الهجرة الأرترية الحديثة .. معاناة وعوامل طاردة

بقلم : د. حامد محمد إدريس

لأنه هارب ؛ فلا غرابة أن تبدأ هجرته سراً ، وتنتهي في معظم حالاتها  سراً، وإذا كان مفهوما للجميعً ذئب وطنه الذي يفر منه، فما تعرفه رويات المهاجرين، ليس بالقليل من ذئب الحدود الذي يتعقب الفارين،- قبل وصولهم الملاذ الآمن المحمي بالقانون والسلطان –  ويعاقبهم  بالحلاقة، والغرامة، والحبس الجائر؛ الذي ينتهي بصفقة بين ذئب الهجرة، وذئب الوطن. يضاف إلى ذلك دورعصابات التجارة بالبشر؛ التي  توجب الهجرة السرية والتحوط اللازم، ومع كل هذه المهددات تستمر الهجرة الأرترية دون انقطاع حتى ذكر انها تعاظمت إلى هجرة أسر بعد أن كانت هجرة أفراد

عرفت أرتريا الهجرة إلى الخارج منذ فجر تاريخها الحديث؛ فأتى سوادهم الأعظم إلى السودان – وبعضهم  لاذ بالجوار الآخر وبعضهم إلى البلاد القصية – يبحث عن الأمن،  في عقيدتهم، وأعراضهم ، وارواحهم، ومعيشتهم.

والسودان المضيف الكريم كان يستقبل الضيف ، ويكرم ، ويؤوي ، ويتحمل تبعات الإضافة السكانية الجديدة بما تضيفه من تقاسم في معيشة وصحة وتعليم وخدمات…

ويعرف الأرتريون يد المحسن إليهم ، ويشكرون،  ويقدرون ،ويحفظون الود ولهذا يتحملون ما يلاقون في دار الهجرة على يد بعض محسنيهم من أذى ، ويصبرون على  أشواك بعض داعميهم ، ويقارنون ما بين مبررات تطردهم عن دار الوطن، وبين مصاعب توجعهم في دار الهجرة  .

معالجات :       

يواجه ا لمهاجرون متاعب الهجرة بطرائق عديدة أهمها الصبر الجميل على  أمل أن يسطع فجر العودة من جديد ، ولهذا يُوجِدون لأنفسهم حلولاً لمشكلاتهم؛ فإذا َقلتْ الإغاثة الدولية- وهذا غالب شأنها – أضافوا إليها من عرق جبينهم عملاً مشروعاً ، وإذا حاصرتْهم تصاريح العبور بين مدينة ومدينة، عرفوا كيف يتجاوزون مشقات العبور إلى حيث يوجد العمل ، وإن كانت جنسية اللاجئ تحرمهم من مواصلة دراسة أبنائهم في مستويات عليا، كانت لهم وسيلة يهزمون بها العقبة ، يبتكرون حيلاً ناجعة  للتخلص من محن  الهجرة القاسية، ويحدوهم الأمل على العودة لوطنهم ، يمنون أنفسهم في الحياة السعيدة فيه ، وطن لا يطالبهم بتصريح مرور، ولا بقيود عمل ، ولا يوجب عليهم الاستعباد ا لدائم باسم خدمة الوطن، يحلمون بوطن يعزهم ويعزونه ، ويحميهم ويحمونه ، ويغنيهم وينمونه، ونظام يحبهم ويحبونه ، يختارن سلطته على أسس ، ويعزلونها باسس ، ويخضع الرعية والسلطان معًا للقانون لا للهوى ، و للعقل لا للقوة، وللامة لا  لطائفة دون طائفة ، هذه أمانيهم وتطلعاتهم كما يروونها.

مضاعفات المحن:

طال الأمد بهم ولم تتحقق تلك الأماني في العودة ، يقولون : رحل الاستعمار ولم تات الحرية بل تنامت العبودية وتنوعت ،ولم يرفع سوط العذاب بل تضاعفت أسبابه وتشعبت ، غرس نظام الاستقلال أظافره بحقد  على المواطنين ،وسلط بعضهم على بعض، ففي عهد الاستقلال خاف الوالد من ولده ، وتجسست الزوجة على زوجها ، والبنت على أمها، وطلب من  المضيف أن يرفع تقرير الوشاية بضيفه، والراعي موظف في الاستخبارات بلا مقابل يجب عليه أن يروى في نهاية كل يوم ما راى وما سمع ، وأسباب الرزق ربطت بالمهن الخبيثة ، فلا رخصة لأحد بالعمل دون الانخراط في خدمة النظام ضد  الفطرة، وضد الدين، وضد المصلحة ، ولا يمنح المواطن قطعة ارض للزراعة في الحقل ، ولا رخصة لصيد السمك في البحر،ولا لدكان يفتح في الحي ، ولا لسيارة تتحرك في الخط إلا بشرط مزاولة المهنة؛ ضد النفس، والخير، والدين، والخلق القويم . والسفر للخارج ممنوع إلا للخاصة ، والعلاج في الخارج ممنوع إلا للخاصة ، اسجن هذا أم وطن ؟ خبروني! أعذاب هذا أم حرية ؟ أفيدوني !

هذه صفحة سوداء من  كتاب الوطن السليب ، وفي دار الهجرة تعددت أسباب المحن ، فمقر الإقامة – حسب تقييمهم – كان غابة موحشة كرهت جيرتهم فرفضت أن تنبت غصناً اخضر مكان الغصن المقطوع لمنفعة، فكشفت الغابة الغضراء عن وجه كئيب لا خضرة فيه تسر ، ولا ماء يجري، بخلاف أشجار بلادهم التي تقطع بإحسان، وتنمو بسخاء ،وبخلاف ماء بلادهم الذي يشرب وهو جارٍ وصافٍ، وممتع طعماً ومنظراً، وهذه هوام الأرض  تخرج من بين شقوق التربة بينها عقارب تميت لدغتها؛ تختلف عن عقارب بلادهم التي  كانت تشفى بحكة، ورقية، ومسحة بعصارة من شجرة، و يتنامى البلاء حتى بلغت شدته أن تكررت حالات اختطاف لعدد من ابناء المهاجرين لأغراض الاتجار بالبشر؛ ألا تدعو هذه الحالات إلى القلق؟ ، أتأتي إليهم الذئاب في دار أتوها يلتمسون الأمان ؟ ومما زاد الضيق أن رفعت يد معظم منظمات الإغاثة  الدولية ، فاصبح المهاجر بين وطن يطرده وبين منظمات ترفع يد العون عنه فتعمقت ماساته وتشعبت ، تردٍ في الصحة فظيع ، فاقد تربوي للأبناء أليم ، وفقر مدقع ، وبؤس يكسو الحياة ، وهوية ضائعة ،وشخصية لبعضهم تقترب من الذوبان ، تنكفئ على نفسها ، وأمة تلد جيلاً معطلاً يتنازعه ضياعان : دار الهجرة التي تسميه لاجئاً ولا تلبي له أشواقه ، والوطن الذي لا يفتح له باب الأمل في  العودة الكريمة.ولهذا كان مبرراً أن يلقى بنفسه – بما يشبه الانتحار- إلى غول الهجرة البعيدة عبر هلاك الصحاري، أو غرق البحار، أو التسليم  الاختياري إلى  عصابات تجارة البشر لعلها تعينه بثمن إلى المرور المخاطر حتى يصل محطة الحلم القصية  .

أرقام مهاجرة

تلك مشاهد من محنة الأرتريين في دار وطنهم ، ودار هجرتهم ، ومع ذلك يظل الامل يسوقهم للبقاء على  وضع أليم يرجون أن تكون فترة تيه تعبر ، وألم جرح يبرأ ، وظرف بلاء  يزول ، حتى  يتحول   الحلم الأمل إلى واقع سعيد.

 يتوزع المهارجون الأرتريون في مواقع قصدوها بالهجرة ففي السودان يوجد منهم ما يزيد عن مليون مهاجر سوادهم متواري  عن الواجهة – حسب تقديرات الكثيرين – ومنهم من هو مثبت في سجل إدارة اللاجئين والفترة ما بين عام 2004م – حتى عام 2013م استلمت يداها 162.540  مهاجراً جديداً معظمهم شباب من ذكور وإناث وافتتح عام 2014م باستقبال 70 أسرة مهاجرة من الهضبة الأرترية الأمر الذي ينذر بتدفق مزيد من الهجرة وهو عدد يضاف إلى عدد آخر يزيد عن 600 ألف مهاجر ارتري يضمهم عدد 12 مخيماً بشرق السودان ومن توارى عن هذه المخيمات فهو يتحرك في السودان الواسع يتزيى بزيه ، ويتحدث بلسانه، وينتسب إلى بعض قبائله؛ وهو في كل ذلك صادق؛ لكونه يمتلك الوثيقة  المطلوبة بشروطها فهو ليس غريبًاهنا كما أنه ليس غريباً هناك، لكنه غير ناس وطناً أتى منه ، وخصماً طرده، وجائراً حرمه من خيرات بلده فاستوطن الهجرة حتى  كون لنفسه عموديات اجتماعية جديدة لتذوب ولتصبح ضمن مكونات دارا لهجرة.

ونصيب آخر غير قليل رحبت به في  إثيوبيا مخيمات متهالكة ، ليعيش حياة أشد بؤسًا، وثقت سنة 2013م بان عددهم بلغ 86010 نسمة وفي دولة  جيبوتي ما يقدر بالمئات ، وفي دولة اليمن ما يقدر  بالآلاف ،  وفي دول الخليج بعشرات الآلاف، وفي الدول الغربية مثلها وفي إسرائيل ما يصل إلى 40 ألف مهاجر أرتري . وكل هؤلاء المهاجرين يشكون ألم الغربة ، ويراودهم أمل العودة فمتى تختفى العوامل الطاردة من طريقك يا شعب أرتريا .؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *