البروفيسور جلال الدين محمد صالح يكتب : المعتقلون الأحرار

ربما يكون عنوان كهذا مستغربًا في تصورات بعض الناس، أنى يجتمع اعتقال وتحرر في شخص ما؟.

السجان سجين :

ولكن كثيرًا ما تثبت الأيام أن السجان الظالم هو السجين، وأن السجين المظلوم هو الحر.

ذلك أن السجان الظالم هو مجرد  صورة على شكل بشر، ليس فيه من خصائص الانسانية ما يجعل منه إنسانًا يستحق التقدير والاحترام، فكل ما فيه ظلم، وقهر، وكبت، وهو يعيش أسير هذه الوحشية، تطارده، وتجعل منه كائناً متسخاً بالقاذروت، نتن الرائحة، لا يقترب منه أحد إلا من هو في درجة انحطاطه وسفالته.

السجين حر :

أما السجين المظلوم فهو  وإن كان مكبلاً بين جدران السجان الظالم، فإنه يعيش حرًا طليقًا في قلوب الأحرار، ويتذوق قيمة الحرية حين يفقدها ويدرك أنه إنما سجن بحثًا عن أنبل مبدإ في حياة الإنسان.

وهو ما يبني به مكانته في قلوب الناس، بعد أن بناها في قلبه، ويكسب ولاءهم ومناصرتهم بعد أن ضرب أصدق مثال في الوفاء لهم، وتظل كلماته التي تفوه بها نثراً أو شعرًا تلامس مسامعهم، وتستوطن أفئدتهم، ولا تكاد تفارق ألسنتهم،     يرددونها مساءاً وصباحاً، وهو في عالم ما وراء الجدران، بعد أن نبعت وانبعثت من أعماق وجدانه، تفيض عزة وإباء، وترفض أن تهون.

وليس هذا فحسب وإنما تحرك وجدانهم، وتثير مشاعرهم، وقد تدفعهم إلى أن ينطلقوا بها ثائرين نحو قلاع السجون، ليسقطوها بإسقاط رمزها الطاغي، ويدكوها بدك بناتها وحماتها الطغاة، ليشرق في الكون فجر جديد.

وبهذا المفهوم يكون الإنسان حراً وهو معتقل، وطليقاً وهو أسير.

ويصدق من قال: ماذا يفعل أعدائي بي أنا سجني عبادة، ونفيي سياحة،وقتلي شهادة.

هذه هي الحرية الحقيقية عندما تصبح أسمى قيمة ينشدها الإنسان، ويسترخص في سبيلها أغلى ما يملك.

يعيشها الإنسان الأبي في نفسه، وهو فاقد لها في السجون، ويستعذب كل العذابات والمرارات في أن يراها تعايشه جنباً إلى جنب، في طرقاته، وكل ممراته، ومن ثم لن يقبل مغادرة السجن إلا وقد أفرج عن الحرية، لتغادر معه المعتقل، وتعم كل من هم خارجه.

وليس هذا كل إنسان وإنما ذلك الإنسان المبدئي الذي يأبى أن تلين قناته، ويقول: ( ربي السجن أحب إلي مما يدعونني إليه).

هذا الصنف من البشر هو من يعزل معتقليه عن الحياة عزلا تاما، في حين هم يظنون أنهم قد عزلوه عنها في سجونهم.

وعي الشعب الأرتري يتزايد بخصوص حق المعتقل:

وهذا ما نشاهده اليوم حقيقة في واقع مجتمعنا الارتري، حيث يقترب الشعب الارتري يومًا بعد يوم من هؤلاء  السجناء الأحرار بكافة انتماءاتهم الفكرية، ويتعرف على مبادئهم، ونضالاتهم التي خاضوها، بقدر ما يبتعد عن أولئك الظلمة الذين اعتقلوا هؤلاء الأحرار، وتصوروا  بالإرهاب يدوسون هامات الشعوب.

ولهذا في مثل هذا اليوم، من هذا الشهر، في كل عام، يعبرون عن قربهم من هؤلاء المعتقلين بهذا النشاط الذي يقومون به، مطالبين بالإفراج الفوري عنهم، وإخبار أهليهم وذويهم بمكان وجودهم واختفائهم القسري.

لقد طالت فترة سجنهم، ومضت سنون وسنون وهم ما زالوا من وراء السجون المظلمة، ومع ذلك ما زال الشعب يذكرهم، ويطالب المجرم أن يكشف عنهم، ويقول الحقيقة عن حياتهم.

ليس صحيحًا أن السجن هو نهاية المعركة في طريق الحرية، ولا القبر أيضا، ولكن نهاية المعركة هو وعي الشعوب بخطورة الاستبداد والمستبدين، وهو ما نراه يتنامى يومًا بعد يوم لدى شعبنا الارتري.

يوم الخلاص قريب :

فقد أدرك هذا الشعب أن هذه الفئة المتسلطة عليه فعلا قد سرقت ثمرة نضاله، وباتت عبئًا ثقيلاً على رقبته، وليس له من بد إلا أن يرمى بها بعيدًا عن كاهله؛ ليعيش حراً طليقاً، يبنى مكان السجون المشافي والمدارس، ويفسح للكلمة المسؤولة حريتها، يصدع بالحق عبر الفضاء الحر، والصحافة الأمينة.

إن التاريخ ليدون كل لحظة من لحظات السجين التي يمضيها في زنزانه؛ ليذكره بها ذكرى إكرام وإعزاز، عبر تعاقب الأجيال، ويذكر الآن السجان الظالم بكل المساوئ والجرائم التي اقترفها في حق هذا السجين المظلوم، لتلعنه بها الأجيال عبر مرور الأزمان.

لهذا أقول: المعتقلون أحرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *