د.حامد محمد حالفه يكتب لوكالة زاجل : وقفات تسع مع خطاب ” حادي ” في ندوة الجماهير الواعية ضمان التغيير

استمعت ندوة سياسية في صفحة حزب الوطن  الأرتري الديمقراطي ” حادي ” التي قدمت بتاريخ  2 مايو عام 2020م واستمرت أكثر من ثلاث ساعات متوالية واشترك فيها الأستاذ فتحي عثمان من فرنسا الذي قدم ورقته بعنوان: المعارضة الأرترية .. الإشكالية والحلول .  والأستاذ سنكال ولدي تنسائي من أمريكا  الذي قدم ورقته بعنوان : العلاقة الأرترية بإثيوبيا .. الإمكانيات والعوائق .  وأدارها ممثلا لحزب حادي  الأستاذ مصطفى عبد الكريم من السويد .

كم استمتعت بالحميمية التي افتتحت بها الندوة بين أطرافها الثلاثة فسنكال يطرح التحية على فتحي ويسأله أين يقيم ،  ولم  يلتقيا من قبل وفتحي من مواليد الخرطوم يرد التحية  بلغة تجرنية أصيلة بما فيها من فخامة واحترام الطرف الآخر و عبد الكريم   مصطفى يدير الجلسة الباسمة مبتسما ممازحًا دون تكلف مما يوحي أن هذه النفوس البريئة يمكن أن تتعايش وأن تتعاون لو تواصلت في الحوار الهادئ العاقل الحريص على مصلحة الوطن والمواطنين .

شاهد الندوة  حتى  الآن أكثر من 36 الف وحظيت بإعجابات ومشاركات كثيرة و ما يزيد عن 1300 تعليقا  من الجماهير الأرترية.

أعدت استماع الندوة أكثر من مرة فخرجت بهذه المحطات التي تقوم بقراءة ناقدة لما يقدمه حزب الوطن الديمقراطي الأرتري  ” حادي ” من نشاط .

مدخل :

النفوس التي تأبى الانكسار تبحث عن شعاع الأمل دومًا حتى في الأزمنة والأمكنة القاتمة ،

ومن الأمل والثقة بالبشريات تتولد الانتصارات ، وفي زمن الحصار كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر بفتوحات تحققت لاحقًا،  وكان في وقت البلاء يشكك فيها أهل الهوى والمرض،  ويثق بها أهل العزائم المتقدة المتفائلة.

و” حادي”  نحسب أنه الأمل دون  الانتقاص من دور الآخرين في  إضاءة الشمعة في الظلام الدامس

ولقد تابعت خطابه الأخير في ندوته التي استضافتها صفحته بالفيسبوك بثها عبر ” زوم ” فكنت واحدًا من رقم ضخم من المتابعين تجاوز 36 ألف مشاهد.

الخطاب كان جادًا ، والطرح معتدلاً ، فاستطاع أن يكسر حاجز العزلة والانقباض بين مكوني الوطن الناطقين بالعربية والتقرنية وعلى الهواء مباشرة يرى الجمهور ما يحدث من خطاب ويتابع ويستمع

إنها سنة نبيلة تستثمر التقنية الحديثة لتجاوز عقبات المال والرخصة الرسمية والضغط الخارجي بإقامة أي منشط سياسي .

نشاط ضخم يتم تنفيذه بلا ميزانيات ضخمة، ولا ولاء لجهات ضاغطة تدعم من أجل تمرير أهدافها إنه حدث يستحق الإعجاب والإشادة والمؤازرة .

أقدم في هذا المقال قراءتي الخاصة لندوة ” حادي “ولا أرغب أن أكون صديقاً مداحا طبالا لحادي ولا خصيما فاجرًا  يرفض الحق الذي تراه عينه ، ويدركه عقله ، وإنما أجتهد أن أقف في محطة وسط واقدم قراءة خاصة  ربما معجبة بشيء  مما يقدمه حادي أو منقبضة عن شيء من سلوكه وفكره ولا نتوقع أن يكون ملكا مجبولا على العصمة عن الزلل،  وكفي بالحزب نبلا أن تعد معايبه . وأنا في رضاي وسخطي إنسان له خلفية ينطلق منها لمحاكمة العمل العام    والإنسان قد تعتريه الحالتان فتتجه نفسه باختلاف مواقفها من أحداث وحركة الحياة لتكون بين رضى وسخط أو بتعبير مغاير : يجد نفسه يقدم النقد المحايد يعدد السلبيات والإيجابيات ومن طبيعة سواد الأرتريين أنهم يتعاملون بخمول مع  ما يسمعون أو يقرأون  من حديث سياسي فتجد أعدادا ضخمة مرت على منشور دون أن تبدي اعجابها أو كرهها وتضايقها وهي عادة ذميمة تشهد بموات المشاعر تجاه النصوص الجادة وبالعكس تجد هذه النفوس تتسابق لتسجيل إعجاب وإشادة بصورة منشورة  لشخص أو موضوع اجتماعي خاص لا يتجاوز نفعه صاحبه فهذه طاقات عاطلة تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي تفني أعمارها في قيل وقال وتافهات الأمور ..   ورغبة أن أكون في الموقف الإيجابي الناصح من الندوة أكتب هذه الوقفات :

الوقفة الأولى – مضمون الورقيتين :

تتحدث  الورقتان في محورين مختلفين فالأولى عن المعارضة الأرترية والأخرى عن العلاقة بين أرتريا وإثيوبيا

الورقة الأولى قدمها الأستاذ فتحي عثمان  وهي تشدد على أهمية تحديد الأهداف ورسم الخطط بوضوح وتحديد الفكر والتنظيم قبل الفعل الثوري وعابت على التجربة الأرترية أنها بدأتـ الثورة  دون نضج الفكرة  فتاهت مساراتها  وأكدت الورقة على إعطاء الأولوية لتحديد المفاهيم الوطنية التي تعد ثوابت تكونت من خلال التراكم التاريخي والعقدي والعرفي  وأكدت على أهمية اللغة  بناء على أنها حاملة المفاهيم وأوضحت الرابط القوي بين الفكر واللغة  وركزت الورقة بحماسة شديدة على التفريق بين مصطلحي المعارضة والمقامة معتبرة أن مصطلح ” معارضة”  يحمل دلالات سالبة  مثل الوضع بمعنى الإسقاط بفعل الآخرين و الوضيع أي الذليل  العاجز  والعارض وهو ما يعترض الطريق المستقيم و قد ينكر المعارض بالقلب دون ان يقوى على الفعل الثوري مثل معارضة الداخل التي تقمع دوما من قبل النظام الجائر دون أن تقوى على فعل شيء   بخلاف المقاومة فإنها فعل إيجابي مقاصدي  يتجه إلى تغيير الأنظمة الحاكمة واستبدال غيرها بها بالفعل الثوري المتدرج وأنكر أن تسمى الحركات الأرترية في دول المهجر معارضة وأصر أن يسميها مقاومة مثل نظيراتها من حركات التحرر العالمية والعربية وقال : إن هذا مهم جدا والفرق بين المصطلحين كالفرق بين السماء والأرض .

وقال : المقاومة تستلزم الثورة على  مفاهيم  وأفكار وسلوك وتقدم قيماً ومفاهيم وأفكاراً ومؤسسات جديدة بدل القديمة  والمعارضة تسعى فقط لإزالة الحجر عن ظهرها أي إسقاط النظام دون المقاصد  الأخرى اللاحقة  .

أما  الأستاذ سنكال ولدي تنسائي  فقد بدأت ورقته  ( بالسلام عليكم ) قالها بالعربي الفصيح وأخذ يشرح السلام وأهميته لبناء العلاقات الإيجابية بين المواطنين وبينهم وبين سلطانهم وبين هذا الوطن وهذا الوطن  وأوضح أن  المصالح المشتركة بين إثيوبيا وإرتريا  توجب النظر إليها من خلال السلام لا من خلال ما كان بينهما من حروب وخصومات.  والتاريخ والجغرافية والتداخل اللغوي والقومي يوجب هذا التعاون  وأوضح السيد سنكال ولدي تنسائي  التداخل السكاني الكبير بين دول الجوار ممثلا بالعفر الموزعين بين إثيوبيا وارتريا  والبني عامر الموزعين بين أرتريا والسودان مؤكداً أن مثل هذا التداخل يساعد في بناء علاقات إيجابية بين الدول مراعاة لحقوق مواطنيها  وذكر أهمية البحر الأحمر  للوطن  ولبناء علاقات شراكة وتبادل مصالح بين أرتريا ودول الجوار دون التفريط في السيادة الوطنية لدولة أرتريا مسلطا الأضواء على كيفية نشأة الأوطان والمواطنين وحاجة المواطنين إلى أوطان الاستقرار والتعايش السلمي بين سكانه وضمان حركتهم بحرية ومعالجة الآثار السالبة من الحركة التي تدفع إليها ظروف طبيعية تفرض الرحيل  من مناطق إلى مناطق  وبينه وبين جواره من خلال بناء علاقات تصالحية يبنيها الحوار السلمي المشترك  .

 

الوقفة الثانية – الاستبشار بحادي  :

 ” حادي منذ أن طرح نفسه بقوة بعد مؤتمره السادس اتصف بتواضع جميل لا يعلن احتكاره للسياسة ولا يعلن طرحا مشاكسا يريد إزاحة خصوم عن طريقه  فاعلين  وإنما يصرح بانه من جزء من كل ، وبعض من جسد يتعاون مع  الجميع ، و يتميز بطرح مبادرات  يبدو أنها صادقة نحو الأفضل فقد بدأ بنفسه على نفسه  أولا حتى تجرد عن جلباب قديم ولبيس جلبابًا جديدًا  وغيب شخوصًا كانت في الواجهة وأتى بقيادات جديدة وضعها في الواجهة ومن استطاع أن يحدث تغييراً في نفسه هدفًا ووسيلة وقيادات ،  فهو مؤهل ليحدث تغييرًا في الساحة  وهذه رؤية متفائلة جدًا لا تملك معلومة عن غيب المستقبل لكنها تثق أن بذرة صالحة، في أرض صالحة، ورعاية صالحة ،وبركة من الله ترعى المقاصد الصالحة ، لا يخيب مستقبلها ولهذا نستبشر بأنشطة حزب الوطن الديمقراطي الأرتري ” حادي”

الوقفة الثالثة –  لغة الخطاب :

لغة الحوار عند ” حادي ” تبدأ بالاعتراف المتساوي بالعربية والتقرنية للوطن أرتريا وفي هذا اختصار للجدل الطويل الدائر بين أصحاب العربية وأنصار التقرنية وأنصار كل لهجة أرترية التي لها من ينتمي إليها شعورًا وتاريخًا وثقافة وقد قوت الجبهة الشعبية من تصارع اللهجات المحلية نظريًا ، وعمليًا دعمت  اللغة التقرنية لتسيطر على الساحة وتقصي اللهجات الارترية الأخرى  فأصبح يعرفها – من خلال الفرض الممنهج  – سواد  من الناس في عموم الوطن وهذا أوجد لها  سواداً من الناس كارهاً  حتى  انقسم الناس في عداء بين من  لا تجمع بينهم اللغة ، ولا الوطن،  ولا الدين،  فهم في ظل حكم الجبهة الشعبية فئة ظالمة وفئة مظلومة كلاهما يعيش  بركان دفين ينذر بالانفجار والسبب أنه قد قيل لهم : إن اللهجات سواء وعمليًا طغت التقرنية على كل شيء  وحاربت كل شيء والمضغوط يسعى لإزالة الضاغط عن نفسه وهو محق .

ويأتي حادي ” ليوجد ألفة بين المواطنين معتمدًا على  حسم تاريخي للجدل فغير سليم في رأيه ضياع الزمن  على هدم ما بناه الأٌقدمون لأن الإيجابيات تراكمية،  فجيل اليوم يضيف لبنات إيجابية على البناء الشامخ الذي بناه السابقون ، وحسم جدال بحجة قديمة موحدة أفضل من فتح المجال لحجج جديدة  مشتتة قد تحيي المطالب بضرورة ترجمة كل شيء إلى جميع اللغات المحلية بدعوى العدل ، وكم هو مضنى أن  تترجم كل خطاب سياسي وفكري وإعلامي وقانوني وتعليمي وتربوي وصحي  إلى كل اللغات التسع , وهذه متاهات ذات كلفة مادية كبيرة ونهايتها تمزيق الوطن إلى إقطاعات تحتاج إلى ترجمة حتى تتفاهم مع بقية أغصانها

إن التعايش بين المواطنين واعتماد لغتين للتفاهم بين مكوني الوطن تعدان مرجعية ثابتة لديانتين وإرثين سائدين في الوطن،   فهذا رصيد زاخر معمول به عالميا ففي القارة الهندية مثلا تعتمد دولها اللغة الأردية  والانجليزية وبهما يمر الخطاب التعليمي والإعلامي  والفكري  والاجتماعي  .. على  الرغم من اختلافات الديانات هناك والمذاهب والأحزاب   ويعرف كل المواطنين هاتين اللغتين فلست محتاجًا للترجمة  لتقوم بتعميم خطاب الدولة إلى المواطنين بخلاف الأقاليم  المختلفة إذ لها لغاتها المحلية وتتعامل مع الاقاليم الأخرى بإحدى  اللغتين الرسميتين الأردية والإنجليزية والخطاب سلس ، والتعايش قائم  ففي ظل أوضاع العافية الوطنية يمكن أن يتعلم كل المواطنين اللغتين الرسميتين في البلاد مع الاحتفاظ بخصوصية اللغات المحلية لمن يرغب فيها من بني أهلها  .

الوقفة الرابعة – شفافية الطرح

لا يوجد شيء مخفي لدى ” حادي ” فخلفيته التاريخية هو يعلن عنها ويصرح ويفخر بها ، وبهذا لم  تجد الأصوات النمامة ما تسعى به للفتنة ، وحاضر ” حادي ” المكافح مثل ماضيه المكافح معلن وصريح،   وطريقة عمله وخطابه إلى الجمهور مكشوفة حتى الصغير منها  لا يحمل في حقيبته لوازم تجميل وإنما يقدم الخطاب الشفاف إلى الناس بصوابه و عيوبه فهو اجتهاد يحتمل الأمرين .

تجد هذه الشفافية حتى  في طريق عرض المنشط الواحد فالندوة كان من المقرر لها أن تنفذ في بلد ولعدد محدود مختلف،  وأ. فتحي عثمان رجعناه من المطار بسبب الكورونا  وسنكال لم يكن عضواً في الندوة وإنما أتى به  السعي الجديد  عوضا عن الأستاذ صالح جوهر.. وهكذا يتم استعراض الدقائق الصغيرة  .. والجمهور يتابع هذه المقدمة التي تعدد  أشياء إدارية محضة  و منشط اليوم  يستعرضها  أمام مشاهدين  ما كانوا جزئا منها لكنه عرض مستطاب ولهذا بدأ المنشط بالضحكات الجاذبة وهي فطرية غير متكلفة ويصرح مدير الندوة أنه من حزب حادي لا من باب الاستعلاء وإنما باب انه يتحمل ما قد يحدث من تقصير أمام الضيوف أو أمام الجماهير  ويقدم الدعوة إلى ضيوف  وإلى مشاهدين  ويطرح النقاش العاقل يبحث عن الحقيقة ولا يقدم حقيقة مطلقة يفرضها على الناس ، والحوار الشفاف بين مكونات المجتمع هي الطريق الأمثل للبحث عن الحقيقة ، ولتجاوز العقبات .  والتواصل مع الجميع هو الطريق الأمثل لإيجاد الثقة بين المواطنين ولإزالة النفرة القائمة على اختلاف اللغة واختلاف الدين واختلاف التنظيم واختلاف الإقليم.

الوقفة الخامسة – الأخلاق الرائدة :

أنا متأكد أن النفوس المظلومة لا تزال تحتفظ بآلامها الغائرة فبعض الجراحات لا تبرأ بتقادم الأزمان فقصة هند مع كبد حمزة لا يزال يذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم متألمًا  يوم الفتح  وقد أسلمت هند لائكة الكبد ، وأسلم الوحشي قاتل حمزة ، وفعلهما السيء لم يستطع حدث إسلامهما محوه .  وأن هذه النفوس تدرك من ظلمها وأن شجرة الظالمين ممتدة وبعض من في المعارضة اليوم كان غصناً من تلك الشجرة الآثمة – وإن كان بعضهم سليم اليد واللسان مما ارتكبه سلطان الجاهلية بحق الشعب –  ومع ذلك  يتناسى الحزب – وهذا خلق إسلامي محض – هذه الصفحة المثيرة  ليحقق غرض وحدة الشعور والمواقف ووحدة  الشعب الأرتري ضمن تيار المقاومة العريض ولهذا يلوذ حادي بالخطاب المتسامح الذي يحترم الجميع ، ويدعو الجميع بأحسن ألقابهم،  وينزل ضيوفه منازلهم،  ويثق في الجمهور الذي يوجه الخطاب إليه ويحترمه فيتيح له التعبير الحر ، ويقبله أن يَستمع،  وأن يَسمع ، وأن يتحاور ؛ حتى الآراء الشاذة  القادمة من الجمهور غير محجور عليها  فكونها استمعت الحوار وأصغت فهذا دليل قربها ، وإمكانية ركوبها سفينة النجاة محتمل .

هذا إدراك عميق من ” حادي ”  لخصوصية الشعوب وخصوصية الأفراد فلا يتوقع أن يقدر كلهم تعبك، ومشاغلك،  وكلفتك المادية،  فعند  التحضير لمنشط  تجد من الذي تريد أن تسمو به ينزعك إلى الحضيض،  فتعاني معه لتنجو أنت  ولينجو  هو معك من  الهلاك . وأنت ترفق به وهو يبصق في وجهك،  وأنت تجتهد في إصلاحه وهو يفجر معك في الخصومة  ويتهم قلبك وسلوكك ويشكك في صدق نواياك ، وهذه  الأخلاق الصابرة العاقلة  قادرة أن تكون رائدة في المستقبل  وأن تسوق القاتل والمقتول والظالم والمظلوم  لتجعل منهم أمة واحدة متعايشة تنتمي إلى الوطن الذي يسع الجميع  دون أن تجد مضايقات  سلطانية قاهرة تؤذيها  في عقائدها وقبائلها وأحسابها وانسابها ولغاتها وعاداتها وحرماتها وممتلكاتها وحرياتها

الوقفة السادسة- صعوبة الطريق :

لا زلت أشفق على قيادة ” حادي ” وأنا أعلم أن من بينها  أو من بين جماهيرها من لا يعرف التقرنية و أن من بين المكون الآخر من لا يعرف العربية  والمطالبة بالترجمة كانت هي الأسلوب السائد في الخطابات الجماهيرية أيام الثورة في كل الفصائل الأرترية وكانت الفصائل المناضلة تعتمد العربية  مع قليل من الترجمة فأتت الجبهة الشعبية فألغت العربية لصالح التقرنية مع قليل من الترجمة   ولا تزال الترجمة  في الخطابات الجامعة للمعارضة الأرترية حاضرة ، ويأتي حادي بكل سهولة وارتياح يقول  للناس : هاتان لغتان رسميتان لأرتريا العربية والتقرنية ونحن نقدم الخطاب بهما فمن يجهلهما فعليه أن يتعلمهما ومن يعرفهما فلا يطالبنا بالترجمات فهو غني عن إتعاب الناس وإضاعة زمنهم .

وأنا أحسب أن الطرح يحمل من الصعوبات الكثير وهي تولد العقبات المعيقة،  لأن الخطاب المنغلق كان سائدًا فترة طويلة فالتنظيمات التي يغلب عليها المسلمون كان خطابها عربيًا محضًا وقليل من التقرنية عند الحاجة يؤتى به للتحلية ، والتنظيمات التي يغلب عليها المسيحيون كانت اللغة الأثيرة لديها التقرنية  وقليل من العربي يؤتى به للتحلية  ، واللغات المحلية الأخرى لها أنصارها وكانت لها ترجماتها،  الأمر الذي  يصعب من مهمة حادي فالاحتجاج بالتاريخ قد لا يساعده الواقع ومع ذلك لا أستبعد أن يركب الناس مع ” حادي ” – إذا نجح – السرج  الواحد فتصبح سنته مشاعة تجبر الناس دون سوط من سلطان أن يتعلموا اللغتين الرسميتين العربية والتقرنية  ويتم إشاعتهما في البلاد  بالتساوي  دون التظالم والقهر والسيطرة كما هو  حاصل الآن في الساحة في ظل نظام الجبهة الشعبية التي أتاحت للتقرنية أن تستبد بالواقع وترغم اللغات الأخرى على الانسحاب من دواوين الحكومة وإدارة الوطن  وبسط الثقافة الوطنية  الموحدة.

الوقفة السابعة- الشغب من الطرفين :

أتوقع ألا تمر مسيرة ” حادي ” دون متاعب لأن هناك أصوات من الناطقين بالعربية تفضل حسم لغة الخطاب لصالحها وتعتبر السماح للتقرنية أن تتقاسم معها بالسوية مدعاة إلى تحريض اللهجات الأخرى للمطالبة بالحقوق المتساوية يقابل ذلك شغب من ناس التقرنية كيف لا يترجم لهم الخطاب العربي ويمكنهم أن يدعوا أنهم لم يفهموا الخطاب إلا مترجما إلى لغتهم ويصر انصار العربية على التقليل من أهمية التقرنية لأنها لغة ميتة لا تتجاوز حدود الوطن مثل اللغات الأخرى غير العربية وغير الإنجليزية وأن سيطرتها في البلاد كانت قهرية استعمارية  وأن حضورها التاريخي واعتمادها في الدولة كان مجاملة لترضية المسيحيين  دون مبرر …  ويعود المسلسل الممل الذي يضيع الزمن في ترجمات يستمع إليها بعضهم باستخفاف ويلغو عليها كثيرون لأنهم قد سمعها بلغتها الأصلية . كل ذلك التباين يتيح فرصة لأصحاب الأغراض السياسية  ليغذوه،  وينموه  لأنه يعجبهم  تفريق كلمة المواطنين،  وتشتيت شملهم ، وتأتي هذه الأطراف  لتدعم مشروعات التفرقة فتطبع الكتب والمناهج وتصنع القيادات الشاقة بهدف تشتيت المجتمع  فما كان بإمكانه أن يكون عنصر تكامل يتحول بفعل الداعم الخارجي والعنصرية المحلية  إلى سلاح هادم يرفع رايات جاهلية يعتز بها ويدعو إليها وتتحول إمكانياته البشرية والمادية والفكرية إلى نصرة الأغصان والشجرة يابسة العروق والجذور لكونها لم تجد من يسقيها ويقويها وينميها في ظل أزمة الثقة بين فروعها ولهذا أحسب أن قرار حادي أن يتحدث الناس بلغتين رسميتين معتمدا على إرث تاريخي  يجعل بينهما التكامل لا التناحر والتعاون لا التدابر وهذه سياسة من شأنها أن تجبر الناس اختيارًا  ليتعلموا  لغتي الوطن الواحد والشعب الواحد ومع مرور الزمن تجعل الطرفين في تعايش مسالم متعاون متكامل بحيث يدرك كل طرف أن مصلحته في هذا التعاون وأن تجربة الجبهة الشعبية في الاحتكار والانفراد والتمكين لفئة دون أخرى  لم تنجح في إقامة وطن آمن مستقل يتعايش مواطنوه بأمان وثقة وإنما عمقت العداوات ، وشعبت النفرة ،  بين المواطنين  حتى في القرية الواحدة  أثمرت سياسة الجبهة الشعبية مواطنين متناحرين بسبب حدود جغرافية أو موارد طبيعية تنزع من قوم وتمنح قومًا آخرين ، أو أصول وفروع قبائل أو تباين عقائد دينية .. وفي كل ذلك نجد النظام الأرتري عمق الفجوة بين الشعب فجعل منهم  قاهراً ومقهوراً ، وظالماً ومظلوماً ونازعاً ومنزوعًا منه فكان مبررا أن تجد سياسة حادي في المدى القريب مشاغبين كثيرين  ولعلها تجد ثمار ما غرست في المدى البعيد .

الوقفة الثامنة – عقبات في طريق الطرح المعتدل :

طريق ” حادي ” محفوف بالمصاعب حيث توجد عقبات في الطريق تمنع السير السلس وهذا شأن كل حركات التحرر التي تسعى لتغيير أوضاع مزرية لشعوبها إلى مراقي الفلاح فهناك عادات وتقاليد مقعدة،  وهناك أطراف وخصوم كائدون وهناك قوى إقليمية ودولية تعتقد أن مصالحها في هزال الوطن وتشتت المواطنين حتى تستبيح خيراته لصالحها فهؤلاء يمنعون صعود المنقذ المارد  والنظام الأرتري لا يزال ممسكاً بالسلطة فهو لا يقبل بشريك منافس  ولهذا تظل الصعوبات ثقيلة تقف أمام المسيرة القاصدة لــ ” حادي ” –  ولقوى المعارضة كلها – ولهذا يلزمه أن يدرك أن الطريق إلى القمة صعب  يتطلب شد الحزام , وإعداد العدة وتجييش الشعب وكسب المواطنين  وتوجيه بوصلة النضال الجماهيري إلى  عدو واحد  مع إظهار خطاب متوازن غير معادي  يرسل إلى كل الأطراف المعنية المحلية والإقليمية والدولية يعلمهم أن القادم ليس معاديا لمصالحهم وإنما يتآزر معهم لترتيب الأولويات وفق المصلحة الوطنية وهي ليس بالضرورة أن تتعارض مع المصالح الأطراف الأخرى  وما يفعله حادي من اختيار الضيوف بعناية يبعث على الاطمئنان .

الوقفة التاسعة – مقترحات :

في  ختام هذا المقال أسجل المقترحات التالية وهي هدية إلى ” حادي ” لعله ينظر إليها على أنها نصيحة من قارئ مخلص أمين  .

  • توحيد موضوع الندوة :

غير مناسب لندوة يشترك فيها أكثر من واحد وهي تختلف في المضمون فما يتحدث فيه عضو الندوة بالعربية لا يتحدث فيه عضو الندوة بالتقرنية ومعنى ذلك أن كل فئة ناطقة بلغة قد تحرم من الرسالة التي تقدمها اللغة الأخرى  وأن الجماهير كذلك تشتت في نقاشها فبعضها يناقش مضمونا والآخر مضمونا آخر وقد شاهدت بعض المتابعين يشكو بمرارة أنه لم يفهم من الورقة الفلانية  شيئا ويطالب بالترجمة   وهذه سلبية لا تساعد على تمرير الخطاب الموحد الداعي إلى النهوض بالشعب  مما يجعله  خطاب تشويش في الرسالة متعمداً  مخططاً  له فاعتماد موضوع مختلف وضيف مختلف من شأنه تقسيم الجمهور إلى فئتين مختلفتين في الوقت الواحد  ولهذا لا يليق بالمنابر الجامعة التي تريد تقديم رسالة مفاهيمية موحدة ان تعتمد في ندوة واحدة موضوعات متباينة يقدمها أشخاص متباينون وبلغات متباينة  .

  • تلخيص الموضوع وإعادة نشره في إصدارة مقروءة متضمنا آراء المشاركين

لأن هذا من شأنه إتاحة المادة المنشورة صوتا للقارئ ولصاحب القرار والفكر والرأي حتى يتم تداولها ورقيا أو ألكترونيا  لأن المادة المنشورة في الصفحات بالفيسبوك  لا تتيح  القراءة المتاملة المتأنية لارتباطها بالشبكة  القوية وحاجتها إلى أجهزة ذكية وليس كل الناس يمتلك هذه التقنية وهذه الإمكانيات خاصة أن الجمهور العريض الذي تستهدفه رسالة المقاومة هو جمهور المعسكرات وهم محرومون بحكم البيئة التي يعيشون فيها مما يتوفر لدى منظمي  الندوة والمشاركين فيها كما اقترح أن يحرص القائمون على إدارة هذه المناشط أن يدعوا إليها وسائل الإعلام المحلية والعالمية لتغطيتها عبر الفضائيات والإذاعات من باب تعميم الفائدة  . 

  • اختيار الموضوعات الأكثر إلحاحًا

لم ألاحظ ان ” حادي ” يطرح موضوعات خلافية وهذا جميل منه  لكني أقترح عليه  أن يخضع موضوعات الحوار  قبل تنفيذها للتقليب وإجراء دراسات بحثية اجتماعية وسياسية ثم ليختار من بينها ما هو ملح مثل موضوعات ،   وحدة وطن ،  وحدة الشعب ، طريق الحكم ، تصحيح التاريخ ، الدستور أهميته ومصادره ، الآثار السالبة لسياسة النظام على الوحدة الوطنية ، الخطاب الموجه إلى  الأطراف الإقليمية والدولية  أولويات العمل المعارض والمقاوم…والثوابت والمتغيرات في الوطن الأرتري…

  • الاستعانة بالجماهير في تحديد الموضوعات التي تستحق الطرح للحوار .

وذلك لأن الجماهير شريك أساسي في تحديد الحاجة وصناعة التغيير فمن حقها أن تقترح ومن الواجب أن يصغى لاقتراحاتها وهي المعنية بالنتائج من أجل أن تنهض بنفسها إلى  مقام العمل الثوري من محطة الفرجة الخاملة

آخر السطر :

انهيت المقال دون أن ينتهي بحثي  عن علاقة تربط  بين الورقتين وبين شعار الندوة ( الجماهير الواعية ضمان للتغيير ) !! وعلى كل حال فإن كانت الورقتان لم تحرصا على الالتزام الصارم بالشعار الرئيس  ولا ألتزمت إحدى الورقتين بحرفية عنوانها الخاص بها فإن الفائدة متحققة من خلال موضوعين مهمين عالجتهما الورقتان .فشكرا للضيفين وشكرا لحادي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *