السودان وأرتريا والغرب الدم على الحدود –

قبل سنوات كانت القوى السياسية المعارضة تتهافت على تحريض المجتمع الدولي ومحكمة الجنايات الدولية من أجل اصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس وأركان حكومته. لقد كانت المعارضة بسذاجتها البينة وكسلها المعهود تهدف الى استخدام طاقة المجتمع الدولي للقيام بالمهمة التي عجزت عنها وهي اسقاط النظام والحلول مكانه. على شط الرشاد كانت هناك جماعة محدودة من خارج أنصار الحزب الحاكم تقف ضد مثل هذا التدخل وكاتب هذه السطور من بينها بكل اعتزاز. كنا نرى أن أكثر ما يعيق نمو الحكم الراشد في بلادنا (صرت لا أحبذ استخدام كلمة ديمقراطية) هو أن يضطر أحد الأطراف الى التمسك بالسلطة كخيار وحيد، وهذا بالضبط ما حدث لحزب المؤتمر الوطني الذي أدرك، دون كثير اجتهاد، أن تخلي قادته عن السلطة وآلة الدولة هو صافرة البداية لسحلهم في الشارع السياسي. ماذا جنى مؤيدو التدخل الدولي وأنصار أوكامبو الذين تكأكأوا على لاهاي ونيويورك لإلتقاط الصور مع الحقوقي الارجنتيني المهووس بالإعلام؟ لا شيء سوى أنهم أغلقوا على أنفسهم الباب في غرفة المعارضة واضاعوا المفتاح. ما تتخذه الحكومة الآن بقيادة الرئيس عمر البشير من خطوات للانفتاح على القوى المعارضة، وتلك التي يعجزها صندوق الانتخاب عن الحضور في مشهد الحكم، إنما ينطلق من موقف منتصر. لقد حققت حكومة البشير انتصارها السياسي التاريخي في أعقاب مذكرة أوكامبو بمجموعة من الإجراءات القاسية والقرارات الصعبة، وهي الآن تمتلك       المصدات الكافية لحماية جوهر السلطة من أي محاولة للتآكل لذلك فإنها تمد يدها، بثقة، لاستيعاب الخصوم الراشدين. إذا أقبلت القوي السياسية فستتاح لها الفرصة للمساهمة في الصالح والخير العام وفق استراتيجية الإنقاذ، وإن امتنعت فإنما هي تزيد من تعزيز بقاء الإنقاذ حيث هي. ***            ما حدث في السودان من محاولة للاستعانة بالظروف الخارجية لإحداث انتصارات داخلية حدث بشكل أكثر بشاعة وألماً في الجارة ارتريا، وبينما ساهمت عوامل الإرث السياسي منذ الإستقلال، وصلات التاريخ والجغرافيا والدين والاقتصاد بالخليج والعالم العربي في إنقاذ السودان فإن جارتنا العزيزة ارتريا لم تستطع، للأسف، النجاة حتى الآن. لقد كنت شاهداً على تداعيات الحرب الإرترية الإثيوبية المدمرة، ورأيت مشاهد الدمار والخراب التي ضربت العمود الفقري للدولة الناشئة الفتية ورأينا مع المواطنين المشفقين والمذهولين كيف كاد حلم الدولة المستقلة أن يجهض في أسابيع محدودة. في ذلك المناخ انتعشت معارضة سياسية شرسة ضد الرئيس أسياس أفورقي وحكومته ورأى خصوم الجبهة الشعبية في الجيش الإثيوبي الذي كان يدك المنشئات الصغيرة يداً مُعٍينة قد تسهم في توفير فرصة مواتية لهم للوصول الى الحكم. في ذات الوقت ساعد الحراك المعارض المتوقد بفعل الحريق المدمر بعض القوى المدنية على التعبير عن رفض الحرب والشكوى من آثارها فيما حاول رفاق الرئيس في الحزب الحاكم العمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي بما يحقق لهم بعض الأهداف. لست في موقف لأقول من كان منهم على حق ومن كان على خطأ لكن كان موقف الرئيس أفورقي رافضاً لما ظنه استثمار غير شريف لظرف كان ينبغي فيه تنحية الاحتقانات والخلافات والتفرغ للمعركة الوطنية وقد كتب بشكل مباشر الى رفاقه الذين كان يعقدون الاجتماعات ويدعونه اليها كأي عضو عادي “أنكم ترتكبون خطأ كبيراً”. بعدها سارت الأمور على غير ما يشتهي الجميع، ودخلت مجموعة ال١٥ السجن واضطرت الحكومة للتشبث أكثر بالسلطة، ووأد الدستور الجديد والإنتخابات التي كانت في الطريق، وانطفأ أمل المستقبل الزاهر الذي كان طلاب المدارس حينئذ يحلمون به وكالعادة كان المجتمع الدولي في الموعد تماماً فأضاف على نار الحرب وبشاعة آثارها مزيداً من زيت العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعزلة الدبلوماسية على جارتنا الأقرب الينا رحماً ووجداناً.. يوم الخميس نقرا كيف يدفع الشعبين على الحدود الثمن.

عيش اليوم في أرتريا ما يقل عن الستة ملايين نسمة (حسب معلومات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية) يقتسمون ناتجاً قومياً إجمالياً محدوداً ويعيشون ظروفاً اقتصادية غير مواتية على الإطلاق. وفيما يبقى السكان عرضة في أي لحظة للمخاطرة بفقدان استقلال البلاد ذاتها بسبب التوتر المستمر والدائم على الحدود مع الجارة الكبرى إثيوبيا يوثق مجلس الأمن يدي أرتريا في حالة نشوب أي معركة ـ لا سمح الله ـ مع الجارة القوية بسبب حظر استيراد الأسلحة المفروض على البلاد منذ ثمانية أعوام. على الحدود مع إثيوبيا ينتشر عشرات الآلاف من الجند وعناصر الاستخبارات والرصد وعلى الحدود الغربية مع السودان يقيم نصف الأهل، ونصف القبيلة، ونصف العائلة، ونصف الأحباء الأعزاء. الظروف ضاغطة في أرتريا ولا ملاذ إلا السودان وهذا عين ما يفعله الشباب الحالمون بغد أفضل، وفرص حياة أكثر رحابة! الصبية الصغار والصبايا القويات الشكيمة يحاولون بالعشرات عبور الحدود من هنا أو هناك، وهنا بالضبط تبدأ المشكلة. السودان الذي يغادره الآلاف، هو الآخر، في كل شهر، يمثل الحلم والمنطلق للبعض وهذا ما يوقفهم مكشوفي الصدور أمام عصابات تهريب البشر على جانبي الحدود. من أرتريا يخرج الشباب بالمخالفة للقوانين المرعية ودون الحصول على الوثائق اللازمة، لكنهم يقدمون المال لرجال العصابات حيث يعدونهم بتوصيلهم إلى حيث الخط الوهمي الفاصل بين البلدين. إن تم القبض على الهاربين داخل أرتريا فالعقاب ينتظرهم بسبب مخالفة النظم المرعية، وإن دخلوا السودان فقد تحقق الحلم الأول لكن الأمر يمر بمخاطرة شديدة نتواطأ جميعاً كمجتمع ودولة ورجال عصابات (كلنا في حزمة واحدة للأسف) نتواطأ في جعلها التجربة الأكثر قسوة في حياة هؤلاء.
لنتحدث بصوت مسموع: نحن في السودان أقل تقديراً واحتراماً للأرتريين وعموم من نسميهم (الأحباش) ولذلك فإن حساسية المجتمع لما يتعرض له هؤلاء الناس من مآسٍ ضعيفة بل هي منعدمة بلغة أدق هذا مؤسف وغير أخلاقي تماماً!
هب أن عصابة اختطفت عشرة من الضيوف العرب في السودان، واحتفظت بهم كرهائن في سجن خاص بها، ثم قامت بتجويعهم وحرمانهم من الماء والحقوق الطبيعية ليومين أو ثلاثة لتقدم لهم هواتف نقالة أو أجهزة ثريا للاتصال بأهلهم لتقديم فدية مقابل إطلاق سراحهم؟ لو حدث ذلك لوقعت السماء على حكومة وأهل السودان ولتسابق أركان حكومتنا لحل المشكلة ومعاقبة الجناة على فعلتهم الشنيعة ولكانت للحادثة تداعيات على السياسة، والاقتصاد، والاستثمار، والعلاقات الدولية لكن هذا يحدث بشكل شبه يومي مع الأرتريين في السودان دون أن يتعرض الناموس للاهتزاز. كل بضعة أيام تقوم قوات الشرطة بتحرير نسبة من هؤلاء الرهائن البؤساء وتقبض على بعض الجناة، ووفق قوانيننا العجيبة تتم محاكمة الجناة والضحايا على نحو متقارب إذ تتحصل المحاكم على غرامات من الرهائن المحررين بحجة اختراق سيادة الأرض دون الحصول على الأختام اللازمة على وثائق لا يملكونها، فيما يتم تغريم الخاطفين بتهم عجيبة ويطلق سراحهم ليعودوا إلى سياراتهم وامتشاق أسلحتهم بحثاً عن ضحايا جدد. في هذا الوقت تصاب أرواح أولئك الضحايا بشروخ تبقى إلى الأبد لأننا لا نقدر إنسانيتهم كما ينبغي.
إنني أتعامل مع الكتابة في هذه الزاوية بمسؤولية كبيرة لذلك لا أريد ذكر الحكايات المأساوية التي تردني حفاظاً على الصورة العامة لبلادي، وأملاً في أن تكون تلك الحوادث استثناء.
إن مطلب هذا العمود بسيط للغاية وهو تجريد أولئك الضحايا المغرر بهم من (وصمة حبشيتهم) والنظر إليهم كبشر أسوياء مثلنا ومثل العرب لنعاقب مهربي البشر ومختطفيهم المسلحين بالعقوبة اللائقة. إن من يتم تحريرهم بواسطة الشرطة وقواتنا النظامية المحترمة على الحدود نقطة من بحر من الضحايا الذين يتم امتهان إنسانيتهم تحت سمع السلطة وبصر رجال القبائل العاجزين. يا حكومة السودان ويا أهل السودان الكرام هذا لا يليق بنا أبداً.

بقلم : محمد عثمان إبراهيم

16  / 3 /  2017

http://alsudani.sd/2016-10-05-10-17-00/930-2017-03-16-12-54-39

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *