تقارير

المتخصص في شؤون القرن الأفريقي د. إدريس جميل لـ»المجتمع» (2 – 2) دور مصر بالقرن الأفريقي يتقلص.. ودور إثيوبيا يتوسع

 

  • «منجستو» قام بفك الارتباط بين الكنيسة القبطية والدولة من ناحية والإقطاع والأسرة المالكة من ناحية أخرى
  • كان لمصر دور فاعل من خلال الأزهر والبعثات الطبية وشركات الاستثمار ولكنه تقلص بشدة
  • الكيان الصهيوني يسعى لإيجاد عمق إستراتيجي بالبحر الأحمر لتأمين ملاحته التجارية والعسكرية عبر باب المندب
  • تطبيق الفيدرالية في إثيوبيا خدم المسلمين وحسَّن وضعهم في الجهاز المدني للدولة
  • “سد النهضة” مشروع اقتصادي قد يُستخدم كسلاح في حالة حدوث نزاعات بالمنطقة

 

تركز حديثنا في العدد الماضي مع د. إدريس جميل، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، على أهمية منطقة القرن الأفريقي الإستراتيجية والدول التي تؤثر فيها وتتأثر بها، وعن ثرواتها الطبيعية غير المستغلة والعوائق التي تمنع دولها من الاستفادة من تلكم المميزات الهائلة التي يمكن أن تحول دولها إلى دول أغنى وأعمق تأثيراً في مجريات الأحداث وفي مصير العالم التي تقع منه في هذا الموقع المتميز وتحتل من ثروته هذا الكم الضخم.

وتطرق الحديث أيضاً إلى إريتريا، هذه الدولة الأفريقية التي تحتل موقعاً إستراتيجياً عالمياً بارزاً، لكنها تعاني من الفقر وعدم الاستقرار.

وأهميتها ودورها، ليس على مستوى القرن الأفريقي وحده لكن على مستوى القارة الأفريقية كلها، بالإضافة إلى بعض القضايا والشؤون الأخرى المؤثرة والمتأثرة بهذه المنطقة.

كم تبلغ نسبة المسلمين في إثيوبيا؟

– النسبة غير متفق عليها، لكن المسلمين الإثيوبيين يعتبرون أنفسهم أنهم الأكثرية، أما النسب المعلنة فهي متضاربة، وهناك من يقول: إنها أقل بكثير مما يعتقد المسلمون، على كلّ أنا أقدر أن نسبة المسلمين ليست بأقل من 50% إن لم تكن أكثر.

نظام الحكم في إثيوبيا، هل هو طائفي أم عرقي؟

– حكمت إثيوبيا تقريباً خلال الـ200 سنة الماضية قوميتان مسيحيتان؛ هما التجراي والأمهرا، أما بقية القوميات بما فيها أورومو الكبيرة فلم يكن لها حظ في الحكم، إلاّ أنها (أورومو) في الوقت الحالي ظهرت كقوة مؤثرة في المعادلة السياسية؛ حيث إنه لأول مرة يأتي رئيس وزراء من قومية أورومو في التاريخ، وذلك لأن نظام الإمبراطور «هيلي سلاسي» كان يحكم إثيوبيا بالتحالف الثلاثي (الكنيسة، الأسرة المالكة، الإقطاعيين)، وعندما سيطر «منجستو هيلي ماريام» على حكم البلاد عزز مركزه بقوة السلاح والقهر والقمع، حيث لم يفرق بين القوميات كأسلافه، كما قام بفك الارتباط بين الكنيسة القبطية والدولة من ناحية، والإقطاعيين والأسرة المالكة من ناحية أخرى.

فبإعلانه تلك الإجراءات أصبحت تلك القوميات لها الحق في الوظائف العامة؛ كالتعليم والجندية والتمثيل في المجالس النيابية وغيرها، وتحقق لها أيضاً مكاسب كبيرة من الإصلاح الزراعي بعد تأميمها من الكنيسة، والأسرة المالكة، والإقطاعيين.

وتدور حركة التاريخ مرة أخرى في عام 1991م، ويؤول الحكم في إثيوبيا للتجراي أصحاب مملكة أكسوم التاريخية وحلفائهم من القوميات الأخرى، ويعلنون ميثاقاً جديداً للحكم في إثيوبيا يؤكد ضمان حقوق القوميات، وحل مشكلاتها عبر إقامة حكم ذاتي (فيدرالية إثنية) يمنح القوميات حق إدارة شؤونهم وحق تقرير المصير حتى الانفصال إذا هضمت حقوقهم أو تم التنكر لها.

هذا الجو من الحريات والانعتاق لا شك قد أفرز وضعاً أفضل للقوميات الإثيوبية مثل أورومو، والصومال، والعفر، وبني شنقول، وجوراقي، والأدرى.. إلخ، لذا فإن قومية أورومو كأكبر مكوّن اجتماعي في البلاد متجهة إلى أخذ حجمها الحقيقي في حكم إثيوبيا.

لكنَّ دور المسلمين ما زال محدوداً، ما سبب ذلك؟

– رغم كثرة الضربات ضدهم، بسبب الظروف التاريخية والحضارية والدينية، فإن المسلمين قد يصلون إلى مقاليد الحكم عبر مركب القوميات، باعتبارهم الأكثرية، ومن إيجابيات الفيدراليات الإثنية استطاع المسلمون أن يعبّروا بوضوح عن هويتهم الدينية، وثقافاتهم المكبوتة في دواخلهم لقرون مضت، فأصبحت المظاهر الإسلامية في إثيوبيا مألوفة؛ من بناء المساجد، ودور العلم، ومظاهر الأعياد الإسلامية، ونشطت حركة الدعاة، وانتشرت الكتب الإسلامية وتعددت وسائل نشرها، كما ازدادت حركة المسلمين في سوق المال والأعمال.

أما من الناحية السياسية، فهم ينشطون ضمن نظام الفيدرالية الإثنية، ورغم أن المسلمين قد شهدوا تطوراً معقولاً -إلى حد ما- سياسياً واقتصادياً وتعليمياً منذ عام 1991م إلى يومنا هذا، فإنهم لم يأخذوا حجمهم الحقيقي في تاريخ وحضارة إثيوبيا العريقة كأكبر مكوّن اجتماعي في البلاد.

لماذا الجهاز الإداري للدولة به القليل من المسلمين؟

– وضع المسلمين في إدارة الدولة الإثيوبية كان في السابق يندر وجودهم في المناصب الحساسة، لكن في الوقت الحالي يعتقد أن هناك تحسناً في هذا الأمر، وخاصة في الجهاز المدني بعد تطبيق النظام الفيدرالي، حيث إن عددهم ليس بقليل.

إذاً، تغيير نظم إدارة الحكم خدم المسلمين، أليس كذلك؟

– نعم، ساعد المسلمين وكذلك المجموعات الأخرى المهمشة، على سبيل المثال؛ حين قام «منجستو» بإنهاء حكم الأسرة المالكة وإبعاد الكنيسة والإقطاعيين من مؤسسة الحكم، وقام بالإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على من يصلحها، بهذا يكون قد ساوى بين جميع القوميات غرماً وغنماً، وعندما طُبقت الفيدرالية الإثنية أفادت المسلمين كغيرهم، وعلى الرغم من التحسن الكبير في أوضاعهم، فإن تمثيلهم الحقيقي في أجهزة الدولة العليا لم يصل بعد.

هل أبناء قومية أورومو كلهم مسلمون؟

– الأغلبية منهم مسلمون، لكنهم الآن يتحركون كقومية، ومؤخراً قاموا بحركات احتجاجية أجبرت الحكومة على التراجع عن بعض قراراتها التي تمس حقوقهم في الأراضي وغيرها.

هل هناك محاولات لتوحيد دول القرن الأفريقي؟

– منظمة «إيجاد» تعمل على تكامل دول القرن الأفريقي، لكن نشاطها تقلص بعد الحرب الإريترية الإثيوبية، وكذلك بسبب مشكلات الصومال والسودان الداخلية، وتعتبر إثيوبيا دولة محورية في هذه المنظمة.

وأين الدور المصري في هذه المنطقة؟

– كان للدولة المصرية نفوذ في منطقة القرن الأفريقي عبر التاريخ، ولكن هذا الدور بدأ ينكمش ويتقلص على الأقل منذ بداية عهد «السادات»، ولم تعد مصر تهتم بالقارة الأفريقية وخصوصاً هذه المنطقة الإستراتيجية، وبدأت تختفي بالتدريج قوتها الناعمة المتمثلة في البعثات الأزهرية والطبية والشركات الاستثمارية والفعاليات المدنية والمجتمعية الأخرى، وبدأ النفوذ المصري ينكمش، وبالمقابل بدأ تنامي نفوذ دول أخرى في المنطقة.

هل تتلقى إثيوبيا دعماً ومساندة من الخارج من أجل ملء هذا الفراغ؟

– إن التطوّرات الإثيوبية الحالية مسنودة بثلاثة عوامل: القوة الذاتية التي تتمثل في الدبلوماسية العريقة المكتسبة من ممارسات الدولة الإثيوبية الطويلة، مع أدائها الاقتصادي المعقول في الوقت الحالي الذي جعلها قوة سياسية واقتصادية صاعدة في المنطقة، وأخرى مكتسبة بحكم عضويتها في المنظمات الإقليمية والدولية وخاصة منظمة الوحدة الأفريقية التي تحتضن مقرها، إضافة إلى القبول المعنوي الذي تجده إثيوبيا في الدول الغربية لعوامل تاريخية وحضارية، وأخرى سياسية، لكل ذلك يتوقع تزايد نفوذها في المنطقة وخاصة إذا نجحت في التنمية والتحول الديمقراطي.

لم تعد إثيوبيا تخشى الدور المصري على نفوذها في القرن الأفريقي بدليل إنشاء سد النهضة، ما رأيك؟

– لم يعد لإثيوبيا ما تخشى منه في المنطقة.

العلاقات الصهيونية مع الحكومتين الإريترية والإثيوبية قوية، ويُعتقد أن الكيان الصهيوني يدعم بناء «سد النهضة» الذي سيضر مصر، كيف تفسر ذلك؟

– إن الموقع الإستراتيجي لدول القرن الأفريقي يكتسب أهمية إستراتيجية بالنسبة للأمن القومي «الإسرائيلي»، وبناء عليه تسعى «إسرائيل» لإيجاد عمق إستراتيجي في البحر الأحمر من أجل  تأمين ملاحتها التجارية والعسكرية العابرة عبر باب المندب، ولفك العزلة المفروضة عليها من الدول الإسلامية والعربية في المنطقة، من خلال الالتفاف الخلفي عليها وتطويقها وخلق علاقة وطيدة مع إثيوبيا منذ عهد الإمبراطور «هيلي سلاسي» الذي كان هو نفسه يرى أن إثيوبيا جزيرة مسيحية تقع وسط بحر إسلامي، وأن كيانها مهدد بالتمدد الإسلامي مثل الكيان «الإسرائيلي»، وهنا تقاطعت مفاهيم الدولتين الجيوسياسية في المنطقة آنذاك؛ وهي مواجهة السياسات الإستراتيجية العربية للبحر الأحمر وذلك للحيلولة دون أن يكون بحيرة إسلامية.

وبناء على ذلك، وقعت الدولتان على اتفاقيات تجارية وعسكرية وأمنية، وافتتحت أول قنصلية “إسرائيلية” في أديس أبابا عام 1956م، ومنذ البداية أظهرت “إسرائيل” عداء للثورة الإريترية، إلا أن خطابها في النهاية تحول بسرعة عندما تأكد لها أن الثورة الإريترية تقترب من الانتصار، فلا بد من التواصل معها حتى لا تخسر المزايا الإستراتيجية التي تتمتع بها إريتريا، وبالفعل بعد استقلالها تبادلت الدولتان العلاقات الدبلوماسية، وقام الرئيس الإريتري بزيارة علاجية لـ”إسرائيل”، على العموم، فإن محددات  الإستراتيجية “الإسرائيلية” في المنطقة تقوم على الآتي:

1- وجودها في تلك المنطقة الحساسة جزء من أمنها القومي.

2- خلق حزام خلفي لتطويق نفوذ الدول المعادية لـ”إسرائيل” في المنطقة.

3- تأمين طرق ملاحتها التجارية والعسكرية العابرة عبر باب المندب.

4- إيجاد عمق إستراتيجي في البحر الأحمر يمكنها من تسديد ضربة سريعة في باب المندب في حالة تعرضها لأي هجوم.

5- السعي لإضعاف التوجهات السياسية ذات التوجه الإسلامي والعربي في المنطقة.

ماذا عن تواجد الدول الكبرى وقوى إقليمية أخرى في تلك المنطقة؟

– بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فإن وجودها في منطقة القرن الأفريقي قديم، ولم يحصل تغيير يُذكر في إستراتيجيتها، ماعدا ربط هذه المنطقة بمنطقة البحيرات العظمى بإستراتيجية موحدة؛ وذلك للاستفادة من الثروات الطبيعية، ومحاربة الأصولية والدول المتمردة على إستراتيجيتها في المنطقة، وتزايد اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة خاصة بعد استهداف سفارتيها في تنزانيا وكينيا عام 1998م، وأحداث 11 سبتمبر2001م، حيث تبنت إستراتيجية التدخل المباشر من قاعدتها في جيبوتي أو عبر حلفائها في المنطقة.

كما فعلت الولايات المتحدة، فإن لفرنسا دوراً وامتداداً في هذه المنطقة، وكذلك الدور الصيني الذي يتمثل في الاستثمارات الضخمة والمشاريع الإستراتيجية، أما عن وجود قوى إقليمية أخرى فإنه يلاحظ اهتمام متنامٍ من قبل تركيا وإيران.

كيف تفسر لنا الدور الإيراني في منطقة القرن الأفريقي؟

– يلاحظ في الآونة الأخيرة المحاولات الحثيثة لإيران للتواجد في تلك المنطقة الحسّاسة؛ بهدف الضغط على القوى العربية ذات النفوذ التقليدي فيها، مثل مصر والمملكة العربية السعودية، وكذلك تحجيم الدور التركي المتصاعد حالياً، إضافة إلى إرسال رسائل واضحة بأن تواجد قطع أسطولها البحري في بحر العرب وخليج عدن وجنوب البحر الأحمر (باب المندب)؛ بإمكانه تعطيل حركة الملاحة في هذه المنطقة في حالة تعرضها لأي هجوم.

كما أن هذا التمدد سيسهل لإيران دعم الأقليات الطائفية الموجودة في اليمن ودول شرق أفريقيا الأخرى، ومحاولة خلق بؤر طائفية أخرى وسط الكتلة السُّنية كجماعة الأحباش في إثيوبيا وغيرها، وكل هذا يحدث في ظل غياب الدور العربي بالمنطقة.

مؤخراً، لاحظنا تنامي الوجود التركي في الصومال والسودان، ماذا يهدف الأتراك من ذلك؟

– إن معرفة الأتراك لأهمية منطقة القرن الأفريقي قديم منذ عهد الدولة العثمانية التي اهتمت بالتحكم في المداخل والمخارج للبحر الأحمر والخليج العربي، ويأتي على رأسها السيطرة على الضفتين الشرقية والغربية للمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وبعد تراجع دور الدولة العثمانية في العالم وانسحابها من هذه المناطق لم يكن للأتراك دور يُذكر فيها، إلى أنْ شهدت العلاقات التركية مع دول القرن الأفريقي في السنوات القليلة الماضية تطوّراً ملحوظاً، وذلك باهتمامها بحل المشكلة الصومالية لإخراجها من الفوضى الغارقة فيها منذ 25 عاماً، والمساهمة في إعمارها، كما قامت –بالتوازي- بعلاقات دبلوماسية واستثمارات كبيرة في مشاريع إستراتيجية في إثيوبيا وجيبوتي والسودان، إضافة إلى ذلك فإنها تسعى للتمركز في مناطق إستراتيجية وحساسة في المنطقة مثل سواكن وغيرها. 

«سد النهضة» في إثيوبيا قضية تهم القارئ العربي، فما رؤيتك لهذه القضية؟

– «سد النهضة» أصبح أمراً واقعاً، ولا بد من دخول دول المنبع والمصب في مفاوضات تؤدي إلى اتفاق يضمن لدول المنبع تنمية مواردها المائية، مع الحفاظ على حصة دول المصب، وهذا ممكن إذا اتُّفق على ملء السد في البداية بطريقة تدريجية، وبعد ملء السد ستعود الأمور إلى طبيعتها إذا أبعد هذا الملف من المؤثرات الأخرى.

ما الأبعاد المختلفة التي ترتبط ببناء «سد النهضة»؟

– البعد الاقتصادي بالطبع، وكذلك البعدان السياسي والأمني حاضران بقوة، وقد يُستخدم كسلاح في حالة حدوث نزاعات بين هذه الدول.

مجلة المجتمع الكويتية ، مايو 2018م أجرى  الحوار جمال خطاب

http://www.mugtama.com/reports/item

 

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى