تكرمة الرئيس للمعتقلين !! إلى القاضي محمد مرانت والكرام البررة فك الله قيدهم- (بقلم :باسم القروي)

إي إنسان مهما كان سيئاً يحمل مشاعر إيجابية  تجاه الآخر يعبر عنها بصدق منساب أو تكلف شاق . فهل لصاحب القصر نسمة خير تهب ، أو نجمة ليل تضيء.

لا نيأس من روح الله فرب يوسف اللاحق  مثل يوسف   السابق يتم إنقاذه من ظلمة البئر على يد قوم عابرين،  لكننا لا نتوقع أن تمتد يد أفورقي مختارة راضية لكسر الطبلة البغيضة 

أيها القاضي  محمد مرانت ، يا عميد المعتقلين ، كنت الإمام الضحية ، لكنك لست وحدك

من استقبلته البوابة العبوس غير الراحمة

ولست وحدك من يعيش خلف القضبان فوق العشرين عاماً

فربما مات كثيرون من العذاب الأليم، وترد أخبارهم الموجعة خلسة إلى أهليهم ،

وما أكثر من اختفت أخبارهم منذ يوم اعتقالهم

في جنح  ليل بهيم ، تم اعتقالهم من بيوتهم الآمنة

وامتد ليلهم البغيض ..بلا أمل يلوح

يحتمي الناس عادة من جائر إلى حاكمهم والقانون فمن يحمي المواطنين من جور حاكمهم ، وجور قانونهم ؟ تهم تلقى جزافاً على متهمين أبرياء ، ثم أذى ممتد و اختفاء للضحية بلا حد ، ويلوذ الفاعل بالصمت الجائر . ويهدد لمن طرق بابه يسأل عن سجين ، فنشأت عن الوضع الغريب، أجيال تلوذ بالهروب عن البلاد؛  تبحث عن النجاة في الهلاك ،وترتجي أن تقذف بها الأمواج القاسية  بعيدًا عن الوطن الطارد

ما هذا الوضع القاسي ! كيف يتحمل قلب الأم – والوطن أم –  أن ترمي بفلذات أكبادها إلى الهلاك حتى لو كانوا عاقين لها أو كانوا معها على غير وفاق  .أما كان الأجدر بها العفو الرحيم ، بدل التجاهل الأليم  إن العاقل حري به أن يغرس بيده الذكرى الحسنة لا الذكرى السيئة فقابيل آدم لو كان يعرف أن اعتداءه يخلد إلى الأبد لما سن للمجرمين القتل المعتدي الحاقد وربما لكان في موقف أخيه هابيل الغافر المسالم

تعودنا أن نسمع تكرمة رؤساء في مناسبة خاصة أو عامة

فيخرج  سجين، أو يعفى عن قاتل ، أو تدعم الدولة المعسرين، أو تفتح أبواب الوطن أمام عودة المعارضين ، أو اللاجئين  ،  إلا في أرتريا فلا يحلم  أحد بتكرمة الرئيس

أفعال مثل هذه والإحسانات  والتكرمات المتكررة تجعل الشعب يحب السلطان ، ويثني عليه ، ويشيد به، ويواليه . ولأن سلطان أرتريا لا يرغب في حب الشعب له ، و لا في رواية محاسن خلقه، وجميل خصاله ، فهو غنى  حسن الظن بنفسه ،عصى واحدة بيده كافية في سوق الجمهور الراقص إلى حيث يريد السلطان، والأغاني  وحدها كافية لاقتحام المواطن الأهوال باسم حماية الوطن ، وحتى الذين تيسر لهم الهروب من كرباج السلطان ظلت أقناقهم له خاضعة، وهم أحرار في بلاد الغربة ، يدفعون الجزية ، ويوقعون على استمارة الندم ، ويرقصون على نغمات اللهو الظالم .

ولا تكريم يتوقعه الشعب في أرتريا غير مزيد من الضغط في ظل حكومة أفورقي

شخص لا يعرف أن يدخل الفرحة في قلوب المواطنين وكيف يرتجى النسيم العليل من صحراء لاهبة تهب مجتازيها  السموم .

 لم يره المواطنون ضاحكًا مسرورًا  إلا عندما ذهبت به طائرة مستعارة إلى إثيوبيا ، هناك انبسطت أسارير وجهه ، وبدت نواجذه ضاحكًا واحَتَضنَ واحُتِضَن ، وألبس لبوس الكنيسة حتى خف سرورًا وأخذ يصفق  للجمهور الإثيوبي ويركع أمام القسيس برضى .

أما عندنا فمنذ فجر الاستقلال بدأ يعتقل هذا ، ويصادر مال هذا و أرض هذا ، وهتك ممنهج للأعراض وباسم تحرير الوطن قبل الاستقلال عذب المواطنين

وباسم حماية الوطن من العدوان الخارجي عذب المواطنين وظل ” ساوى ” الشجرة الملعونة التي ترعب وتنفر من تذوقها   ويسوق إليها سلطان الوقت المواطنين أفواجاً ، ويدفعهم إليها دفعاً فتحمل الناس العذاب إكراما للوطن وتروضوا في أن يفسروا كل بلاء نازل بهم أنه من أجل الوطن:

جاع الناس من أجل الوطن

توقفت التنمية من أجل الوطن

وحروب في كل الاتجاهات من أجل الوطن

وفن وأغاني ومسرحيات كلها تكرر ما بدأت منذ  ميلاد الجبهة الشعبية تردد معاني الكفاح والدفاع والشهادة وتستعذب العذاب من أجل أرتريا

وأرتالا من  الشهداء يدفع بهم المواطن حماية للوطن

وبالغ السلطان من أجل االوطن في تكريم الشهيد حتى دفناه فيما لا يجوز أن يدفن فيه من مقابر تجمع مختلفي العقائد وودعناهُ بدقيقة صمتٍ ، وتنكيس راسٍ . وهو أمر لا تجيزه الأديان ولا الأعراف المتسامحة المتعايشة!

نعم فعل المواطن  ذلك طاعة لولاة الأمر وظلوا يخدرونه عشرات السنين

يغنى حباً لهم وولاء ويقتحم شبابنا المنايا تضحية

وسخاء بالنفوس فدىً للوطن الغالي  وسلطانه الرشيد!!

وليس غريبا أن يتهم السلطان بعض مواطنيه بتهم ربما تصدق أو تكون محبوكة من مغرض تقوي الشبهة بالكذب! لكن الغريب أن تظل التهمة ترفض الإزالة وأن يظل المتهم قيد التغييب دون محاكمة عادلة

وتمضي السنون فلا السلطان رق ، ولا المواطنون لهم القدرة لفك القيد الظالم

ولا الأهل من ذوي الضحايا يصرخون من ألم الفراق

يعيش الجميع السلطان والمواطنون كأنهم على اتفاق في رعاية الصمت الأليم

والأمل يتقاصر كل يوم لأن من تم اعتقاله وعمره فوق أربعين عاما قد بلغ اليوم فوق الثمانين وهو في ظرف يعرضه للموت خلال اليوم الواحد سبعين مرة من ألم الحبس، وقسوة القيد، وسوء التغذية، وأمراض الشيخوخة.

يأتي العيد الإسلامي ولا إفراج لمعتقل

ويأتي العيد المسيحي ولا تكرمة من سلطان بإطلاق المعتقلين

وتأتي الأعياد الوطنية ليس لها ما تقدمه من بشريات سوى الرقصات الشعبية وترداد أغاني البطولة والشجاعة التي فقدت قيمتها عندما أصبحت شركاً للاصطياد

وتاتي المصالحة مع إثيوبيا ولا بشريات في إطلاق المعتقلين

ويستأنف السلطان كل مرة الحض على التجييش الجديد لمواجهة عدو محتمل والذئاب المتوهمة ترقد في :

حنيش وجبال الحدود في جيبوتي والتلال مع السودان وبادمي وأخواتها من جهة الجنوب

ولا تكريم للمواطن ولا سعادة تدخل قلبه إلا أغاني الحرب ، والتجييش إلى ساوى والاستعداد الدائم لمواجهة عدو خارجي  , وتآمر داخلي .شعارات يبتكرها لقمع معارضيه.

إلى متى يستمر هذا الاستنفار القاسي سؤال قلق يردده المواطنون في صمت ذليل لأنهم لا يقوون على الجهر به لكنهم يتمنون أن يروا سلاما وأمنا واستقرارا وتنمية لوطنهم وليست الحروب طريقاً إلى التنمية وسلامة الأنفس ربما قامت لمبرر ثم يجب أن تصمت الرصاصات إلا في أرتريا أفورقي فهي في حالة دائمة  تستمر إلى الأبد ..

وبينما الشعب يتقلب بين آماله في السلام والتنمية وآلامه في الحروب والخدمة الطويلة الأمد إذا بهم يفاجئون بصفقة تبرم بين القاتل والمقتول ، فيضج إعلام أثيوبيا بنشرها  ويمر الخبر الخافت المحير على استحياء يعرض  عبر الشاشة على الشعب الأرتري يفيدهم أن وفدًا أرتريا رفيعاً مشى إلى إثيوبيا ووفدًا  رفيعاً  من أثيوبيا وطئت قدمه مطار أسمرا ، ورئيس أتى ورئيس مشى ويظهر التواصل بين الطرفين الود الأصيل ، والمشاعر الجياشة والتعابير عن ذلك تتدفق؛ شعًرا ونثراً، وتقبيلات  حارة ،وتعانق حميم ، واحتضان دافئ ! ماذا جرى للخصمين اللدودين ، وأين دماء الشهداء ؟،  وحقوق المعاقين؟ وأسرى الحرب والمفقودين، و” بادمي ” وأخواتها في الشريط الحدودي بين البلدين . ولماذا لا يتم في أرتريا ما تم في إثيوبيا من بسط الحريات  وإطلاق سراح المعتقلين ، وعودة المعارضين وطي ملف الهجرة القاسية للعودة المسرورة ؟

انقلبت الأولويات ،وتم تأجيل حسم الملفات العالقة؛ التي تهم الشعب الأرتري ، فالمهم الآن الاستمتاع بالسكرة والنشوة والرومانسية الذيذة بين الحبيبين نظامي أرتريا وإثيوبيا

مضى سبعة وعشرون عاماً على الاستقلال وهاهو الفارس البطل يعود إلى حضنه الدافئ إثيوبيا يسلمها :

البحر والجو والأرض اليابسة وانطلق الاستثمار الإثيوبي مستبشراً مدعومة بتأييد دولي وإقليمي

ولا بشريات في أرتريا         

ولهذا تمضي  مسيرة النضال والمقاومة وفية صابرة صامدة على  عقبات الطريق ، وضخامة التحديات لكنها متفائلة لان الليل يعقبه النهار ، والبلاء تخلفه العافية.

وقديماً كان كيد التآمر الكبير يعجز عن هزيمة الحق المنصور من الله .وما يرى من حصار الأحزاب بشارة بالفتح المبين إن شاء الله  .

هذه كانت من أخبارنا يا عميد المعتقلين القاضي محمد مرانت فهل من قصة ترويها لنا تحتضنها  خلف الأسوار الظالمة، قصة عشتها منذ أن وطئت قدماك المعتقل القاسي بتاريخ 17 يوليو 1991م  . لم نيأس ، مازلنا ننتظر طرقك الباب لتحكي.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *