويُفِيقُوا لها، ويَتَّحِدُوا عليها، حتى يُفَوِّتُوا الفرصة على أولئك الذين ينسجون خيوطها، ولا يودون للبجة أن ينهضوا متضامنين، يشقون طريقهم نحو الانعتاق من حالة الوهن التي همشتهم جانبا، ليس لهم من التأثير السياسي، ولا الاقتصادي، ما يجعل منهم أصحاب شأن في تنازع السلطة والثروة، ليس في السودان فحسب، وإنما على امتداد وجودهم من جنوب مصر إلى عمق إرتريا.

إنه لمن ضيق الأفق، وقصور التفكير وقِصَرِه، أن ينشغل البجة  بقضايا هامشية انصرافية على حساب قضيتهم الكبرى، وحدة البجة في مواجهة التهميش.

أيها البجة لا معنى لهذه المناكفات في الهويات الجزئية الفرعية التي يود خصومكم إقحامكم فيها، وشغلكم بها، بنو عامر، الحباب، الهدندوى، الأمرأر، البشاريين، الرشايدة.

هؤلاء كانت لهم دولة في التاريخ، وهؤلاء لم تكن لهم دولة، يريدون بذلك إبعاد الشقة، وإثارة الغيرة والحمية في غير موضعها ووقتها، تلاعبا بها وإهدارا لها، وتوظيفها في مقاصدهم التسلطية.

أنتم أمة واحدة  فحافظوا على السودان الموحد :

البجة جميعهم أمة واحدة، وحدهم التاريخ، والجغرافيا، والثقافة، والمصلحة المشتركة، في نمط من الحكم لامركزي، أشبه بالنظام الفيدرالي، ثم جزأهم الاستعمار، وعملاؤه النفعيون.

عليهم أن يعوا هذه الحقيقة، وأن يلتفوا حولها، وأن لا ينساقوا خلف المخططات الاستحواذية الماكرة التي ما زالت تنفث بينهم سموم العداوة والبغضاء والتفرقة.

وأن تعمل نخبهم المتعلمة المستنيرة، وقياداتهم الأهلية على تعزيز عوامل التٌّوَحُّدِ أمام خطط ومكر التشويش والتمزيق.

وأن يحافظوا في الوقت نفسه على وحدة السودان أرضا وشعبا أمام القوى المتآمرة عليه.

إن العودة إلى هذه المسميات الفرعية، والانكفاء فيها، والانغلاق عليها، إثمه أكبر من نفعه، وضرره أشد من كل ضرر.

لا يثيره ويجنح إليه إلا من به خلل في التفكير، ونزعة شيفونية أنانية، عالية الضغط، لا يهمها إلا التسلط.

وهي نزعة لا تخدم بالتأكيد إلا أولئك الذين تغيظهم وحدة البجة، وتسوؤهم يغظة البجة، ويودون أن تَشُبَّ بينهم نار الفتنة، فيقتتلون على أساس هؤلاء بنو عامر، وحباب، ليسوا من البجة، وهؤلاء هدندوى وأمرأر هم البجة ليس غيرهم؛ ليكون في النهاية الشيفونيون وحدهم هم من يتربع على أريكة السلطة خالصة لهم دون بقية الشعب.

هكذا فعل الانجليز والطليان من قبل، وهكذا يفعل حلفاؤهم وخلفاؤهم من بعد.

إن النزاع الدائر بين أهل السودان قاطبة، وفي المنطقة بشكل عام، هو نزاع سلطة وثروة، ولَّدَهُ الحيفُ والظلمُ الذي لحق بالمهمشين، على مستوى دول المنطقة كلها، وليس السبيل إلى إحراز الحق فيه التراجع إلى هذه العناوين الجانبية، والاقتتال الداخلي، وإنما حشد الطاقات وتجميعها خلف قيادة موحدة، واسم جامع مانع من التبعثر والتشتت، لخوض نضال سلمي شعاره: أين حقنا؟

وإن اسم البجة هو ذلك الاسم الجامع، وهو أشمل من أن تحتكره فئة دون أخرى، وأوسع من أن يضيق عن احتواء هذه العناوين الجانبية.

دعوها، والفظوها، ولا تصغوا إلى المدندنين حولها، والهاتفين بها، والعازفين على أوتارها، فإنها تفرقكم، وتلهيكم، وسِّعُوا من مداركم، وآفاق نظرتكم، واتخذوا من اسم البجة عنوانا جامعا يحويكم.

ولا يتضايق من اسم (البجة) إلا أولئك الذين يجهلون التاريخ، أو يودون طمسه، أو يريدون  اختزاله واختصاره في مرحلة دون أخرى، أو يقرؤونه قراءة معوجة، أو يفكرون بمنطق أضيق، لا يتجاوز حدود أرنبة أنوفهم؛ لمآرب يكنونها، أو عقد يعانون منها.

نصائح ماكرة :

وثمة نصائح تأتي من هنا وهناك، تدعوا جماعة منكم إلى رفع شعار (قومية التجري) داعية المتحدثين بالتجرايت إلى التكتل تحت هذا الشعار، بعيدا عن التضامن مع المتحدثين ( بالتبداويت) محرضة في الوقت ذاته الناطقين بالتبداويت على التكتل تحت شعار ( قومية الحدارب).

كل ذلك من أجل أن تحدث صراعا داخليا بين أبناء البجة، تحت هذه العناوين الوهمية التي افتعلتها واختلقتها عكس التاريخ والجغرافيا، خدمة لهيمنتها، وتعزيزا لنفوذها، من خلال تمزيق وحدة الآخرين.

إن (التجرايت) ليست قومية، وإنما لغة من اللغات السامية، في المنطقة، كما التبداويت لغة حامية، وليست قومية.

وما نادى بالتقسيم القومي للمكون البجاوي  إلا الشيوعيون، في الثورة الارترية.

وهو تقسيم مقحم، لا علاقة له بالواقع التكويني لسكان المنطقة، ولا بتاريخ المنطقة أصلا، وإنما هو مجرد هرطقة لا يجب الانخداع به، والانجرار خلفه، فما هو إلا سراب يحسبه الظمآن ماءا، انتهى بإرتريا الدولة إلى هيمنة شيفونية.

وإذا كان لابد من قومية تستدعي العصبية، فإنها عصبية ( البجة) من جنوب مصر إلى عمق إرتريا، تجمع الناطقين بالتجرايت، والتبدايت، والبلينايت، والباريايت، والكنامايت، والعربية لغة جامعة مشتركة.

كل هؤلاء بجة، بلغاتهم المختلفة، بما في ذلك الرشايدة، مصالحهم وطموحاتهم موحدة، في إطار الدولة الوطنية، بحدودها الجغرافية الموروثه عن المستعمر، السودان الموحد، وإرتريا الموحدة.

يفعلون ذلك لا ليهضموا حقوق الآخرين وينهبوها كما فعل غيرهم، وإنما لإيجاد (توازن العصبيات) حتى لا يكون ( تصادم العصبيات) حين تتغلب عصبية على أخرى.

جريا على سياسة ( توازن الرعب) في ضبط الصراعات الدولية.

وكل من استوطن أرض البجة فهو بجاوي، ما دام لا يحمل مشاعر عدائية تجاه البجة، ولا يعيق مصالح البجة.

وبهذا يكون الشرق في ظل السودان الموحد المؤتلف المتماسك لكل السودانيين، في ظل نظام فدرالي حقيقي توزع فيه السلطة والثروة بعدالة شاملة.

وكتبه/ أ. د. جلال الدين محمد صالح.

7/12/2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *