تقارير

الحلقة الثالثة من تقرير التعدين الأهلي

في أرتريا حضور الدين و العرف و قانون الحفر

تجدون في الحلقة التفاصيل حول :

  • عمق وعرض البئر
  • قصة الشركة في ركب
  • تنوع المناشط  
  • قانون الحفر
  • الدين والعرف  والغضب حاضر
  • الاحتفال بالأعياد في مواطن التعدين
  • التفاني في خدمة المحتاج
  • قصة العلاج بالضرب

وتبدأ التفاصيل :

عمق وعرض البئر

” البئر”  اسم لحفرة  تبدأ من سطح الأرض وتمضي إلى الأعماق يحفرها المعدنون بأدوات بدائية  يدوية  ويشترك في حفرها عدد من المواطنين يقل أو يكثر حسب  عمقها وإنتاجها  والاتفاق الذي يربطهم ، والغالب أن عدد الأعضاء  المشتركين  يصل 14 شخصا يتناوبون في الحفر شخصين شخصين والحصاد مشترك وتوجد آبار سطحية لا تحتاج إلى شراكات بعدد ضخم كما توجد تنقبيات بالأجهزة فوق الأرض ليست بحاجة إلى تكثير العدد في الجهاز الواحد خاصة لو كان الجهاز صغيرا مطاوعا. ويكثر هذا النوع من التعدين والآبار في مناطق التعدين العادي الطبيعي الذي لا يستخدم الزئبق.

وبعض هذه الآبار  خاصة لمن ابتدأ حفرها  ويعمل فيها الناس بصفة التناوب ، بحيث ينزل شخص حفار ويناول التراب لشخص آخر يعمل معه لاستقبال التراب  إلى خارج البئر أو لاستقبال الذهب ونوبة الشخصين قد تستمر ساعة   لكل شخص منهما ينصرفان بعدها ليعالجا التراب الخارج من البئر بغرض معرفة  المكسب والخسارة  وليقوم مقامهما شخصان آخران  للإجراء نفسه

ويمكن توسعة الشراكات إلى عدد أكبر يتقاسم المحصول وهذا مفيد لأن  الساعة قد تنتهي وهي قريبة من الذهب فالشريك يواصل في الحفر لتكملة المسافحة الباقية بخلاف الشراكة الثنائية فإنها قد لا تتاح لها الفرصة بحكم قانون الساعة الضابطة .

والعمل هنا يشبه سيارة الأجرة في موقع عام ، حيث تتاح الفرصة لكل أحد يأتي إليها بدوره .

والآبار تختلف حسب عمقها وهي مظنة وجود الذهب وتحمل بشريات ومؤشرات يعرفها المعدنون ولذلك يستمر الحفر فيها  ويزداد الأمل،  ويمتد عمق البئر حتى يصل أحيانا إلى عمق 40 مترا كما هو ظاهر في بعض آبار ” ود قبا –  Wadgaba”   ، ولأن المواصلة في الهبوط أو الصعود  مشقة كبيرة  في الآبار العميقة يحفر المعدنون محطات جانبية تشق بعد عدد من الأمتار  لغرض الاستراحة الاضطرارية وكثيرا ما يحدث للصاعد أو الهابط ضيق تنفس أو الإعياء أو الدوخان فيلجأ إلى تلك الكهوف الجانبية بغرض الاستراحة

علما أن الآبار العميقة فيها حبال معلقة في بابها مثبت على عمودين  ويتدلى نحو الأعماق ينزل به الأشخاص الحفارون كما ينقل عبره التراب في دلو وتنزل به الأدوات  وبعض الحافرين يتسلقون البئر مستفيدين من ثقوب خاصة  تعد موطئ قدم يتم تجهيزها سلفاً لهذا الغرض وهذه هي الوسيلة الاكثر للنزول والصعود من وإلى البئر .

وهو الحبل نفسه يستخدم لإنقاذ حالة خطر لمن نزل في البئر من بين الأصحاب عندما يتعرض لمخاطر مثل الدوخان أو الاختناق أو الإعياء الشديد فعندما لا يقوى على الصعود يسرع بإرسال إشارة  خطر مستخدما الحبل نفسه لكن بطريقة سريعة متباينة مع حركة العمل العادية – وهذا اصطلاح متفق عليه بين المعدنين –  فينتبه الأصحاب وينزل في الحفر أقدرهم وأثبتهم وأمهرهم ليأتي بالشخص المراد إنقاذه.

نعم يربطه على الحبل نفسه مثل الدلو ويجره الأصحاب من فوق وله إمكانية التوقف للاستراحة في المحطات البينية عند الحاجة إلى ذلك علما أن ا لشخص الدائخ قد تكون حالته متخشبة فيحتاج إلى عناية خاصة وترتيب جيد في الحبل حتى لا يعلق بأطراف البئر فيأبى الصعود  وتطول المدة مما يزيد المخاوف بهلاكه . علما أن الآبار العميقة لا يوجد فيها امكانية التواصل بالصوت ولا بأي وسيلة غير الحبل الممدود والإشارات الاصطلاحية التي يرسلها من في العمق إلى من في الخارج فإشارة ” إنقذوني”  تختلف عن إشارة طلب الأدوات أو طلب جر الدلو المليئ بالتراب .

وكما ظهر الذهب في الوسط ظهر كذلك في الإقليم الشمالي  والغربي ويأتي في المقدمة التعدين

الأهلي في وادي” زرآي ”  وهو في منطقة جبلية باتجاه الشمال غرب  مدينة  ” شعب ” يمشى إليها مسيرة يوم بالأقدام   أقبل إليها المعدنون وهي حديثة نسبيا تكاثر قاصدوها من المواطنين خلا ل 2021م  والحكومة تطارد فيهم  كعادتها .والعمل هنا  في تنقيب الذهب دون استعمال الزئبق بخلاف مناطق في الساحل الشمالي التي تستعمل الزئبق لاستخراج وتصفية الذهب من ذلك ظهور الذهب في منطقة “ركب ” –   REKKAB”  –  بكسر الراء وتشديد مع الفتح الكاف-  وهي شبه مدينة  في إقليم بركه ومنها يتزود المعدنون لينطلقوا إلى مواطن التعدين في جبل : ” معر” –  بكسر الميم  وكسر العين – ، وجبل ” عمار”    وهي مناطق تابعة لإقليم قاش بركه وعاصمتها وسوقها ” ركب ”   التي تعتمد على  السودان في سلعها وتلبية احتياجاتها  .

ومن المناطق التي  ظهر فيها الذهب منطقة ” كِرِبْ”  – ، KEREB، – بكسر الكاف والراء ، وسكون الباء-  ، وهي منطقة شبه صحراوية  قاحلة وفيها بعض الجبال الصغيرة التي تغطيها حجارة صماء لا نبات فيها  وماءها من  وادي ” عنسبا”  بالحمير أو يحمله الرجال في أكتافهم  يمشون مسيرة ساعتين بالأقدام  ذهابا وعودة ، وذكر أنها من أخطر المواقع لسهولة حركة ونشاط الاستخبارات  فيها  .

وفي وادي ” قِرْقِرْ ” Gerger   – بكسر القافين وسكون الرائين  وهو وادي ينحدر من  جبال سوقو – توجد  منطقة محروسة بجيش يمنع المواطنين من الوصول إليها ويصادر البهائم  الضالة التي تقصدها لكثرة العشب والغطاء النباتي فيها لأنها محمية مغرية ففي هذا الموقع الحصين سمع المواطنون بوجود ذهب فيه فأخذوا يتسابقون إليه لكن بحذر شديد لأن المنطقة محروسة ليلا ونهاراً . ذكر بعض المعدنين أنهم يستهدفون هذه المواقع ليلا في الظلام وهم يشاهدون الحراس يتحركون بأضواء كاشفة ومع ذلك يتعاملون مع الظرف الخطير بطرق خطيرة , ذكروا لي أن الشباب يأتون ليلا بأجهزة حساسة وبعدد قليل ،  يعمدون إلى تخفيض صوت الجهاز حتى لا يسمعه الحراس ، ويعلقون السماعة في آذانهم ليسمعوا همس الجهاز ولا يضيئون نارا ولا نورا ، ويتابعون خطر الحراس ،

وعندما يرن الجهاز بصوت هامس في آذانهم ، يركزون على موقع الرنين ثم يضعون علامة حدوده  ويبدأ الحفر وهذه عملية تحتاج إلى ضوء وهذا يتعارض مع الحذر الواجب الأمر الذي يجعل المعدنين يتغطون بثوب غليظ يسمونه:  ” بطانية ”  ويحفرون بارتياح وبعضهم عينه  في الحراس ، علما أن البطانية لا تسمح للضوء أن يعبر إلى  الخارج وإنما يظل يضيء في منطقة الحفر والعمل جار حتى قبيل الفجر الذي يطرد المعدنين إلى خارج المنطقة المستهدفة خوفا من الجيش  

قصة الشركة في  ( ركب ) :

افتتح المعدنون مواقع لإنتاج الذهب قريبا من مدينة ” ركب ” تسمى ” علي دار ” فأتت الحكومة بشركة أجنبية سلمتها الموقع وطردت المعدنين المحليين  من المواطنين .

أرادت الشركة إنشاء وبناء معسكر في أرض مبسطة مستوية قريبا من المنجم المراد إقامته في المنطقة فاتفقت مع الحكومة  لترحيل سكانها إلى موقع آخر بعيد .السكان كلهم من قبيلة واحدة كانوا مقيمين في هذه القرية وبيوتهم من أعواد وقش مهلهلة تدل على فقرهم . ومع ذلك رفضوا الترحيل عن أرضهم.

اتفقت الحكومة مع الشركة أن تبنى لهؤلاء السكان بيوت جديدة مناسبة بمواد ثابتة  في موقع بعيد ينتقلون إليها مجانا وقد تم فيها توفير الخدمات .

وافق سكان القرية على الرحيل إلى  الموقع الجديد لوجود ميزات أكبر من موقعهم القديم

وبموجب الاتفاق أخلوا القرية الأولى التي كانوا يرفضون الانتقال عنها . استفاد من رحيلهم قوم آخرون من قومية أخرى وهي أيضا من سكان المنطقة فاحتلت الموقع وبنت فيه ورفضت الإجلاء عنه القسري.

القومية الجديدة لهم تجار أغنياء ووضعهم المالي أفضل ولهذا  قاموا بتعمير القرية  وأحيوها تجارة وخدمات وسكانا حتى تطورت  وأصبحت مصدر نشاط تجاري تتواصل مع السودان وتوزع إلى بعض المدن الأرترية كما أن بعض  السكان ينشطون في تجارة وتعدين الذهب  وأصبح في المدينة متاجر كبيرة وفندق ومدرسة وخدمة الإنارة .

أصحاب الشركة خضعوا لضغوط المواطنين فبنوا لأنفسهم بيوتا فخمة في  الجبل قريبا من موقع التعدين الخاص بهم الذي تم انتزاعه من المواطنين

استقرت الأطراف الثلاثة في مواقعها وأخذت تتعايش بهدوء والحكومة مضطرة إلى هذا الاستسلام لأن استخدام العنف مع هؤلاء السكان القريبين من الحدود السودانية يتيح خيارات أخرى قد لا تقوى الحكومة على مقاومتها .

تنوع المناشط  :

الأفراد المعدنون يختلفون حسب إمكانياتهم من حيث الخبرة ومن حيث الأجهزة ومن حيث الهدف

فمن تمرس في التعدين يختلف طموحه عن شخص مبتدأ يعمل عند الآخرين  ، ومن يملك الأجهزة له الحظ الأوفر لأنه مستثمر ومن يعمل في الأنشطة التجارية  فهو يوفر السلع الاستهلاكية فلا يطمع في الذهب وإنما يهتم ببيع وشراء المواد الغذائية أو  مواد النظافة أو المطاعم والمقاهي وكل ذلك مرتبط بوجود المعدنين في الموقع وكثرتهم  ويوجد من التجار من أتى لشراء الذهب يتجول بميزانه ونقوده المحمولة في حقائب  أنيقة . المواقع تعج بالأنشطة الكثيفة  في بيئة شبه مدنية فيها كل ما يحتاج إليه المعدنون من خدمات  ولا ينقصه غير الطرق المعبدة والأسر والمدارس والمشافي .

قانون الحفر :

من بدأ حفرة فهي له يمكن تأجيرها بقدر ما يخرج منها وهذا عرف سائد بين المعدنين

وضمن القانون يأتي جواز أن يحفر الناس آبار متجاورة فإذا التقت في العمق من الداخل فهذا يعد نتيجة إيجابية  تعطي الهواء الطلق بخلاف الحفرة الواحدة فهي مظلمة ساخنة مرعبة شاقة العمل.

ومن وصل عمقا إلى حفرة جاره  يمتلك عرفاً غير منكور المساحة  المحيطة بحفرته وعلى الآخر الانطلاق إلى اتجاه آخر مغاير في عمق الأرض بعيدا عن مساحة السابق. وكلا الطرفين يستفيدان من هذا التلاقي الهواء الطلق فالأرض بعد تلاقي البئرين تكون باردة مريحة.

وفي الآبار المشتركة التي يعمل فيها عدد كبير يقضي العرف أن يحفر كل شخصين مترا فقط ثم يتوقفان سواء وجدا الذهب أو فشلت المحاولة والبحث ليفتح المجال لشخصين آخرين جديدين

وخلف كل شخص نازل في البئر شخص آخر متهيئ ليدخل البئر خلفه ولمدة ساعة واحدة وهذا القانون خاص بالتعدين في منطقة ” معر” وما شابهها  ومن خلال التجربة عرف أن الساعة كافية ليبذل كل شخص جهده  ثم يعجز في الاستمرار بعد ذلك إلا بعد الارتياح ففي هذا التحديد فائدة الإبقاء على قوة الأشخاص وفائدة إفساح المجال لأفراد آخرين ينتظرون دورهم . وكل فريق انتهت ساعته يتحسس الموقع قبل خروجه بالجهاز حتى يطمئن أنه لم يترك ثمرة جهده لغيره .

الدين والعرف  والغضب حاضر :

في مواقع التعدين يتأكد لكل زائر أن الشعب الأرتري غاضب على النظام ومخاصم ، ومتحد ، لكونه يمارس هذه الأنشطة بكل شجاعة على  الرغم من حظر الحكومة لها وتغليظ العقوبة عليها  ومن ناحية أخرى يتأكد لكل زائر أن الشعب هذا  محافظ على دينه وتقاليده السمحة على الرغم من محاولة الطمس الممنهج التي مورست ضده عبر التعليم وعبر الفن وعبر الإرغام على تعليم لغة واحدة وممارسة خلق وسلوك غير مألوف ،

تسمك المعدنين بدينهم وتقاليدهم يتجلى في مظاهر واضحة بينها أنهم يؤدون في مواقع التعدين صلاة الجماعة  ويؤذنون لها جهرا ويقيمون ، ومن المألوف أن تسمع دروسا دينية عقب الصلوات الخمس بل من المألوف أن تجد أن كل مجموعة تتخذ لنفسها مسجدا تحد مساحته في  الأرض  بالحجارة وتصنع المحراب  إلى  جهة القبلة .

كما ترى الدين في أخلاق المعدين فلا نهب مسلح ، ولا سرقات ، ولا اعتداءات ، فمن  المعتاد أن تجد ان شخصاً يعثر  كمية من الذهب ويأتي إليه الناس مهنئين ومباركين كما أنه يودعهم بحرارة عندما يغادر الموقع إلى أهله .

وحدثني بعض المعدنين أن داعية في معادن الشمال شاهد خسوف الشمس صباحا عند شروقها فصرخ بأعلى صوته على المعدنين ففزع الناس إليه مسرعين ظنا منهم أن خطر الحكومة اقترب فتحدث إليهم وأخبرهم بما هو أخطر من الحكومة وأراهم الشمس الخاملة وصلى بهم الصلاة الجامعة وقد حدث من صلى  تلك الصلاة فقال : لم يبق من أهل الوادي أحد خارج نشاط الصلاة وكان الإمام يعظ ويبكي والناس يسمعون ويتأثرون ويبكون  حتى أن بعض الشباب غير الحريصين على الصلاة بصورة مستمرة  قد أتوا في هذا الجمع الحاشد خائفين من رب العالمين ، راجين رحمه الله حتى امتلأ الوادي في الصلاة الجامعة وقد اكتظت بهم  جنبات الوادي

من الأشياء التي تجدها في سلوك المعدنين المسلمين – وهذا السواد الأعظم في التعدين الأهلي في إقليمي  بركه والساحل الشمالي  وبعض المناطق في إقليم سمهر – الملابس المتميزة التي تتصل بالدين الإسلامي في أخذ الزينة والتمايز عن غير المسلمين ، ونجد الناس يلبسون في الساحل الشمالي ما يسمونه ” ا لباكستانية” وهي  قميص وسروال ، وقد يضيفون إليه الصديرية لكونها تصلح لحفظ الأشياء الضرورية للشخص من نقود أو بطاقات ونحو ذلك في جيوبها الكثيرة

ويظهر معدنو لابا وود قبا ومناطق من إقليم سمهر بملابس تميل إلى المحلية أكثر إذ يلبس الشباب المعدن إزاراً وقميصاً وردا صغيراً ويلبسون ا لجلابيب وقت الصلاة  كما تظهر أنواع أخرى من الملابس حسب البيئات التي أتى منها المعدنون .والقادمون من المدينة يغلب فيهم لبس البنطلون والقميص والمسيحيون مثلهم .

ومن الأشياء المهمة التي تظهر في سلوك المعدنين ان لغتهم ليست تقرنية في معظمها فهم يتحدثون بالتقرايت أو العربي على الرغم من أن لغة الحاكمين التقرنية وهذه الملاحظة تنطبق في معدني الساحل الشمالي وبركه وسمهر .

الاحتفال بالأعياد في مواطن التعدين :

كثيرا ما تأتي المناسبات الوطنية التي يحتفي بها النظام  ويرقص فيها ويجبر الناس على الاحتفاء بها راقصين مثل ذكرى الاستقلال أو عيد ا لشهداء أو ذكرى تحرير مصوع أو عيد الأم ..الخ وتمضي هذه المناسبات دون احتفاء من المعدنين ، كان بإمكانهم الرقص والتعبير عن المناسبة الوطنية  كما كانوا يفعلون بأمر  وجبر من النظام في مدنهم وقراهم ، فعددهم يقدر بالآلاف في الموقع الواحد وفيهم شعراء وممثلون وخطباء وأصحاب مواهب بإمكان إمتاع المعدنين وإحياء هذه المناسبات اقتداء بما يفعله النظام   ومع ذلك لا تتحرك مشاعرهم  ويتعاملون مع المناسبات بتجاهل تام وذلك لأنهم ليسوا ضد الاستقلال وليسوا ضد الشهداء ..وإنما  يعتبرون هذه المناسبات سياسية تابعة لنظام هم يكرهون وجوده ويكرهون أخلاقه وفنه ورقصه ويرون في هذه المناسبات العصى التي تضربهم ، والجور الذي يقع عليهم ، والغرامات والملاحقات التي تضيق عليهم معيشتهم  والشيطان الذي يحارب عقائدهم ودعاتهم وأخلاقهم ، فهم  الآن في موقع آمن حر يتعوذون فيه بالله من شر الشيطان ويتجردون من كل ما يتصل به من صخب وخمر ورقص واختلاط ومجون ..  وبالمقابل تجد المعدنين يختفون شخوصا وحركة ونشاطا عندما يأتي عيد الفطر وعيد الأضحى فهم يخلون هذه المواقع تماما بمحض اختيار ويتجهون إلى أهليهم في قراهم وفي مدنهم .

روى لــ ” زينا “بعض من التقت بهم من أهل التعدين أن المعدنين يعمدون – قبل مغادرتهم للاحتفاء بالعيد الإسلامي مع أهليهم –  إلى ردم آبارهم الواعدة بالحجارة والتراب تأمينا من السرقات  وهم يعرفون أن من أتى ليحفر البئر المردومة عمدا يحتاج إلى أيام معدودة وهي أيام العيد فإن انتهت عاد المعدنون إلى مواقعهم فإن وجدوا فيها من يحفر وينقب يؤمر بالمغادرة العاجلة لأنه يزرع زرع غيره وتنتهي المحاورة بين الطرفين سريعا لصالح الأصحاب الأصليين  وكثيرا من الآبار تظل مردومة حتى يأتي إليها أصحابها بعد قضاء إجازة العيد مع الأهل والأحباب

التفاني في خدمة المحتاج :

يعيش المعدنون أسرة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ، ويتجلى هذا التعاون في كثير من السلوك الإيجابي المفيد فبالتعاون يحمون أنفسهم من كيد العدو ، وبه يتبرعون أموالا تأتي من أغنيائهم إلى ذوي الحاجات منهم ، ويتبادلون المعلومات عن الذهب بصدق وعن تحركات ومكائد النظام بصدق ، ومما يظهر فيه تعاونهم الوثيق أنه إذا مرض أحد المعدنين يتولون أمره ، حتى إذا ما تطلب العلاج إلى نقله إلى المدينة حيث يوجد الدواء يصنعون له نعشا من أعواد الخشب ويلفون المريض بثوب مثبت في  الأعواد ويأتي الرجال يحملون المريض في أعناقهم يهبطون به من الجبل موقع التعدين إلى أقرب مدينة وهذه هي الأموال تتسابق لدعمه إلى درجة التكاثر دون اسم يسجل في دفتر  وذلك بغرض علاجه  .

حاملوا المريض يأتون به إلى أهله ليلا ويجمعون المبلغ المتبرع به في جراب ليسلم إلى أهله بعد توثيق وذكر لي أن بعض المرافقين للمريض يتوقف عند قرب المدينة خوفا من الحكومة ويواصل في حمل    المريض عدد قليل من معارفه وأقاربه وينصرف الباقون إلى  موقع التعدين النائي.

وذكر معدنون أرتريون  لوكالة زاجل الأرترية للأنباء  أن الحالات المرضية التي تظهر بين المعدنين هي كسور نتيجة انهيارات آبار ، أو إغماءات طويلة نتيجة  الاختناق أو الإصابة بالملا ريا والالتهابات  ولا توجد  في المناجم مشافي ولا صيدليات وإنما يتعاملون مع الحالات  المرضية بصبر شديد وتناول بعض الأدوية المحلية  أما الحالة الأصعب فيتم تحويلها إلى المدينة مرفوعة على الأعناق .وجميع من في الموقع يستنفر لدعم الحالة والمساهمة في العلاج.

قصة العلاج بالضرب :

روى بعض المعدنين أن عدد 14 شابَا كانوا مشتركين في بئر ، يحفرون بالتناوب ، والحصاد مشترك بينهم بالتساوي حسب الاتفاق .

ذات مرة نزل أحدهم فوصلت يداه إلى  حقل ذهب بعد جهد وعرق وصعوبة.

من شدة الفرح طار عقله، فخرج وهو شبه مجنون ، يضرب خديه ويضحك ذاهلاً

هذه حالة معروفة لدى المعدنين فقد بادر أحد الشباب فلطمه كفًا على صفحة وجهه

صحا من الغياب على أثرها وأخذ يعبر عن الحالة بوعي ، وقد وجد بعد الإفاقة ان بعض أصحابه كان قد نزل بعده وخرجوا بثوب مليئ من ذهب  .

قسم الحصاد فأصبح لدى كل واحد منهم سبع كيلو جرام  حسب الرواية .

 

 

الحلقة الثالثة

من تقرير التعدين الأهلي

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى