برج إيفل سابع عجائب الدنيا السبع ..هنا يوجد أرتريون عاطلون عن العمل وعن القضية

في زيارة لي لباريس استقبلني صديق حميم توجه بي إلى مسجدها العامر الكبير لأداء صلاة الجمعة شاهدنا روعة في هذا المسجد العملاق الذي يعد أحد أهم معالم باريس السياحية.

  والخطيب كان مفوها شد الجمهور لكنا فهمنا بعض الخطبة وأنكرنا البعض الآخر

والحضور كان مهيبا فهي جمعة محضورة من كل الألوان والأشكال يذكر مشهدهم بيوم عرفة من حيث ضخامة العدد  وتنوعه يشعرك كأنه في حديقة زاهية  تتجسد في تنوعهم خلقة وبلدانا وألونا وفي أخلاقهم النبيلة من تواضع وابتسامة لا تفارق شفاههم ، تتنشر حولهم شرطة أليفة مألوفة  من المصلين تحمي ممتلكاتهم وتيسر أمورهم ، وتجيب على استفساراتهم وتقضي حوائجهم

هذا المشهد الحنون تمنيت أن يكون في أرتريا التي تحتفظ ذاكرتنا تجاهها بالسلوك القاسي الذي يتحلى به الشرطي هناك ، يطارد المواطنين ويقسو عليهم تعذيبا وسجنا يتعرض له المستهدف بداية من ساعة الاعتقال ليلا ينتزع من بين أطفاله ثم يختفي إلى الأبد ولهذا يتحاشى المواطنون هذا الشرطي بالهروب منه إلى خارج الوطن أو بالتواري عن حملة الاعتقالات في داخل الوطن حيث يفارق الهاربون بيوتهم وأسرهم ليلاً و يرقدون في الكهوف والغابات والجبال هربًا من شرطتهم

أن تصل باريس هرباً من تلك المعاناة الأليمة أمر معقول مبرر ولهذا لم يكن مستغربًا أن أجد شبابًا هنا من أرتريا ، يستمتعون بحرية جاذبة تجدهم في مقاهي ومطاعم يتناولون المشروبات ويعيشون صخب الأصوات والجدال حول المباريات الرياضية العالمية التي يتابعونها بشغف عبر هواتفهم النقالة  فهي تقرب لهم البعيد وتجمل لهم الأشياء صوتا وصورة وحركة وسكوناً

وجدتهم يتحلقون في نقاش صاخب بين مؤيد لهذا الفريق ومعارض له بين معجب بهذا ومعجب بذلك

والنقاش جاذب في أجواء حرة: فلا شرطة تطارد ، ولا نظام يقمع ، ولا ملامة تخشى  فهم يقضون أوقاتا رائعة في نظرهم في أماكن بهية وأنس حميم بين شركاء اللهو القاتل. نعم قاتل حينما يستغرق كل حاضر الإنسان وقتا ومالا وجسما وروحاً فلم ُيْبقِ شيئًا لمستقبله القادم. وبهذا يخشى على ضياع القضية بضياع شبابها اللاهي .

مؤلم أن يكون الغائب الوحيد هو الوطن والقضية حيث لم نجد هذا الشباب يحتفي باسم أرتريا ولم يكن لذكراها حيز في عقولهم ومشاعرهم إلا من رحم الله

فهم عاطلون عن التفكير في القضية ، لاهون بحاضرهم  الجاذب عن صناعة مستقبلهم الواعد

أما أعمالهم التي تدر لهم رزقا ومعيشة فهي أعمال هامشية مثل العمل في المطاعم يستغرق وقتهم الثمين وربما النظافة العامة في شوارع باريس أو محلاتها التجارية ونحو ذلك من مهن القوت لا مهن الغنى  .

وذلك لأنهم ليسوا أصحاب مهن وحرف في بلادهم ولا هم أصحاب طموح ليكتسبوا المهن المتاحة الآن بعد هجرتهم إلى باريس وحتى الذين تخرجوا في جامعات عربية تحولوا إلى أميين بحكم عجز طموحهم وبوار ما لديهم من معارف ولغة لا يحتفي بها الغرب  . وهذه حالة من المأساة  الحقيقية التي يعيش عليها سواد من الشباب الإرتريين المهاجرين في الدول الغربية عامة وفي باريس خاصة

مشهد سياحي جميل :

وفي صباح يوم مشرق دعاني  أحد أصدقائي الكرام لزيازة  ( برج إيفل)  أحد أهم معالم باريس ذهبنا بصحبة كوكبة من الشباب الإرتري لزيارة سابع عجائب الدنيا السبع ( برج إيفل )الذي تم بناؤه في عام1888وتم الافتتاح الرسمي له 13 مارس عام 1889م وكانت فترة البناء من عام 1887-1889ويبلغ وزنه 10000 طن وترجع ملكيته لمدينة باريس قام ببنائه المهندس غوستاف إيفل بمعاونة كل من المهندسين المعماريين:  ستبفن سوفيستري , وموريس كوتشلن وإيميل نوغيير.

 يعتبر أطول مباني باريس حيث يبلغ ارتفاعه  324 متر وبه ثلاثة أقسام مخصصة للزوار و يمكن الوصول إلى القسم الأول والثاني مشياً على الأقدام عن طريق السلالم أما القسم العلوي فلا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق المصعد المعلق.

المواد المستخدمة في بنائه حديد مطاوع , وصلب, فهو معلم سياحي مقصود على مدار العام يأتي إليه الناس من كل مكان حيث يبلغ عدد زواره  000 000 7  زائراً في السنة

رغم وصولنا له عند الصباح الباكر والشمس ساطعة لا نستطيع الحركة معا من شدة زحام السياح الزائرين  ويزداد  زحمة وجمالاً عند المساء حين تشعل فيه الأنوار ذات الألوان الزاهية… تشدك روعة هذا المشهد العظيم إلى التأمل في نعمة العقل البشرى المستنير بالعلم وفوق كل ذي علم عليم

تذكرت وأنا أتأمل  في هذا المشهد الرائع وطني ارتريا وجبالها الشاهقة المخضرة  وجمالها الساحر وقارنت بينه وبين تلك الجبال الشاهقة من صنع ربي ولا شك أن صنعة الخالق باقية وصنعة المخلوق فانية مهما بلغت من عظمة ( صنع الله الذي اتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) – سورة النمل 88. – وقال تعالى : (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت….)  سورة الغاشية.

 اللافت للنظر حول البرج شباب أفارقة يكاد طولهم يناطح طول البرج ، باعة متجولين  بأشكال هندسية مصممة على شكل البرج والعاب و أطفال يطاردون بها السياح أعمال هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع في بلد يموت من أجل الوصول إليه مئات المهاجرين عطشًا في الصحراء وغرقا في البحار, لكنهم يتحركون ببضاعتهم بحرية وأمان لا شرطة تلاحقكم ولا محلية تصادر مبيعاتهم لأنهم في بلد يحترم قانونه ويكرم إنسانه وينصره ظالمًا أو مظلومًا

جميلة أنت يا باريس لكن الحياة  في الوطن الحبيب أجمل منك فأنت لست الخيار الوحيد الذي يستحق أن يتذوق الشباب ألم الموت  من أجل الوصول إليك – إن كتبت لهم النجاة من مهالك المعابر – ليعيشوا لاهين عاطلين، إنجازهم الاعظم الاستمتاع بالحرية التي تقتل فيهم روح التضحية من أجل الوطن الغالي وروح الطموح الذي يكسبهم المهن الشريفة التي تغنيهم وهي متاحة هنا لمن تبصرها وحمي نفسه من فرص الضياع والهوى التي تحيط به وما أكثرها ! وما ألذها ! إنها سم قاتل في عسل مصفى تسرق العمر والمال والضمير والخلق النبيل .

بقلم الأستاذ محمد إدريس ( قنادلا- من أسرة زينا )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *