الشهادة الثانوية الإرترية وفشل سياسات التعليم

بقلم/ أحمد محمود محمد – باحث بمركز دراسات القرن الإفريقي ( الموضوع قديم منشور عام 2015م وزاجل تعيد نشره  – بعد استئذان المركز –  بناء  على أنه مادة مهمة تستحق النشر  : )

في الحادي عشر من اغسطس الحالي أُعلن عن تخريج الدفعة الثامنة والعشرين من مجندي الخدمة الإلزامية في معسكر ساوا، والدفعة التاسعة من طلاب الشهادة الثانوية الارترية؛ بعد عسكرة التعليم، والدفعة السابعة من طلاب مركز ساوا للتدريب المهني و التي تعرف بمدرسة (الهما موس) التي أُنشأت في الاساس من أجل إبقاء الطلاب الراسبين في الشهادة الثانوية في ساوا لمدة عامين وهي فترة التدريب في المركز ليكونوا تحت تصرف قوات الدفاع الارترية التي هي في حالة حرب منذ العام 1998.

كان يفترض أن يجلس للامتحان في هذه الدفعة عدد 12,151 طالبا وطالبة، حسب ما أعلن عنه في مطلع شهر مارس الحالي أي قبل فترة وجيزة من جلوس الطلاب لامتحان الشهادة الثانوية، غير أن من جلسوا لهذه الامتحانات كان عددهم 11,500 طالبا وطالبة. وكان يفترض أن يجلس للعام الدراسي (2014 ـ 2015) (49,000) طالبا وطالبة وفق تقديرات الوزارة  التي أَعدت في عام 2005 تصورا لما سيكون علية عدد الطلاب في الصف الثالث الثانوي بدءً من العام الدراسي 2006 وحتي العام الدراسي 2015 ، وهي تقديرات قريبة من الواقع إذ كان عدد الطلاب الممتحنين للشهادة المتوسطة في العام الدراسي 2013 ـ 2014 (52,000) طالبا وطالبة.

ومما تقدم يتضح لنا أن الفاقد التربوي في العام الدراسي المنصرم هو قرابة (38,500) طالبا غير أن المشكلة الكبرى تمثلت في تدني نسبة النجاح، حيث لم تتجاوز 24%  سيقبل منهم 14% في درجة البكالوريوس أي قرابة 1,500 طالبا، وما يقارب 10% من نسبة النجاح سيقبلون في درجة الديبلومات وذلك لتدني الدرجات التي تحصلوا عليها ويقدر عدد من سيقبل في درجة الديبلومات قرابة الالف طالب ، وكانت الخطة التي أعدت في العام (2005) الآنفة الذكر قد قدرت أن من سيقبلون في التعليم العلى في هذا العام الجامعي  2015 بـ 18,000 طالبا وطالبة.

كانت نتيجة امتحان الشهادة الثانوية الارترية للعام الماضي هي الأُخرى قد سجلت و بشكل لا لبس فيه فشل السياسة التعليمية التي يطبقها النظام حيث كانت نسبة الرسوب في الشهادة (70%) مما يعني أن فشلا بهذه النسبة الكبيرة وخلال خمسة أعوام متتالية يستوجب وبشكل عاجل مراجعة السياسات البنيوية للتعليم لأن أي تأخر في المراجعة لها هو بمثابة التمادي في الكارثة التي ستطال أجيال من الشعب الإرتري، وتؤدى إلى تراجع إرتريا وتخلفها عالميا كما أن الخطة التي أقرها المجلس الوطن ـ معين ومجمد من العام 2002 ـ والتي سنتعرض لها في صلب هذ المقال تكون قد انتهت بنهاية العام الدراسي (2013 ـ 2014) مما يتوجب الوقف على هذه الخطة، ومن خلال هذا المقال سنحاول تلمس أهم أسباب هذ الفشل الذريع .

يمثل التعليم من أهم المقومات للتنمية المستدامة لأي أمة تنشد التقدم وتأخذ بأسباب البقاء الحقيقي، و بالرغم من أن الحكومة الإرترية  نجحت في بناء بعض المدارس وأصدرت عدداً من المناهج التعليمية خلال السنوات الماضية لكننا نجد أن العملية التعليمية تسير على غير هدى، هذا ليس بغياب الخطط والنظريات ولكن يبدو أن من يخطط لا يملك مؤهلات التخطيط – وأن فاقد الشيء لا يعطيه – وهناك أسباب  عديدة ربما أدت إلى فشل سياسية التعليم في إرتريا خلال ما يقارب من ربع قرن من الزمان وهي عمر الدولة الإرترية بعد الاستقلال.

أولاً : التخبط في إصدار القرارات المتعلقة بلغات التدريس حيث أصدرت الجبهة الشعبية في عام (1992م) مرسوماً ينص بأن اللغتين العربية، والتجرينية، هما لغتا التدريس الأساسيتين في إرتريا، ولكنها تراجعت عنه بعد ثلاثة سنوات ( 1995م )، حيث قامت حكومة الجبهة الشعبية بإصدار تعميم إلى مديري المدارس الابتدائية باعتماد لغة الأم في التعليم والذي رفضه وزير التعليم في ذلك الوقت السيد/ برخت هبتي سلاسي ؟!!! ولكننا نجد أن أول من قام بتنفيذ هذا القرار – التعليم بلغة الأم – هو السيد/ عثمان صالح عندما أصبح وزيراً للتعليم!!.

سياسة التعليم بلغة الأم تعتبر العامل الرئيسي في فشل السياسات التعليمية للنظام وذلك لأن الطالب عندما ينتقل للمرحلة المتوسطة يكون قد انتقل إلى مرحلة ليس بينها وبين المرحلة السابقة أي ترابط وتواصل بل يكون قد بدأ المرحلة التعليمية من جديد بسبب عامل اللغة  ـ الانتقال إلى اللغة الإنجليزية ـ وتدني مستوى المعلم وعدم كفاءة المنهج مما نتج عن كل هذه المثالب تسرب الطلاب من العملية التعليمية بشكل تدريجي من الصف الأول وحتي الصف الثاني عشر لتبلغ نسبة التسرب أكثر من (50%) كما سيتضح معنا .

ثانياً: عدم وجود الكادر التعليمي المؤهل ابتداءً من واضعي ومصممي المناهج التعليمية وانتهاءً بالمعلمين الذين أغلبهم ممن اقتادتهم الحكومة إلى ما يسمى بالخدمة الوطنية والتي لا تنتهي إلا بالهروب أو الموت، وكان منتدى المعلمين الذى عقد في (17/2/2007) في مدينة مصوع قد حدد أحد المشاركين في المنتدى أسباب تدني مستوى التعليم إلى ضعف الاجور وانعدام التدريب لتؤكد التوصيات التي خرج بها المنتدى ذات الأسباب حيث جاء ضمن التوصيات تكوين لجنتين من مسؤولي الأقسام في وزارة التعليم.

الأولى تتولى تدريب وتأهيل المعلمين من خلال دورات، كما تعمل على تحسين وضعهم المادي.

أما اللجنة الثانية تقوم بمتابعة برامج تأهيل المعلم وتدريبه على المنهج الجديد الذي طبق في العام (2003) والذي لم يسبقه التدريب عليه.

وهذا القصور العامل الأساسي فيه يعود إلى تعطل التنمية في البلاد بسبب الوضع الاقتصادي المتأزم الذي أوصل النظام بسببه البلاد إلى هذا الوضع بسياساته العشوائية التي يضعها جهلاء وعديمي خبرة ليس لهم أي صلة بالتربية والتعليم، وهذ خلل بنيوي شنيع يوضح خواء فكر وإفلاس القائمين على العملية التربوية برمتها.

كانت مشكلة المنهج قد برزت من العام (1991م) حيث اعتمد المنهج الذي كان مطبقا في مدارس التنظيم، وهو بالتأكيد قاصر عن مواكبة مرحلة الدولة الوطنية، ولم يلتفت إلى هذا الخلل إلا في العام (2000) حين قرر مجلس الوزراء اعتماد مقترحات لوضع منهج جديد، ليتم تمريرها إلى المجلس الوطني في العام (2002م) من أجل المصادقة عليها، وقد تم إنزاله للتطبيق من العام (2003) وفق خطة تنفذ خلال مرحلتين تبدأ الأولى من العام الدراسي (2003 ـ 2004) وتنتهى العام (2008)، وتبدأ الثانية من العام الدراسي (2008) وتنتهي بنهاية العام الدراسي (2013 ـ 2014) .

كان المسؤولون من وضع الخطط والسياسات التربوية والتعليمية قد أدركوا بعد مرور عشر سنوات خلو المنهج من المواد المساعدة على رفع القدرات، لتكون المخرجات طلاب يفتقرون إلى مهارات. وحتي المنهج الجديد أيضا يغلب عليه الحشد، فالطلاب الذين امتحنوا هذ العام وفي الأعوام السابقة عليهم أن يمتحنوا في  سبعة مواد أساسية وثمانية مواد إضافية.

ثالثاً: عدم وجود استراتيجية واضحة من خلالها تتم عملية متابعة وتقييم وتقويم التعليم في كل جوانبه حيث أن كل الدلائل ومخرجات التعليم خلال الفترة الماضية تؤكد ذلك، فبالرجوع إلى خطة وزارة التعليم الإرترية التي أعدتها في عام (2005م) كان من المفترض أن يكون عدد الطلاب في الفصل الدراسي الثالث الثانوي للعام الدراسي (2012/2013م) عدد  (40,400) طالبا ويقبل منهم في التعليم الجامعي (14,400) طالبا، أما في العام الدراسي (2013/2014) قدرت وزارة التعليم أن الطلاب الممتحنين للشهادة الثانوية بـ (45,200) طالبا، لنتفاجأ بخبر في الجريدة الرسمية[1] نقلا عن مديرة الامتحانات الوطنية في مجلس التعليم العالي أن من سيجلسون لامتحان الشهادة الثانوية في العام الدراسي الحالي أن عددهم هو (21,446) طالبا وطالبة إلا أن الرقم الحقيقي لعدد الطلاب الذين جلسوا فعلا هو (19,844) طالبا وطالبة ويلاحظ أن الفارق بين تصريح مسؤولة الامتحانات وجلوس الممتحنين يومين فقط لاذ فيها أكثر من ألف وستمائة طالبا بالفرار من معسكر ساوا للتدريب الذى حشد فيه طلاب الشهادة (إرتريا الحديثة 30/9/2014)، مما يعني أن هناك فاقدا تربويا يفوق نسبة 52% من الصف الأول الابتدائي في العام الدراسي (2002) وحتي الصف الثاني عشر الثانوي الذي جلس طلابه للامتحان في 17/ من شهر مارس الحالي(2014)، إذا هناك أكثر من (25,556) تلميذ قد غادروا مقاعد الدراسة يضاف إليهم الذين حرموا من التعليم نتيجة العجز في الاجلاس خاصة في الريف الذي يكاد تخلو اغلب قراه من المدارس مع العلم أن (70%) من سكان البلاد هم من قاطني الريف، ولكننا في الواقع نجد حقائق مذهلة تؤكد عشوائية وفشل سياسة التعليم وغياب تام لما يمكن أن يسمى بخطط التعليم وذلك يتضح من خلال الحقائق التالية :

أن العدد الذي جلس لامتحان الشهادة الثانوية للعام (2012/2013م) هو (19,147) طالباً وطالبة، لم ينجح منهم إلا (30%) ووفقاً للنتيجة المذكورة فإن العدد الذي يمكنه الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي في مرحلتي الدبلوم والبكالوريوس هو (5744) طالباً وطالبةً ،[2] وهذا يعني فشل خطة التعليم المذكور بنسبة (60%) وهذا بالتأكيد يعني فشل التعليم ويحتاج إلى مراجعة شاملة في كل جوانبه.

كذلك تقدم معنا عدد الطلاب الذين جلسوا للعام الدراسي (2013 ـ 2014) نجح منهم فقط (3620) طالب وطالبة (1890) طالبا وطالبة يمكنهم التقدم لدرجة البكالوريوس (1730) ولدرجة الدبلوم فيما يصبح مصير (16,224) طالبا وطالبة هو الاستمرار في أداء الخدمة العسكرية الغير محددة الأجل أو الفرار من البلاد.

كما جلس للعام الدراسي الحالي (2014 ـ 2015) (11,500) طالبا وطالبة، بلغت نسبة الرسوب 74% أي (8,600) طابا وطالبة، مما سيتحتم عليهم البقاء في مركز ساوا للتدريب العسكري لمدة عامين بحجة تأهيلهم مهنيا، بينما الحقيقة هي إبقاءهم تحت تصرف قوات الدفاع الارترية تحسبا لأي طارئ.

ويعتقد الخبراء أن أي نسبة إخفاق تتجاوز ألـ (25 %) تعني فشل الخطة وأن ذلك يشير إلى أن الخطة بنيت على أسس غير علمية وبعيدة جداً عن الواقعية وغير قابلة للتقييم والتقويم والمراجعة، بل الأمر يتطلب إيجاد خطة بديلة تكون قابلة للتطبيق وفقاً للمعايير المتفق عليها والمعروفة عالمياً في مثل هذه الأشياء.

ومن الأشياء التي تؤكد إقرار الحكومة الإرترية بفشل العملية التعليمية نتائج منتدى تقييم التدريس بلغة الأم والذي أختتم في أغسطس (2013م) و قدمت فيه ورقة واحدة وكان من أبرز توصياتها :

  1. إعداد الكادر المؤهل والذي ذكرنا أن غيابه يعتبر أحد أهم عوامل فشل التعليم والتدني الكبير الذي رافق مسيرة التعليم خلال السنوات الماضية. وكانت الخطة التي تقدم ذكرها، تهدف إلى تدريب عدد (12,000) معلم على النظام التعليمي الجديد وقد حدد لذلك ميزانية قدرت بمبلغ 200 مليون دولار أمريكي، استنادا إلى وعود من المجتمع الدولي، فقد كان البنك الدولي قد منح إرتريا في العام (1994) قرضا ميسرا بقيمة (445) مليون دولار (30%) منه مخصص للتعليم (133) مليون دولار. كما كانت الخطة قد هدفت إلى إجلاس كل أطفال إرتريا في التعليم الإلزامي بحلول عام 2015م ومن خلال المعطيات التي بين أيدينا يصبح تحقيق هذ الهدف صعب المنال.
  2. إيجاد كتب للمطالعة وبالتأكيد فإن وجود الكتاب يعتبر أحد أهم مرتكزات نجاح التعليم فبدونه ستخضع العملية التعليمية إلى اجتهادات الأفراد من المعلمين وتخريج أجيال متباينة في مستوياتها الأكاديمية .
  3. البحث عن حلول عاجلة لفروق اللهجات التي تواجه اللغة الواحدة وهذا أيضاً يؤكد غياب المنهج الموحد لكل لغة من لغات الأم حيث يدرس أهل كل منطقة ومنسوبي كل مدرسة بطريقتهم الخاصة ، ولكن هذا بالتأكيد لا ينطبق على اللغة التجرينية والتي كانت سياسة التعليم بلغة الأم أحد أهم عوامل تمكينها ولاسيما أنها كانت لغة التعليم بالنسبة لنصارى إرتريا في عهد الاستعمار الإثيوبي ؟! وأحد أهم عوامل وحدتهم وهيمنتهم على حساب الغالبية العظمى من سكان ارتريا .
  4. توفير الكتاب المدرسي وهذا يؤكد أن المدارس التي تعتمد لغة الأم في التدريس ما هي إلا مراكز لتكريس الأمية وتجهيل الأجيال وحرمانها من التعليم الحقيقي ، حيث لا كتاب ولا لغة ولا منهج علمي ولا رعاية من قبل القائمين على الأمر فكيف بنا أن نتصور مستقبل بلد يساق أكثر من نصف أطفاله إلى الأمية سوقاً بطريقة محكمة ترعاها الدولة بصورة دقيقة .

عقدت وزارة التعليم في شهر فبراير(2014) اجتماعا من أجل تقييم العملية التعليمية في البلاد، استهل التقييم كعادة تقارير أجهزة النظام بأن التعليم في إرتريا يسير بصورة متقدمة استنادا للأرقام الإيجابية دون أن يتم مقابلتها بالسالب من الأرقام المقابلة، فيتم ذكر عدد المدارس التي شيدت خلال الاثنين والعشرين عاما وعدد الطلاب في المراحل الثلاثة، دون أن يكون هناك توضيح المطلوب من عدد المدارس في هذه المرحلة مع إعطاء احصاء بالمنخرطين في التعليم في المراحل الثلاثة وارقام توضح العجز في الاجلاس مع ذكر الأسباب، غير أن الوقع خلاف ذلك .

وخلاصة القول أن ما يجري من ممارسات هدم لمسيرة التعليم في ظل الحكومة الإرترية الحالية، يعنى خلق جيل فاقد للهوية والثقافة والتراث المشترك والذي يعتبر أهم مقومات الأمة الواحدة.

كما أن سير التعليم بهذه الطريقة حتماً سيقود إلى تكريس الأمية وعدم المساواة بين أفراد المجتمع الذين يجمعهم الوطن الواحد، وهذا بالتأكيد سيقود إلى خلق ثقافات ومفاهيم متباينة تهدد وحدة الأرض وتماسك المجتمع وبالتالي فقدان كل القيم التي مهرها الشعب الإرتري بأغلى ما يملك . فإذا كان هذا هو حصاد التعليم خلال ما يقارب ربع قرن من الزمان فماذا سيكون حصاد الاقتصاد والزراعة والتعدين وكل مرافق الدولة ومقومات بقائها، وفي ذلك يرى كثير من المراقبين أن وصف إرتريا بالدولة الفاشلة أقرب إلى تشخيص الحالة التي تعيشها هذه الدولة التي يمكن أن نقول عنها أنها غريبة الأطوار في كل شيء.

 عنوان المركز:

Hornafrica2003@yahoo.com

[1]  ـ إرتريا الحديثة: 15/3/2014 .

([2]) إرتريا الحديثة :2/8/2013 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *