مقالات وآراء

د. حامد محمد حالفا : صبراً يا قنادلا فالهاتف لا يعالج مريضا ولا يمنع ملك الموت من تنفيذ المهمة

الموت حق ، والصبر واجب ، والأجر الجزيل يتنزل على الصابرين . أخي الكريم يا محمد إدريس يا قنادلا . ثبتك الله ، أثابك الله . عوضك الله خيرا. والهاتف من بعيد ينقل أنفاس المتحابين لكنه لا يعالج المرضى ، والسعي من قريب يشفي الصدور  لكنه لا يدفع الآجال ، فخفف على نفسك من وجع الذكريات الأليمة والأسى الدفين.

ألم الفراق :

أشفقت لحالك لأنك ذكرت متابعتك الوالد وهو يتهيأ للرحيل إلى رب غفور ، وأنت تتشبث بالأمل لشفائه ، والسعي  في علاجه. فسعيت في إدارة الحالة بالتواصل الكثيف هاتفيا.وأنت محق لانه هو المتاح أمامك. وحالك مثل حال كثيرين من الشعب الأرتري المشتت فهم يعيشون في ألم الفرق:

فراق الوطن  الذي فصل بين الآباء والأبناء فشاب الابن المهاجر،  وهرم الوالد الصابر ، وكلاهما يقترب من  الآخرة دون تحقيق أمنية التلاقي في الدنيا. الفراق الآخر الأشد مرارة أن تسمع أن والدا قد مات في الوطن دون أن يراه ولده المغترب،  وأن مولوداً قد مات في الغربة دون أن يطمع والده في تشييع جنازته. والمقارنة بين الميتين تفضل الموت في الوطن بدل الموت  في الغربة ، فاليرث الراثون أنفسهم قبل رثاء أمواتهم في الوطن الغالي.

وذلك أن ميت الوطن قد يجد من يدفنه , ومن يحدد عنوانه للزيارة الدائمة ـ ومن يصلى عليه بارتياح ويودعه بتشريعات الفقه الإسلامي ، بخلاف ميت الغربة فقد قيل أن القبر بثمن ، وأن الإقامة فيه موقتة , وأن الجنازة في صندوق مؤجر، وتوجد من التقاليد ما يشق على النفس تقبله. وفي الوطن وداع الأموات مريح  ، والجنة مرجوة من رب رحيم غفور والزيارة  والدعوات المتكررة لقبر معلوم سنة نبوية شريفة مرجوة القبول.

معذور  أنت ان بكيت أباك يا قنادلا :

مات الشيخ إبراهيم إدريس محمد محمود في وطن فكان خير اختبار ألم تعلم أن الآباء يفضلون الموت في ديارهم وأن قست الظروف بدل الموت في الهجرة المريحة ، ومات يوم الاثنين فهو يوم سعيد يتفاءل به، ومات بين الأحباب.

والأهل وهو موت يريح الضمير ودواعي السلوان تغلب موجبات الألم. وأنت يا قنادلا معذور أن بكيت أباك لأنك تريد علاجه لا وداعه ، تريد عافيته لا موته , تريد زيارته وتقبيل يده وجبهته التماساً لرضاه ،  والظالم الجبار حرمك من ذلك كله فهذا موقف مؤلم ، وموجع ومر وقديمٌا كان الصبر الجميل سلاح المؤمنين في مواجهة البلاء الأليم

لا سعادة في وطن يحكمه إبليس

ولست وحدك من حرم  خدمة والديه عند الكبر ،  فكم هي الأعداد التي غابت في جبهات القتال وهم أحياء لا يجدون فرصة لزيارة الأهل من زوجة وأولاد لم يستمتعوا بحنان الوالد ولمسة يده فوق رؤوسهم ، ولا يجدون فرصة لصلة والدين كبيرين أرهقتهما السنون وهما يعملان في العمل الشاق زراعة ورعيًا وكان الأصل  أن تكتمل دورة الحياة اكتمالاً طبيعيُا بأن يخلف الولد الوالد في إدارة الحياة ويتفرغ الوالد للعبادة والنصح الجميل والتمتع بخريف عمره بين أحفاده هانئا سعيدا ،مالكا قوت يومه ، وآمنا في سربه ، معافى في بدنه ـ لكن كيف تأتي السعادة على قوم يدير وطنهم إبليس ؟

في زمن الحكم الجبري العاض لا يستغرب أن يحيط بالمواطنين قانون” وطور حلبو وحوطا فتلو ”  فهو يكلف بما لا يعقل , ويطلب ما لا نظير له في السوء . محق انت إن بكيت يا قنادلا فأنت تجد أحد أبواب الجنة انسد في وجهك بموت  الوالد رحمه الله  لكننا  نحسبك على خير ولا نزكيك على الله ، معصوم بالقرآن الذي تحفظه، والسنة التي تعرفها، والدعوة التي تنشرها فلا تقول إلا ما يرضى الله: ” إنا لله وإنا إليه راجعون ” وهي العقبى الطيبة للعلم الشرعي  فهو حصن حصين يعصم صاحبه عن الزلل عند المصاب الأليم .

ما ذكرت من أنك لم تستطع علاجه لأنه لا يوجد في البلد دواء ، ولم تستطع تسفيره إلى خارج الوطن بحثا عن العلاج لأن البلد محاصر من سلطانه فلا مواصلات ولا تصاريح مرور ويشق أن يهاجر بالأقدام تهريباُ المريضُ والكبيرُ والنساءُ والمعذورون فهذا بلاء نازل على الوطن كله بسبب سلطان الوقت الجائر فلا نجد ما يواجه به غير الصبر الجميل ، والعمل الجميل حتى يزول حكم الجبروت ليقوم مقامه الحكم الراشد.

بدائل شرعية :

أخي الكريم الأستاذ قنادلا .. إن كان سلطان الوقت قد حرم أن  تلتقى الأجسام والوجوه والابتسامة البارة بين المولود حفظه الله  وبين الوالد رحمه الله. إن كان سلطان الوقت قد حرم من التواصل الحميم بين الجد والأحفاد إن كان سلطان الوقت قد حرم المشاعر من الغذاء بالنسب والحسب والإرث الجميل نقلا من الجيل السالف إلى الجيل الخالف.

فإن الله قد جعل أبوابا أخرى لا يقوى  السلطان  الجائر أن يوصدها :

الدعاء الطيب ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بالوالد والصدقة الجارية وتوريث القيم النبيلة التي كانت لدي الوالد فهي كنز لا تواريه القبور ويقيني أنك وعاء للفضائل – كما قد عرفناك –  ورثتها عن السابقين من والد وجد وعشيرة وبيئة ومجد فمعك ما تعوض به الجيل الذي  بين يديك  أمانة وأنت أهل للغرس الطيب.

ثبتك الله ، صبرك الله ، أعانك الله يا قنادلا . وهذه تعازينا للأسرة الكريمة . 

 

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. أحسنت نصحا يا دكتور بارك الله فيك على النصح والتصبير وعلى الأخ قنادلا الصبر والاحتساب والإكثار من الدعاء لوالده المرحوم رفع الله درجته في العليين فكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام اللهم اغفر له وارحمه واسكنه فسيح جناتك يارب العالمين والهم الأخ قنادلا الصبر الجميل ورد غربتنا وغربته واجمعه بباقي أهله وارحمه واحباب في الدنيا
    وللجميع تحياتي

  2. ربي إن ابي ليس معي ولكنه في قلبي في دُعائي انتقل إلى جوارك لكنه موجود في كل تفاصيل حياتي
    ادعوك ربي بكل اسم هو لك ان ترحم ابي الذي رحل من الدنيا دون أن يودعني واشتاقت له روحي ولم تجده ربيّ ارحم من نام بأحضان التراب وارحم وحدته يا أرحم الراحمين ☝

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى