الشاعر الأرتري توفيق قسم الله يكتب : بوح الناسك ( بحر الطويل)

استقبلت ” زينا ” هدية من شاعر ، القصيدة تسلك مسار الشعر العربي الأصيل فهي تتغزل لكنها محافظة على الحياء  فالشاعر يتواصل خلسة  حياءً وخوفًا من  الرقيب ومحاذير القيم ، والحبيبة كذلك تحافظ على سمعتها وتعمل على إخفاء علاقتها بزائرها وتكرم ،  والمسافة بين إكرام الطارق الخفي وبين  ارتكاب الفضيحة  والعار  يحكمها خيط رفيع متين  ، كشأن  معظم شعراء العربية الجاهليين وحتى في عصور ازدهار الأدب  من دولة الإسلام والعروبة المتتالية فقد كان سوادهم حريصاً على  إبقاء مسافة بين القرب والاستمتاع بالأنس الجميل مع الحبيب وبين هتك العرض والفضيحة والعار حسب ما تمليه أخلاقهم  وبقية خير كان تظللهم .وقصيدة الشاعر قسم الله – على قصر نفسها –  تنظر باقتداء إلى مشاهد من  قصيدة امرئ القيس التي جاء فيها  :

ويَـوْمَ دَخَـلْـتُ الـخِـدْرَ خِـدْرَ عُـنَـيْـزَةٍ

فَـقَالَـتْ: لَكَ الـوَيْـلاَتُ!،إنَّـكَ مُـرْجِـلِـي

تَـجَـاوَزْتُ أحْـرَاسـاً إِلَـيْـهَـا وَمَـعْشَراً

عَـلَّـي حِـرَاصـاً لَـوْ  يُـسِـرُّوْنَ مَـقْـتَـلِي

ليتخذ  الشاعر الجديد إجراءات  الشاعر القديم للوصول إلى الحبيبة

 معرضاً عن  أدوات العصر المتاحة التي يسرت العسير وقربت البعيد .

قصيدة قسم الله اليوم  تأتي في زمن  لا خمار فيه ، ولا حياء ، ولا قيود من حراسة قيم وأسرة ، كل شيء فيه مباح ، وكل منكر فيه معروض على الطرقات دون حياء والتواصل بين آدم وحواء ترعاه الحريات وتحميه القوانين الأمر الذي يجعل العفة دون معنى ،  ويجعل الحب مصالح مادية و الخدود  الناضرات ، والورود الزاهرات  تحولت إلى أجسام بلاستيكية  ومجسمات خاوية لا طعم فيها ولا تدعو إلى الاشتهاء والشوق،  إنها خالية من الروح والذوق والإحساس الجميل ..شكرًا لك  الاستاذ الشاعر توفيق محمد نور قسم الله:

هجمتُ على بنتِ الأكارمِ غرةً

وقد غابت الأقمارُ، والليلُ هاجِعُ

وفي القلبِ من خوفِ الرقيبِ، وحُبِّها

وشوقي إليها نازعانِ ومانِعُ

فقامت ولاثت رأسها بخِمارها

وقالت: لك الويلات، ما أنتَ صانعُ ؟

أتطلبُ أن تلقى الردى فتُميتَني

عليك أسًى؟ قد فطّرتني الفواجعُ!

فقلتُ: دعي لومي، وهُبّي فأكرمي

مُقامي، فإني مثلما جئتُ راجعُ

فكانِ قراها أن أماطتْ لثامِها

وذاك قرًى فيهِ المُعنّى يُسارعُ

فما هي إلا لحظةٌ، ثُم أسدلت

وقد خفّ عنّي الحالُ، فالطرفُ خاشعُ

ورُحتُ أُناجيها سِرارًا، أبُثُّها

هُمومي، وأشكُو الحُبَّ، وهي تُراجعُ

وظّلت تُناجيني وترنو بعينِها

مُولّهةً، أن لا يُسمِّعَ سامعُ !

وفارقتُها والقلبُ باكٍ، وكفُّها

تكفكفُ دمعًا ذرّفتهُ المواجعُ

فلا هيَ نالَت غيرَ همٍّ، ولا أنا

سوى بثِّ تبريحي، وهل ذاك نافعُ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *