د.حامد محمد حالفا يقدم قراءة في كتاب توثيقي عنوانه : كفاحي في حرب التحرير الأرترية

يذكر الكتاب أن أسماء مثل : (قرماي قشي ، أمانئيل هبتي ، أبرها هيلي وتوتيل وآخرين ..) كانت تدعو إلى استسلام الجبهة و تعمل على تخذيل المناضلين وأمانئيل هبتي يرفض التحقيق معه بخصوص أسباب الهزيمة في اللواء 19!!

مدخل :

يحدثك عن الأشخاص ، والأماكن ، والأحداث ، والنصر والهزيمة  والبطولات والخيانات ، وكل ذلك بتويثق يومي من مناضل كان في قلب الأحداث. ومن أعجب ما رأيت أن القادة كانوا في الميدان ، يتقدمون الصفوف ، تجدهم في الاستطلاع ، والاجتماع ، والتخطيط وفي المشاغل اليومية في إدارة المعسكرات والتدريب والتـأهيل  ومباشرة الأعمال ويقودون جيشا جرارًا يغطي الساحة بأكملها . ويصعب عليك أن تدرك  أنه من أين جاء السوس الذي أطاح بالجبهة وأخرجها عن المنافسة والصدارة في الميدان.

خير كتاب عن النضال هو ما يكتبه المناضل من الميدان ، ويشهد به عن المرحلة ،  يسجل فيه الأحداث اليومية كما، وقعت وكما يراها ، وهذا من شأنه أن يحقق هدف التوثيق للحدث قبل أن تعمل فيه يد النسيان ، وهذه آفة محتملة تضيع التراث النبيل ، أو قبل أن يتعرض لآفة التزوير من أصحاب الغرض ،  وهؤلاء كثيرون يظلمون التاريخ ، والأحداث ، وينتزعون البطولات من أصحابها الأموات ، لصالح أصحاب آخرين يتزينون بما لم تعمله أيديهم .

قراءتنا  اليوم تتجه لتسليط الأضواء على كتاب ميداني  تجد فيه غبار النضال،  ودماء المعارك ، وصعود الثورة  ، وانحطاطها ، وانتصاراتها ، وانكساراتها . فهو كتاب عن ميدان التضحية لا عن فنادق الرفاهية والحياة الخاملة.

اسم الكتاب ( كفاحي في حرب التحرير الأرترية ) ومن عنوانه يتضح  هوية الكاتب والكتاب والقضية والوطن.

ويأتي  الحديث عن الموضوع في نقاط :

أولاً – بالتعريف بالكاتب

المناضل القائد / إدريس إبراهيم هنقلا ، ولد في منطقة ” حلحل”  إقليم عنسبا بأرتريا عام 1946 م وهو من  أسرة حرفتها الزراعة والرعي ، والتعليم فيها مهنة الخاصة ولهذا كان حظه طيبا  حيث تم توجيهه من قبل والده .

إدريس هنقلا الذي نشأ في القرية كان أثر والده عليه كبيراً حيث تعلم في الخلوة القرآن الكريم، ثم واصل التعليم المدرسي في حلحل، ثم في كرن،  ثم واصل التأهيل متجهًا إلى الجانب العسكري متخرجًا برتبة ملازم  في سوريا،  وترقى في الميدان حتى وصل قائد لواء أسلحة ثقيلة،  وكان ضمن القيادة العليا  لجبهة التحرير الأرترية وعضوًا في هيئة الأركان العامة ونائب رئيس جهاز الأمن والاستخبارات .نعم كان رفيع المقام في الميدان حتى أمكنه التفاصيل الدقيقة عن المسيرة

ولأنه قائد ومثقف وهميم وخبير ميداني تم اغتياله بتاريخ 20 سبتمبر 1985 م أمام منزله بكسلا  حتى تنتهي أدواره القيادية وينتهي بذلك دور جبهة التحرير الأرترية التي تم استهداف قادتها الأخيار المهرة  واحداً واحداً. حتى  القائد عبد الله إدريس – رحمه الله –  تمت محاولة اغتياله نجا منها في الخرطوم 1991م.والمسلسل طويل والعدو واحد .

ثانيا – التعريف بالكتاب :

يتكون الكتاب من 438 صفحة من القطع الكبير

حرر مادة الكتاب  للنشر الأستاذ عبد الله إسماعيل آدم مدير مركز دراسات القرن الأفريقي وهو رجل أكاديمي جامعي صبور مع القلم،  يتحمل الضنى من أجل التوثيق، والتدقيق، والبحث الرصين  . وللمركز الذي يترأسه إصدارات بحثية أنيقة تدل على همة منسوبي المركز العالية في إنجاز الكثير من البحث العلمي خدمة للقضية الأرترية خاصة وقضايا القرن الأفريقي عامة وكم هو جميل أن تأتي هذا الأدوار البحثية في زمن الإحباط ، والشح المالي ، والخمول الفكري.  والخذلان الأليم.

تطالعك المقدمة  بعد رسالة الأسرة والتعريف بالشهيد إدريس هنقلا وهي جميلة  أتت في خمس صفحات من الكتاب ولغتها رصينة وقامت بواجب تلخيص الكتاب ، لكن لم يعجبني ترجمة الوحدة الإدارية رقم 2 ” ب ”  أسفل بركا ”  و الوحدة الإدارية رقم 3 بـــ ”  أعلى بركا ” ولا أظن أن سكان المنطقة يعرفون هذا  المصطلح،  والأسماء لا تترجم وإنما تروى كما هي ، فـــ ( فانكو لعال)  و( فانكو تحات)  و( بركا لعالاي)  و( بركا تحاتاي ) تظل كما هي دون تعديل .كما يجب أن تظل أسماء الأشخاص دون ترجمة ولا تعديل. ولا أدرى إن كان هناك من يعرف هذه الترجمة محليًا ويتداولها  ولا أظن .

ثالثا- محتوى  الكتاب :

لفت نظري في الكتاب النقاط التالية  :

1- أنه ليس كتابًا أكاديمياً بحثياً محكماً. ولهذا لا تتوقع منه أن يضم عناوين بحثية من كتب  وأبواب وفصول ومباحث ومسائل  ومتون وحواشي وإنما هو كتاب سردي   تحكمه الأحداث لا قواعد البحث العلمي                                     2- الكتاب مصدر حقيقي موثوق به للأحداث التي يرويها فهو شاهد وذلك لأن الراوي ينقل من الواقع حسب مشاهداته وهو جزء من صناع الأحداث  وكاتب مثقف واعي

3- العمل في حواشي الكتاب والتعليقات التي قام بها الأستاذ عبد الله إسماعيل آدم مدير مكتب دراسات القرن الأفريقي يضيف قيمة كبيرة للكتاب لكني وددت انه تحقق من صحة معلومة إن اختلف مضمون الحاشية مع مضمون اليوميات  فمعركة تحرير مدينة عيلا برعد  في رواية اليوميات ( كانت بتاريخ 31 يناير 1977م ) بينما ذكرت حاشية المركز نقلا عن كتاب تجربة جيش التحرير أنها (بدأت بتاريخ 31 ديسمبر 1976م وانتهت بتاريخ 19 يناير 1977م  ) علما أن الفارق بين التاريخين قليل. والمعارك قد تبدأ وتنتهي في زمن متدرج مما يبرر اختلاف الروايات ومع ذلك فورود خطأ محتمل يحسم التحقيق.

4- الكتاب يغطي الفترة : 31 يناير 1977م – 6 فبراير 1982م وكان تاريخ الاغتيال بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ ومعنى ذلك أنه توجد فترة مهمة غائبة ويتوقع أنه تم اخفاؤها عمدا بأيدي ماكرة أرادت قتلها كما قتلت مؤلفها أو مخلصة فربما ظهرت في الوقت المناسب كما ظهرت هذه المذكرات لكن كان مكانها الطبيعي ألا تغيب أو تتخلف عن محتوى الكتاب

رابعا – تقسيم الكتاب من حيث المضمون :

يمكن تقسيم الكتاب من حيث المضمون إلى مصدر مهم  لأبواب كثيرة فهو تحدث عن :

1-  التطور الذي حدث في جيش التحرير الأرتري من حيث التشكيلات العسكرية ومبررات ذلك التطور والمساحات الواسعة التي كانت فيها جبهة التحرير الأرترية من الوطن وكانت في أوج قوتها تحاصر المدن الكبيرة وتحرر، وتسيطر على القرى والأرياف سيطرة تامة

2- العمل الإداري الذي يقود الثورة بين قطاعاتها العسكرية من جهة وبينها وبين الشعب من جهة أخرى كما يسرد هذا القسم الاجتماعات الإدارية والعسكرية والمؤتمرات واللقاءات اليومية وهنا تشاهد الكتاب المكشوف الحي بين القادة والجنود والعناصر القيادية في التنظيم

3- إذابة الفوارق الطائفية في الجبهة حيث تظهر لك عناصر قيادية من المسلمين والمسيحيين في كل المستويات وتوجد عناصر قيادية من أبناء المسيحيين – مثل أبناء المسلمين – يشغلون مناصب قيادية حساسية مثل قيادة قطاع عسكري واستخبارات وتسجيل عضوية  في المؤتمرات على المستويات القيادية العليا .

أمثلة :

       وعلى سبيل المثال  يذكر الكتاب مشاهد يظهر فيها في الثورة   أن  تسفاي تخلي شغل منصب نائب رئيس المكتب العسكري وأبراهام كفلي نائب قائد لواء وبرهاني هيلي مفوض السياسي  ويماني قبري استخبارات لواء 77 و ابراهام زرئ مفوض سياسي لكتبية..  إلى غير ذلك من أدوار قيادية  مختلفة تولاها مسيحيون في الجبهة  بين فترة وأخرى  دون حذر من كيد محتمل، ولا تقديم عنصر لاعتبارات طائفية.

4 – الكتاب يعكس ما كان عليه جيش التحرير من إمكانيات مادية من أسلحة وخبرات وآليات وعدد ضخم واتساع جغرافي. وأنه كان يمتلك إمكانيات كبيرة وخبرات عريقة  سجلت نجاحًا في الميدان وهزت عرش الحكومة الإثيوبية إلى درجة رتب أولوياته على  الدفاع عن المدن وترك الجبهة تتحرك بارتياح في الميدان خارج المدن لها ألوية وفرق وسرايا ومعسكرات تتمركز وآليات ومناشط مكشوفة وآمنة   .

5- الكتاب يتحدث عن التخطيط للمعارك وللانسحاب بلغة عسكرية خبيرة وتغيير الخطط عند الحاجة إلى ذلك  ويصور ذلك  بدرجة يجعلك كأنك ترى الواقع كما هو دون تزوير ولا وضع مساحيق تجميل . ويتحدث عن الصعوبات التي كانت تقف في وجه الثوار وكيف تغلبوا عليها مرة وتغلبت عليهم مرة أخرى.

6- الكتاب زاخر بمصطلحات عسكرية مثل حرب استنزاف والهجوم ولانسحاب وتشكيل الألوية والفرق العسكرية.

7- الكتاب يخلد سيرة لقادة وشخصيات كانت تصنع الأحداث حتى ما كان يحدث من حوارات ميدانية بين الفصائل الأرترية المتباينة الرؤى ويشخص أن الجبهة  الشعبية كانت العدو الألد؛  يتواصل حوارًا سياسياً هادئا ، ويخفي خبثاً عسكرياً ماكراً انتهى بالجبهة إلى  حتفها بيد قادتها إنها خيوط المؤامرة تحبك من الداخل وتتغذى على الثقة العمياء بالخصم الشرس .

8- الكتاب لا يخفي نقاط الضعف في الجبهة بل يروي مشاهد قاتمة لأشخاص ومواقف حتى من يهرب عن الميدان أو يتخلف عن واجب أو يتعمد نشر الخذلان بين الجنود والقادة الميدانيين يذكر الكتاب بعض أسماء ويوثق مواقفها.

9 – قيمة الكتاب تعود إلى ما تضمنته صفحاته من معلومات مهمة عن يوميات النضال الأرتري خلال الفترة التي يتحدث فيها ( 1977 – 1982م ) إنها  خمس سنوات وهي فترة الانتصار الجميل  ، والهزيمة  البشعة لجبهة التحرير الأرترية .

10 – غياب جبهة التحرير الأرترية عن المشهد وتلاشي زخمها الكبير  أخلى دورها الرائد عسكرياً وثقافياً واجتماعياً وأمنياً ومذكرات هنقلا لا تتحدث في هذه الفترة  فلو قدر أن تبقى  وأن تظهر لكشفت سوءات الكثير من القادة  المهزومين، والكثير من حلقات التآمر على الجبهة من داخلها. 

11 – في نهاية الكتاب يظهر الدور القيادي الذي كان عليه أبناء المسلمين  في الجبهة فأول حدث بدأ به الكتاب معركة عيلا برعد الكتيبتان ( بتاريخ 31 /1 / 1977م  رقم  ( 107 ) بقيادة  الحسن محمد أبو بكر والكتيبة رقم ( 773 ) بقيادة المناضل أحمد إبراهيم ( حليب ستي ) وانتهاء بآخر مشهد في لحظات الرمق الأخير  حيث توزعت الجبهة بين من استسلم للسودان ، ومن استسلم للجبهة الشعبية، وفريق لاذ بالميدان وعبد الله إدريس حاضر قائد، وقليل من القادة كان يصفهم خصومهم بالمنتحرين أصحاب المواقف الحمقاء  وأهل الخصومات الفاجرة ، لكنهم لم يسلموا أيديهم للجيش السوداني ولا للجبهة الشعبية ففازوا بحسن الذكر، أوضح الكتاب في وصف الرمق الأخير للجبهة  تبيان الخيارات بين القادة والجنود :

المشهد الأليم :

  • فريق يرفض  العودة إلى أرتريا من جهة الساحل الشمالي  وهو الخيار الجغرافي المتاح
  • فريق يدعو إلى التسليم إلى  الجبهة الشعبية
  • فريق ينتظر التسليم إلى السودان متجردًا من سلاحه مطواعا للهزيمة .
  • وانتهت المذكرات  اليوميات بالإشارة لحديث قيادي في الجبهة عقب خطاب يلقيه هنقلا للجيش مخاطبا لقيادة اللواء وقادة الكتائب  يزرع فيهم الأمل والعمل والتضحية والصمود بتاريخ 23 أغسطس 1982م  قال إدريس هنقلا يروي ما حدث عقب الخطاب المسؤول :

( المناضل أمانئيل هبتي ينفرد بي  ليقول لي: انتهت الجبهة .) ويقترح 🙁 خيار التسليم إلى  الجبهة الشعبية )  فدافع إدريس هنقلا عن الجثة الهامدة موقناً أنها الأمل الباقي ، ولن تموت  على الرغم مما يشاهد من تقاعس الكثيرين من القادة الذين آثروا السلامة في القيود بدل المغامرة في الميدان ، و تقديم التضحيات ، حتى ينالوا شرف الشهادة والذكر الحسن،  أو عز الانتصار والثمر الطيب.

الخيانات :

هنقلا سجل ملاحظة تتهم ضمنيا آمانئيل هبتي قال: ( كان يكرر أن الأمل ضعيف جدا وأيضا لم يشارك  في اجتماع اللواء ولا بكلمة  واحدة  بل اكتفى باللقاء ببعض الكوادر  الذين كانوا يرفضون  قرار التقدم في اجتماع اللواء ) ودعا هنقلا إلى إجراء تحقيق شجاع في  هذه المسائل .وما كان يدري أن خيوط الخيانة محكمة ، وأن مواقف الرجال الشجاعة في زمن الهزيمة ثمنها الغدر والاغتيال

وأكدت المذكرات أن عناصر قيادية كانت تعيق عودة الجبهة إلى الميدان مرة أخرى  وكانت تحرض المناضلين وتخذل عن استمرار الثورة  وذكر من هؤلاء : ( قرماي قشي ، أمانئيل هبتي ، أبرها هيلي ، يتهمهم ( بإعاقة المناضلين  الذين يرغبون في مواصلة الاستمرار في الثورة وتحريضهم على الاستسلام ) ص 363

آخر كلمة :

كتاب :(كفاحي في حرب التحرير الارترية)  مادة ثرة ، ومصدر وثيق ينفع الباحثين  الأكاديميين  لكونه مصدرًا مهماً فيما يروي من أحداث وتواريخ وتوثيق هميم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *