ثورة الكلمة المكبوتة في أرتريا…. الفنان ود قورت نموذجاً

رب كلمة أحيت أمة ، وحمت الحرمات ، واستردت الحقوق ، وهزمت السلطان الجائر والأنبياء بعثوا بكلمة غيرت وجه التاريخ . وهكذا كانت كلمة الفنانين الأرتريين بكل لغاتهم بينهم الفنان ود قورت.

أتت بعض أغانيه الرائعة التي عارضت سياسة القهر والتسلط ، دون أن تسميه باسمه -وإننا لا نخوض في مسألة هل كان قاصداً معارضة النظام أو لا وإنما نقرأ نصه ونتأمل في مفرداته وسياقه وخاتمة مبدعه ومكر السلطان به – لكنها أكملت أوصافه في أغنية فريدة عنوانها   (هلينا .. يئمبرك أبينا) وحيث ذكر الوصف كان الموصوف حاضرا وإن من ا لبلاغة أن يكون الإيحاء بالإشارة أبلغ من التصريح بالعبارة ، و قد جهرت (هلينا) من داخل الوطن بما صمت عنه الآخرون وقد وصلت رسالة الشاعر عبر الفن إلى رأس النظام المستبد وسدنته

 وهو يرقص معهم، وهم يرقصون معه !! دون انتباه لمرامي النص ودلالته البعيدة حتى فات أوان خنقها إذ عبرت بسلام إلى ( اليوتوب) فشاهدها وسمعها أكثر من 34 ألف شخص حتى الآن وقد تلقفتها الهواتف الجوالة كما غناها فنانون آخرون بينهم الفنان المهاجر عبد العزيز مرانت وظل يتجدد الإعجاب بها كلما اشتدت وطأة النظام وقسوته على الشعب فطارت على الألسن معبرة عن مشاعر الأمة وآمالها وآلامها .

و لعل النظام الجائر تنبه لأغاني ود قورت ذات الرمزية السياسية فأعاد قراءة أولها مع آخرها وفك ألغازها فأدرك – أخيرا ً بعد الرقص لها طويلاً – مغازيها فضاق بها ذرعاً ، فلم يكن – حينئذ – مستغرباً أن يعتقله ضمن أعضاء الحركة التصحيحية التي انطلقت في 21 يناير عام 2013م .وسبق أن استدرجه النظام ليعود من ديار الغربة – جدة – إلى الوطن فيدخل رهن الإقامة الجبرية عقاباً على أغنية مهاجرة  ( إساتنا قسنت ) تم إعدامها بعد ميلادها لأنه – على خلاف عادة فناني النظام – عاب فيها على الجيش الأرتري هروبه أمام الجيش الإثيوبي وتبعثره إلى دول ا لجوار خلال الحرب الإثيوبية الإرترية في مستهل الألفية الثانية الميلادية.

كان الفن ولا زال عاملاً مهماً لنجاح الثورات الشعبية ؛ يلهم الأمل ، ويشعل الحماسة ، ويدفع للعمل ، ويحرض على التضحيات، بهدف تحقيق الأهداف السامية للأمة .

وكانت ثورات أرتريا تعتمد على هذا الفن لغرس القيم النضالية ، وتجييش الشعب خلف الثورة ، حتى كان التحرير ، وظل الفن سلاحاً قبل الرصاص، وبعد الرصاص،

قبل المعركة حرض عليها ، وبعد المعركة خلد بطولات المناضلين ، وأمجاد الشهداء ، وحرض على العمل والتنمية .

وعلى الرغم من أن سوادًا غير قليل من الفنانين لقد أنتجوا ما لا يحصى من القصائد والأغاني ، في مديح الجبهة الشعبية ونظامها الجائر في أرتريا، فإن عدداً غير قليل كذلك تحدث في مأساة الشعب الأرتري بعد الاستقلال وأتى في شعره وغنائه بما لا يرضي الحكومة، فكان جزاؤهم الموت في ظروف غامضة ، وتم توديع جثامينهم بدقيقة صمت متكلف متصنع ، ويغيب الملف بعدها، والتاريخ، والشهرة، والمصلحة ، وتدفن الحقوق في مقبرة الشهداء مع الجثمان المظلوم.

ولعل في هذا الإطار تأتي أغنية الفنان إبراهيم محمد علي ( ود قورت ) ( هلينا يئمبرك أبينا) التي توزع في نطاق واسع خفية في داخل البلاد وتوزع جهرة في دور المهجر مصورة بالفيديوومنزوعة الصور متداولة بالهواتف النقالة ومنشورة كذلك في الانترنيت ( يوتوب) وقد خاطبت النظام من الداخل ، وقد أذيعت في منابره على استحياء، وهي تخلو من التنصيص الصريح على قصد النظام بها، لكنها نص أدبي بديع ملك للمتلقي – بعد الابداع- لا لصاحبه كشأن كل الإنتاج الفني وأني أجد فيه تشخيصاً حقيقياً شجاعاً للوضع السياسي الأليم الذي تعيشه أرتريا في ظل حكومة الجبهة الشعبية وكذلك وجدها متناقلوها من الأرتريين مهاجرين ومقيمين

ومثلها أغنية (عقامت ) التي اشترك في أدائها كل من الفنان القدير إدريس حامد جابرا- مات في ظروف غامضة – حسب رواية النظام – خلال عام 2005م – وهو من قرية ( وقيرو) بإقليم سمهر – والفنان القدير محمود محمد عثمان ( ود شيخ ) والفنانة القديرة زهراء علي وكلاهما من قرية حرقيقو – بإقليم سمهركذلك. وقد سجن الفنانان المذكوران في هذا العمل الفني الرائع – حسب رواية بعضهم – الذي مجد القائد الشهيد إبراهيم عافة . و هذه الأغنية قد أذيعت – على استحياء كذلك – في الفضائية الأرترية لكونها لا ترضي الحاكمين وتمجد قائدًا كان ندًا للأسياس أفورقي من الناحية العسكرية بطلاً شجاعاً من أبناءالمسلمين وعلى يديه تم تحرير كثير من المدن الأرترية وعلى نطاق واسع يتم حديث بين الأرتريين بأنه تم اغتياله غدراً حتى لا يكون عقبة على مشروع اسياس أفورقي بعد التحرير وبالصورة نفسها تمت تصفية كثير من القيادات التاريخية المسلمة في الجبهة الشعبية

والعمل المسرحي البديع الذي أتى تحت عنوان ( إِيِ بَلُو) بقيادة الفنان محمود صالح طعدا من قندع – وقد توفي في ظروف غامضة حسب رواية النظام – الذي ساهم فيه عدد من الفنانين بلغة التجري وهو يجسد جبروت الحاكم المستبد الذي لا يطيق أن يسمع غير تمجيد نفسه وهذا العمل المسرحي انتهى بنهاية افتراضية متوقعة وهي أن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها فقد قتله من كان يجهزهم لقتل خصومه وواضح أن جميع المواصفات التي وصف بها الزعيم في المسرحية تنطبق على الرئيس الأرتري أسياس أفورقي .

نص الفنان (ود قورت) يعلنها صراحة وبكل وضوح أنه لا يرضى بالمذلة ويحرض الشعب على رفض الظلم والمقاومة فليس بعيداً أن يكون اعتقاله ثمنا لثورته الشعرية التي رصدها النظام البغيض وتأتي أغنيته في وطن محرر عن الاستعمارالإثيوبي لكنه وجد خصماً آخر محلياً أشد نكاية من الاستعمار ولهذا استوجب الثورة الشعبية التي يتوقعها ود قورت ويدعو لها ويبشر بفجرها الجديد تأتي هذه الثورة لتكون بديلاً لنظام الاستبداد الذي يرغم الناس على البوابة الواحدة دخولاً وخروجاً بوابة الحزب الواحد والرئيس الواحد والرأي الواحد. ومن إيجابية أغنية ود قورت ( هلينا) أنها تتصدى – حسب فهم الناس لها لفظاً ومضموناً- للنظام من داخل الوطن ومن داخل الحزب الحاكم وتتسرب إلى المواطنين من منابر النظام وتعلن أنها منصورة وخصمها المستبد مهزوم وتستند على الشعب الأرتري العزيز تاريخاً ونضالاً وتضحيات كل ذلك يتم بلغة الإشارة والإيماء والرمز مثل ما كان عليه أدب النضال الأرتري في عهد الاستعمار الإثيوبي كــ ( عجت حنا – أبينكي تحيسي ممسلنا – ) وما يشابهها فقد كانت تسترق ما في القلوب فتبرزه للعيان موقفاً سياسياً على الرغم من أن الفنان قد لا يكون قاصدًا هذا المغزى لإبداعه لكن العقل الباطن يوجهه للحقيقة مصداق ذلك ما قاله الفنان الأمين عبد اللطيف في حوار له مع أبي بكر صائغ : إن فاطمة المذكورة في أغنيته ( فاطنة زهرا) كانت فتاة بدت له ضمن الحضورفي حفلة غنائية كان يحييها فأخذ جمالها قلبه وتدفقت مشاعر الحب شعراً ذائعاً راقياً ونفى أن يكون قد قصد في بداية النص : ( الايحاء السياسي الذي فهمه الجمهور والتزمت به أنا لاحقاً من خلال أغنيات ” فاطمه زهرة 2 – وفاطمة زهرة 3 ” بينما في بداية الأمر لم يكن هناك أي علاقة لفاطمة زهرة بقضية الوطن).

فمن حق الجمهور المتلقى أن يقع النص من نفسه الموقع الحسن حسب سياق الواقع والمفردات الشاعرة التي تعبر عنه . وأغنية ود قورت – وإ ن لم تصرح بعدائها النظام الأرتري – أتت مناصرة لكل سجناء الرأي والضمير والكرامة وعبرت بقوة عن إرادة هذه الأمة في الرغبة على الانتصار في وجه حاسده وعدوه الجائر الذي جثم على صدره بعد الاستقلال الوضع الذي لا يتلاءم مع أهداف الحرية والكرامة التي قامت من أجلها ثورة الشعب الأرتري وهي تعزز من موقف الأغاني الوطنية المناضلة التي يبدعها الفن الأرتري المهاجر مثل أناشيد فرق ( دبر سالا ) التابعة للحزب الإسلامي وأشبال ( الوعد الصادق) و مجموعة ( الريحانة) أو أغاني الفنان حسين محمد علي – من مدينة قندع – خاصة أغنيته التي أتت تحت عنوان ( تم) أي صمتاً .

وقد شخصت بلغة الشعر العذاب الوضع الداخلي وحرضت على الثورة المضادة للنظام

إن الفن المناضل حادي الشعوب، ومحرض الحروب ، ومسجل أمجاد الرجال ،وينظر إليه أهل   ( تجري) على أنه العصى التي ترفع في وجه العدو فيقولون: (حَلايِناَ مُورَا نَاتَا لإبَا إنوَارِي ) وإنه ليفعل في النفوس ما لا تفعله الأسلحة، ويفوق تأثيره تأثير الجيوش الجرارة. وقديماً كان ميلاد شاعر ميلاد أمة ، ونصرها ، وعزها ، وانعتاقها . وكان الفنان الأرتري في مقدمة المناضلين محرضاً على القتال ، ومنافحاً عن الوطن ، وممجدًا للبطولة ، دون أن يكون من مقاصده حظوظ ذاتية من عائد مادي ، ومعيشة كريمة ، وشهرة شخصية وقد استغل النظام الجائر وجه الإيثار الإيجابي والتضحية المحببة فحرمهم من الحقوق ولم يحتح لهم غير حرية السكرة والرقصة و … والغفوة عن المستقبل ؛ مستقبل النفس ومستقبل الأسرة ومستقبل الوطن .

انتهى المقال

وهذه ترجمة شبه حرفية لدلالات الأغنية وهي عاجزة أن تنقل اللغة الشعرية العذبة التي يحتويها النص بلغته الأصلية ( تجري) لكنها محاولة لتقريب المعنى المجرد.

هَِلينَا يَئِمْبَرِكْ أَبِينَا

حاضرون .. نرفض المذلة

ِإتَحَقَزْنَا مِنْ ِبدِيرْ وإينتحقزْ يَومتي

نحن أغنياء .. لم نحتج على أحد سابقاً ولا لاحقاً

ِمْنْتُو ليوم ِلبْلَنَا   إبلا ِفقَرْ وإتي

من الذي يقول لنا اليوم : اخرج من هنا وادخل من هنا

إتْ شِفِرْنَا هِلِينَا نِسْنِي دِيبُو ونِئْكِي

نحن في مرابعنا نسعد فيها أو نشقى

هلينا يئمبرك أبينا

حاضرون.. نرفض المذلة

قِلْ نِمْبَرْ تو إبْ لَهْبَتْنَا وإدِينَا

نعيش بأيدينا وبعرقنا

قِلْطِمْ شَعَبْنَا إتْتْلَوِي أزيما

لا يلوى ساعد شعبنا مرة أخرى

إكُويْ إنتم قِنْحُونَا .. قنحونا

انظرو نا .. ساخطين مقهورين .. انظرونا

إتْ مَسْكَبْناَ هلينا

موجودون في مسكننا

مِنْتو إِبِكُمْ لَرَهاَ كَعَسِرْ سَنِيتْ جَاقَفاَ

من تيسر أمره تحت حكمكم ففاض خيره وأقام منعماً مسروراًً ؟

ومُدولْ رَهِيتْ ِسدَتو كَأَرْققاَ وحَافَسَا

ومتى فرجت كربته فنوع في عيشه ترفاً وسعة؟

أَمْبَلْ جِرْبَتْ وإكِيتْ ..إتْ عزالْ برود يَعَارَفَا

لم يجد الشعب – تحت حكمكم – غير التعب والسوء .. لم يرتح في الظل البارد

أنا َأمروا تاريككم إتْمَقَطَنْ أشواكْ أَتْرَفَا

أنا أعرف تاريخكم الذي غرس الأشواك في الأجساد

فِنْطُور لِقْبَأْ َمَحْبَرْ كم .. محبركم

شُتِتَ جمعكم ..جمعكم

لَبَعَلْ أمان كَارَفاَ

الذي يطارد الصادقين

***

أَمَانْ مِنْدِي تَهَاقِيناَ تحازيكونا إب حازي

عندما نتحدث الصدق أصبحتم تعادوننا

شعبنا يمكم يهلا لحيكمت قبؤ وقاضي

شعبنا فارقكم سواء كنتم حكاماً أو قضاة

َحنْ َرحْمَتْكُمْ يَئِنْ قَبِئْ …..قِلْ ِربِعيتْ إِكِلْ سَلاَدِي

نرفض أن نكون تحت رحمتكم…ونرفض عطاياكم

إِقِلَ أَمَاْن نَاضَلْناَ قُولْنَا يِئِمَبدِلْ حِنَادِي

ناضلنا من أجل الصدق .. لا نبدل مواقفنا

ِمنْ رِزِقْ عَدْناَ إِنَبِرْ.. إنبر هَلِيتْ إناَ أَسْرَادِي ( نعاج وهو كناية عن أنواع الرزق )

نعيش من رزقنا .. لنا من الرزق ما يغنينا

**

إتْتْحَلَمُو يَئِمْلَكُمْ وكُمْ حَزِيكُمْ تَحَلَمُو

لا ننهاكم على الأحلام فلكم ذلك كيف شئتم

إِينَعَقِلُو لسانْكُمْ وَيئِمْلَكُمْ إزَمُو

ولا نعقل ألسنتكم .. لا نفرض الصمت عليكم

أُمَكْرَكُمْ مِنْ حَتِي

ننصحكم أن تتعلموا من أخطائكم الماضية

ِمنْ قَدَامِيتْ تَعَلَمُو

مُورَاكُمْ هِلِيتْ إتْ إديكم

الحل لديكم

من إيسمعونا .. سلمو

مِنْ دَاقُومُو آثوركم .. آثور كم.. لإبا بكم كَمْكَْمُو

وإذا مضيتم على سنتكم القديمة فأحزموا أمتعتكم وارحلو ا

حَوَاْنْ إيكُونْ شَعَبْناَ وديبْ أُورُو يأتَنْكُبْ

شعبنا ليس ضعيفاً .. ولا يستقوي بأحد

أرتريا َونَانَا لكلنا ديبا نتأكب

أرتريا وطننا الذي نجتمع فيه

زَعَتْ أورو إينِسْمَعْ لَإقْلا نِقْمِي ونِحْسَبْ

لا نصغي لإملاءات أحد ، ونتشاور مع بعضنا لصالح وطننا

مَهَرْ هَبْنَا وُلَاْدنَا

قدمنا أولادنا مهرًاً

قِلْ نَأْمَادِدْ ونَسْكَبْ

من أجل تحقيق الأمن والنوم الهانئ.

إتَعسنا ديبوم أَشَقرْ  أشقر ِفْدقَا وشِفْرَا قِْل نِرْكَبْ

لم نندم على تقديم الشهداء الأبطال من أجل الوطن

عَجَايِبْ حَسَتْ طَفَحَتْ ديبْ شَفَرْ

من العجب الكذب استقر في الأرض!

وَأَِمانْ فَقَرَتْ مِنْ مِدِرْ

والصدق خرج من الأرض

دُبُو ِرئيناَ ومُسْتَنْكِرْ

أمور مستغربة مستهجنة ومنكرة

َأزيماَ ديماَ إينِحْسَبْ إبلُومْ

الآن لا نعقد الآمال على هؤلاء

عَقَبْ بَدِيرْ تَأَكُلُومْ

تكفيهم أخطاء ماضيهم

إِبْ وَقَيْناَ نَأَخْجِلُومْ

نقدم إنجازاتنا حتى يخجلوا

أكِيتْ إَقِلوْ قل شَعَبْناَ لَأَمَمَا

من يقصد أن يسيء إلى شعبنا

تَأريخْ بَدِيرْ دَاقَمَا

عليه أن يتذكرالتاريخ الشريف لهذا الشعب

لَحَبَنْ وجَاهْ طَاقَمَا ( أي قبضَ وحازَ )

فسوف يجد السمعة الطيبة والجاه

انتهــــــى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *