الطيران_على_جناح_الدبلوماسية_الاثيوبية

من المزاح إلى الجد:

في الصيف الماضي وفي جلسة حميمة بين اسياس افورقي وأبي احمد مال الرئيس اسياس نحو رئيس الوزراء الاثيوبي الشاب الممتلئ بالحماس وقال له مازحا: ” هل هناك طريقة لتخلصنا من مجلس حقوق الانسان؟”، الإشارة الخفية من الرئيس اسياس هي إلى مزحة أبي احمد والذي مازح الحضور خلال خطابه الشهير في أسمرا في يوليو الماضي بأنه سيعمل وزيرا لخارجية ارتريا شريطة عدم غضب الوزير عثمان صالح، حينها انفجر الحضور بالضحك. ورد أبي احمد على اسياس بثقة المتفائل وروح الشباب:” سأحول التراب إلى ذهب، فقط أنظرني بعض الوقت”.

في سبتمبر الماضي وفي اجتماع مع وزير خارجيته ورقنه غبيو كلف رئيس الوزراء الاثيوبي الشاب وزير خارجيته بالعمل دبلوماسيا على أن ” تحل ارتريا محل اثيوبيا” في مجلس حقوق الانسان. حتى التصويت الاخير لصالح عضوية ارتريا في مجلس حقوق الانسان، كانت اثيوبيا تشغل واحدا من ضمن خمسة مقاعد مخصصة لإفريقيا في المجلس لمدة ثلاث سنوات. وزير الخارجية الخبير يعرف كيف يتم العمل بهذا الخصوص. وبالفعل قسم العمل بين العاصمة اديس ابابا ومقر الأمم المتحدة في نيويورك؛ حيث اسندت لمندوب اثيوبيا في الأمم المتحدة مهمة حصاد الأصوات اللازمة لارتريا للفوز بأحد المقاعد الافريقية في المجلس للسنوات الثلاث المقبلة. التركيز كان على لقاءات مكثفة مع مندوبي الدول الافريقية لدى الاتحاد الافريقي وليس على نيويورك؛ لأن المندوب الاثيوبي للأمم المتحدة السفير تاي اتسكي سيلاسي آمدي لا زال يتحسس طريقه في أروقة الأمم المتحدة بعد تقديمه أوراق اعتماده للأمين العام في التاسع من سبتمبر الماضي، ولكن التصويت كان سيتم في اكتوبر على أية حال.

الارتقاء إلى الجناح الطائر:

استندت الاستراتيجية الدبلوماسية الاثيوبية على فكرتين: الأولى هي إعطاء ارتريا الفرصة للعمل من داخل المجلس لتعمل على تصحيح “الاوضاع” فيها، ثانيا فكرة ” التضامن” الافريقي حيث أن الدول الافريقية يمكنها بحس التضامن البيني أن تحبط خطط الاعداء، وهذا ما تحتاج إليه ارتريا حاليا: روح التضامن الافريقي وأن تكون في وسط المجلس من أجل الدفاع عن نفسها ومن أجل العمل على تصحيح أوضاعها. اعتمدت الدبلوماسية الاثيوبية على خطاب يماني قبرآب في مجلس حقوق الانسان في عام 2016 عند تقديم تقرير مفوضية التحقيق في انتهاكات حقوق الانسان؛ حينها قال الرجل بأن على المجلس إعطاء ارتريا الفرصة وأن يعمل معها على تطوير أجهزة القضاء والشرطة من أجل ” تحسين” اوضاع حقوق الانسان، وهو الأمر الذي طالبت به الصين وكوبا ايضا. إذن فرشت الدبلوماسية الاثيوبية بساطا مفاده أن ارتريا لديها الاستعداد للعمل على تحسين أوضاعها متى ما سمح لها بالعمل مع المجلس وداخل المجلس؛ ثانيا أن التضامن الافريقي معها سوف يؤهلها لتحقيق اهدافها خاصة في ظل وجود “النية” لذلك. لا تخرج هذه الاستراتيجية الدبلوماسية عن فكرة هيرمان كوهين الداعية إلى ” إعادة ارتريا إلى الدفء الدولي”. لأن العزلة وحسب فهم الدبلوماسي الامريكي العجوز لن تساعد ارتريا في تحقيق أي تحسن في المهام المطلوبة منها دوليا.

رأس الرمح:

بعد أن تم تحديد خطط العمل الاستراتيجي في إدخال ارتريا إلى المجلس بدأت خطة العمل وارتكزت اساسا على فكرة أن الدول التي كانت رأس الرمح في الدفع نحو تعقيد “حياة” ارتريا داخل المجلس كانت هي اثيوبيا وجيبوتي والصومال. وهذه الدول كان لها مواقفها المعادية لارتريا ليس بناء على “انتهاكات ارتريا لحقوق الانسان الارتري” ولكن ولكل اسبابه: فإثيوبيا كانت تعاني من التسليح والرعاية الشاملة للمعارضة المنطلقة من الاراضي الارترية ضدها. أما جيبوتي معاناتها كان سببها “البرود والجمود” الارتري في تجميد ملف الصراع الحدودي بين البلدين، وإنكار وجود أسرى حرب جيبوتيين في ارتريا، أخيرا الصومال يعلم تماما أن ارتريا كانت تسعى إلى تقويض مؤسسات الحكم الوليدة في البلاد عبر دعم حركة الشباب المجاهدين، وعدم الاعتراف بالحكومة الصومالية. كل هذه الملفات تم اقفالها في لقاءات زعماء الدول الاربع: الصومال، واثيوبيا، وارتريا وجيبوتي، والمصالحات التي تمت أعطت وزير الخارجية الاثيوبية الكرت الأخضر بالشروع في العمل دون مقاومة من دول الجوار؛ ليس ذلك فحسب بل طلب من هذه الدول دعم فكرة “جلب ارتريا إلى الدف”.

هناك ترتيبات تتم لزيارة مشتركة بين الرئيس الارتري ورئيس الوزراء الاثيوبي إلى الصومال بحيث يلتقي الزعماء الثلاث وقد ذابت كتل الجليد الكبيرة بين مقديشو وارتريا. وهذا المسعي يصب في تأكيد التصالح الأخير.

بدايات التراجع الاثيوبي عن دعم ملف انتهاكات حقوق الانسان في ارتريا داخل المجلس جاءت مع بوادر المصالحة الارترية الاثيوبية؛ ولكن اتخذت شكلا واضحا بعد استقالة شيلا بي كيتاروت مقررة حقوق الانسان الخاصة بإرتريا بعد انتهاء فترة عملها، وكما أشرنا في مقال سابق أن استقالتها سوف تمثل النهاية الرسمية للمنصب

الجرد الدبلوماسي:

وصول ارتريا إلى عضوية مجلس حقوق الانسان هو انتصار للدبلوماسية الاثيوبية اكثر منه انتصارا دبلوماسيا لارتريا، لأن الإشارة هي أن الاستراتيجية ودقة تنفيذها أوصلا ارتريا إلى “وراثة مقعد اثيوبيا” بتصويت تقوم فكرته على التقريب والتضامن. ويشابه هذا الانتفاخ الكاذب لشخص ضعيف وراء ظل شخص ضخم. ارتريا، كعادتها، ولمعرفتها بأن الانجاز لم يكن سوى دبلوماسية مساندة لم تقم الدنيا وتقعدها بالادعاء بأنها حققت ما عجز عنه “الاوائل”، بل اكتفت بالهدوء بدل الصخب.

وعند جرد الحصيلة الدبلوماسية لهذه الخطوة نجد أن ارتريا طارت على “جناح” الدبلوماسية الاثيوبية دون تلبية الاشتراطات المعنوية على الاقل لعضوية المجلس والمتمثلة في معالجة انتهاكات حقوق الانسان، أو على الاقل الشروع في ابداء النية نحو ذلك. الدبلوماسية في شكلها العام تعتمد على افتراضات تقوم على التشجيع وحسن النوايا واعطاء الفرص والمساومات، وهذه هي طبيعتها.

وبهذا الفهم تبنت الدول فكرة أن وجود ارتريا داخل المجلس سوف تتفاعل على طريقتين الأولي : أنها ستكون في “وجه المدفع” بصورة دائمة مما يجعلها وتحت ثقل العضوية تلبي شروط تحسين سجل حقوق الانسان فيها، بناء على تغير الاوضاع الدبلوماسية لصالحها بعد المصالحة مع اثيوبيا، لذلك فلنفترض عندها حسن النوايا ونعطيها الفرصة؛ واخيرا نضعها على “المحك العملي” ونجلبها عنوة إلى دائرة الضوء. المجلس نفسه لا يفترض أن تكون الدول الاعضاء فيه “ذات سجل ملائكي” وخاصة أن اكثر الدول تنفيذا لأحكام الاعدام كانت تترأس دوراته في احدي السنوات.

وأن عضويته لا زالت “مزدحمة” بدول ذات سجل اسود في مجال حقوق الانسان؛ ولكن تظل المسألة رهنا بقاعة المرايا السياسية، التي تمثل متاهة دبلوماسية من ناحية وازدواجية رؤية من ناحية أخرى

هل تموت المطالب بالحقوق في ارتريا؟

افترض البعض بأن حصول ارتريا على عضوية مجلس حقوق الانسان هو “دليل براءة” وغسل يد عن الجرائم والانتهاكات لاسمرا وطاغيتها. الأمر ليس كذلك. التصويت الذي أدخل ارتريا إلى مجلس حقوق الانسان هو تصويت غير “مقاوم”، أي لا يتم الاعتراض عليه بحق “الفيتو”. أن وجود ارتريا وحتى بعد حصولها على 163 صوتا داخل الجمعية العامة لا يعني ابدا أنها بريئة من أفعال الماضي؛ أو أنها ستكون بمنأى عن الضغوط؛ خاصة الضغوط غير الرسمية. الحقيقة أن العملية قد يكون لها تأثير عكسي، ولكن ذلك مرهون اساسا بالدور الذي يلعبه الناشطون في كشف انتهاكات حقوق الانسان والمطالب الانسانية العادلة بتغيير الاوضاع. فهؤلاء متى ما تخاذلوا أو وهنوا، فإن ارتريا يمكن أن تستفيد من عضويتها في المجلس، حتى يمكن لممثلها في الجلسات أن “ينام” قرير العين عند المناقشات. الحقيقة أنه يمكن تحويل “هذه العضوية” إلى جحيم مفتوح، وذلك بتأليب الرأي العام والعمل الدؤوب على كشف الانتهاكات، والعمل على كسب تعاطف الدول الاعضاء، هنا ستعرف ارتريا أنها أصبحت بالقرب من الباب الذي “يجيب” الريح. نعم غياب الدول الصديقة والداعمة للملف قد يشكل تناقصا في الرصيد المقاوم، ولكن طبيعة العمل المقاوم تكمن في أنه قادر على قياس التراجع والارتداد نحو الأمام بقوة أكبر.

وقد لا يتصرم هذا العام دون أن تنفض ارتريا عنها، وفي مكسب دبلوماسي آخر، العقوبات المفروضة عليها منذ عام 2009، وهناك سوف يتم تحقيق مكسب سياسي آخر في المواجهة.

ولكن لن تتضح الصورة الكاملة الا بعد معرفة ان المكاسب السياسية التي تحققها الحكومة الارترية بالوكالة هي ذات طبيعة سياسية وآنية ومبنية على حسابات المصالح أي كان نوعها؛ ولكن المواجهة الحقوقية هي تلك التي لها الديمومة لأنها تقوم على الكرامة والحق وأنين الثكلى وآهات المقيدين. وهذه المكاسب نفسها تأتي من باب تغليب “السياسة على الحقوق”، وعلى الناشطين أن يعوا هذه الحقيقة الخالدة: أن السياسة قد تكسب جولات هنا وهناك؛ ولكن الحقوق هي التي تنتصر في النهاية ولكن هذا الانتصار لن يحدث ما لم تدعمه إرادة لا تقهر وإيمان لا يتزعزع بحقوق المهضومين وأخيرا وعي تام بطبيعة المعركة ومكانها: فهي تتم داخل أروقة مجلس “حقوق انسان” وليس مجلس “تسويات سياسة”. وهذا ما ينبغي تثبيته وتأكيده لكل الشركاء. وتلك هي الجولة التي تنتظر كل المدافعين عن حقوق الانسان وكرامته في ارتريا.

نقلا عن صفحة  الدبلوماسي الأرتري المعارض أ. فتحي عثمان – باريس   https://web.facebook.com/fathi.osman.771/posts/2282248438719419

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *