باسم القروي يكتب :تغييب المثقف قتل أمة ……….الفنان إدريس محمد علي مثالًا

من أراد قتل أمة غيب مثقفيها وكبارَها:

 من أهل الحكمة ، والمعرفة،  والسابقة ، والعلم،  والأدب والفن .

وهكذا فعل نظام أفورقي بإتقان

وحديثنا اليوم عن واحد من هؤلاء الأعلام المغيبة ظلماً ،

 إنه الفنان العملاق إدريس محمد علي

فك الله  أسرك يا بلبلَ الوطن الأصيل

وبارك الله على  قرية ” قامجيوا  –  gamcheewa” بالساحل الشمالي

التي شهدت ميلادك الميمون في آخر خمسينات القرن الماضي.

وموهبتك الشعرية ممتعة وكانت رسالية ولهذا عوديتَ يا إدريس

وتفتخر بك البلاد لأنك طورت نفسك ثقافة حتى صرت تكتب قصصا فنية تناصر القضية- لقد وجدت ذلك في مقالات كتبت عن سيرتك-  ، وتعلمت الفن وتطورت الموهبة في مدينة الابداع السودانية عطبرى. وبيد روادها الكبار وكنت عضوًا في أكثر من نقابة ابداعية وأنت حبيب الشعب قريب من قلوبهم .فأراد العدو انتزاعك من المكان العالي والمكانة السامية وأنى له ذلك لأن ا لإخفاء من المكان سهل والانتزاع من القلوب مستحيل لا يقوى فيه غير الله . الله معك.

لو كانت يا إدريس مثل غيرك أميا ، عن العلم والأدب والفن والقيم خدوما لسلطان الوقت الجائر لما امتدت إليك يد السوء ،

 فكم من فنان طليق الجسد حبيس الروح ،  لا زال يأكل من موائد السلطان ، يرقص هنا، ويغني هنا ، ويرتع ويضحك مع الصبايا ، ويتعاطى ما يَذْهَبُ بعقله وبخلقه ، وأنت حبيس الجسد طليق الروح تحلق في الفضاء .

اعتقلت إلى ظلام  السجن عام 2006م

وحتى الآن مغيب ،لا يعلم له أثر، ولا  يوجد له خبر،  ولا  يسمع له صوت ، ولا ترى له صورة .

يعيشُ اهلوه وأحباؤه على آلام الاختفاء القسري

ويتوقعون كل يوم إطلالتَه المبشرة دون جدوى

والوطن السليب مرتع لكل رائح وغادي

وسكانه ومبدعوه مغيبون عن الضوء فيه والنسيم:

أحرامٌ على بلابـله الدوح حلالٌ للطير من كل جنس؟

كُلُّ دارٍ أحق بالأهل،  إلا في خبيثٍ من المذاهب رجس

وهذا بالضبط الحاصل في أرتريا يا أمير الشعراء أحمد شوقي.

كل الناس وكل الدنيا تحتفي بمبدعيها ، وشعرائها وأرتريا استثناء عليل

كم تغنى  إدريس محمد علي بأمجاد النضال والثورة

كان يرى أن الانتصارات الميدانية على يدهم من صنع:

 يده، ولسانه ، وقلمه ،  وفكره ، وجهده،  مساهما مع الآخرين فجاز له أن يتغنى ويحتفي ويبدع.

لكن نظام الجبهة  الشعبية لا يعطي على  الابداع حللا ولا دراهم مجزية احتفاءً

 وإنما كانت نهاية كثير منهم مأساوية

وهم  كانوا من أشد الناس خدمة للنظام والنضال والثورة

هم الذين قادوا الشعب إلى  خوض المعارك . واقتحام المنايا

سمع الناس الشعر فأتوا إلى النضال

  ،  وضحوا بأنفسهم طاعة لشاعر يملأهم حماسة وأملا

لأن الناس منقا دون عادةً لكلمة او كرم أو قوة باطشة

وعبر الناس يصعد نجم القائل ، أو الكريم، أو القوي ، إلى صفوف القيادة والريادة والسيادة  كما قال أحمد شوقي:

سُخٍّر الناس وإن لم يشعروا لقوي أو غني أو مبين

والجماعات ثنايا المرتقى للمعالي وجسور العابرين

وأفورقي غير موهوب خطابةً ولا شعرًا لا عطاءً ولا عفوًا ولا عدلاً ولا رخاء للبلاد

 فهو لا يحمل بشريات إلى قومه، في كل خطاباته السفيهة،

 لا لحزبه ولا للمواطنين ؛

  ولهذا لا شيء له من الصفات  غير ” القوي “

 وهي صفة دعمها المكر والتخطيط والغدر وسوء الطوية  واغتنام الفرص والتعزيز الخارجي والعمل المتواصل.

الأمر الذي يؤكد أن القوة الناتجة عن البطش مهما كانت قاسية وطويلة وثقيلة

  لا تدوم لأنها تتآكل بفعل اتساع الفجوة بين  الحاكم والمحكوم  حتى تنهار شجرتها ولو بعد حين.

والشعب تربطه مع سلطانه مصالح عقدية وأخلاقية واقتصادية معيشية

فإن عبث بها السلطان وعاداها فقد انفرط العقد ،

 وتبعثر الكيان ، وتهدم البنيان.

 وأفورقي يشعر بهذه الخسارة الفادحة

 فكان مفهوما أن يحتمي بالخارج الدولي والإقليمي ليبقى

وأنى  له ذلك فشجرة الدول لا تبقى على قيد الحياة بماء يهبط عليها من سموات الأعداء دون أن يكون لها جزور في التربة العميقة وهي المواطنون.

كلما أستمع إلى قصائد وأغاني الفنان المغيب إدريس محمد علي

 يكسوني الأسى لأني أقارن بين أهداف القصائد الثورية العظيمة و بين النتائج المأساوية التي يعيشها الوطن

 إذ لم يخطر ببال الفنان أن خسارة الشعب الأرتري ماديا ومعنويا وبشريا خلال سنوات الحرب مع إثيوبيا

سوف تختم بمصالحة عاجلة يعقدها أفورقي دون أن يخوله الشعب

 ودون أن يحقق هدفا واحدا من  أهداف النضال  المر الشجاع .

ولهذا حق لي أن أتذكرك بحرقة ، ( إني ذكرتك والذكرى مؤرقة)

قاتل الله من غيبك ، يا بلبلَ الثورة والنضال

كل الأمم العاقلة تحتفي بمبدعيها  إلا نحن في ظل نظام أفورقي

فهو يعادي النور، ويطفئ الضياء، ويحبس عن  الوطن النسيم ، ويقف في مواجهة معاهد الخير، والفئة المستنيرة ؛ إنه عادي  العلم و المعرفة، ويعيق التقدم والنماء والانفتاح

إنه نظام خبيث الطوية والظاهر، وكريه السيرة والمسيرة.

صحيح كنت شاعر أمة القيم ، ووطن العز، و لم تكن شاعر بلاط السلطان  إنما كنت  للوطن:  المكان، والزمان، والإنسان ، والجغرافية ؛ ولهذا عليك غضب السلطان

كنت شاعرًا للتاريخ والقيم والخلق النبيل

فضاقت صدورهم بوجودك الزاخر

 في الوطن – عزيزي إدريس – فئة لا تطيق أن يعيش معها غيُر نفسِها

   تسعى أن تسخر كل شيء لخدمتها ،  وهذه سيرة  فرعون تتكررـ  مع كل جبار يستعبد المواطنين

وفرعون أرتريا وفئته الحاكمة أطاعها كثيرون

وأنت كنت ممن رفض الانصياع الأعمى لأنك ،

مثقف تعرف من  الأشياء وتنكر

وتدرك الكيد وتتصدى له

وتحب الشعب وتعمل له

وتلك فئة تكره الحب الناعم ، وتعشق القتل الظلوم والسجن  الأليم 

فتركوا ما عشقت  أنت من حب وسلام وتنمية

، وفعلوا بك  وبأمثالك ما يعشقون هم من بيع الوطن ،  وإيذاء المواطنين . قاتلهم الله انى يؤفكون

طب نفسا يا ملهمَ الشعبِ الأصيل فإنك تسكن في قلوب الملايين

فهي أوسع لك من دنيا الاستعمار الجديد،

 وإن غيبوك جسدا فتبقى قصائدك وأغانيك تملأ الآفاق،

 ولن تجد لحابسيك من إقبال وإعجاب ورضى ما نال ابداعك

ولا تزال تشعل في الناس الحمية والثورة

 فأنت أنت انت يا أمير الكلمة الموحية تؤدي دورك في الصدارة وإن كنت حبيساً خلق القضبان

فهنيئا لك بالقلوب التي تسكنها ، ولا نامت عين تعيش على ظلم المواطنين ، وعلى قتل المواهب والإبداع النقي .

شكرا لك يا إدريس محمد علي ، الاسم الذي نتذوق طعمه من بعيد، وهو في ظلمة السجن الجائر

كتبه :

باسم القروي -إبريل عام 2019م

ملاحظة مهمة للقراء الكرام :

( سجل المقال لصالح  راديو الوفاق بصوت الشيخ الكريم أبي الرشيد محمد جمعة ) حفظه الله- ونعتذر عن خلط حدث في هذا المقال بداية بين سيرة الاستاذ المعلم إدريس محمد علي الملقب بأبي قرون .

وبين الفنان الملهم المبدع إدريس محمد علي فهما شخصان وليسا شخصًا واحداً وإن تشابها في المحنة وفي الاسم .نعتذر للقراء. وتم التعديل.يظل المقال مناصرا لجميع المعتقلين ومن باب أولى يدخل فيه الإدريسان: المعلم والفنان .فالمحنة واحدة والألم واحد وإن لم يضم المقال أسماء المعتقلين الآخرين.. فك الله أسر جميع معتقلي الرأي والضمير في أرتريا .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *