د.حامد محمد حالفه يكتب : من وحي المؤتمر السادس للحزب الأرتري المعلم ” حادي “… تاتي ، تاتي ..خطوات متدرجة نحو الحزب الوظيفي الرشيد

تعرف الأحزاب  السياسية في الدول العربية والإسلامية وحكوماتها  بوجهها السلبي فهي في غالبها تأتي بانتخابات شكلية تزور إرادة الشعب، وعسكر يقمع المعارضين ، وفساد تحميه الأجهزة القمعية ،  وسلطة سياسية باطشة لا تراعي  حرمات الشعب، ولا تعمل على تنمية الأوطان،  ولا تقوى على تحقيق الأمن والرفاهية للمواطنين،   ولهذا فهي بغيضة متهمة بخلاف   الأحزاب والحكومات في الدول الغربية   وما يحكمها من نظم وقوانين  تعد أدوات وظيفية تدير أوطاناً وفق إرادة شعوبها  وهي قابلة للتغيير والتبديل والنجاح والفشل،  تستقبل النتيجة  دون ضجيج  وتتبادل الأدوار في إدارة أوطنها الآمنة الغنية ولهذا تهفو إليها أفئدة الهاربين من سيطان بلادهم ، و وتحتضن اللائذين  بها من ظلم أو فقر حكوماتهم ، فهي توفر الأمن والعمل والعدل والعيش الكريم ،  وهذا هو الوجه  الإيجابي لتلك القيم  في أرضها  وهي قيم مشتركة لا يأباها الدين  وهي تساعد في غرس التعايش السلمي بين المواطنين  فلو توفر لدولة أرتريا مثل تلك القيم النبيلة لكانت رغبة وأمنية تشد  إليها الرحال . وأملا في أن يطل الوجه الصبوح للحكم الرشيد  على أرتريا يمارس الشعب فيه السلطة تداولاً سلمياً وتنافسا شريفا هادئا  ويحكم بما شاء وكيف شاء ويقيم العدل ويحمي الحريات والحرمات  ويضبط اختيار وعزل وتعزيز قيادته  بالإجراءات القانونية المرعية.  بناء على ذلك تصبح تلك المبادئ  شعارًا محبباً يتشبث به كثيرون ، ويعشقه كثيرون . 

وإن كل التنظيمات غير الإسلامية في أرتريا تزعم أنها تمارس ” المبادئ الأساسية للإدارة الرشيدة في كياناتها التنظيمية  وفق مفهوم الديمقراطية ” باعتبارها الخيار المفضل عالمياً لإدارة العمل السياسي ،  والإسلاميون الأرتريون  يتفقون مع غيرهم في ممارسة الديمقراطية لكن تحت مسمى المصطلح الإسلامي ” الشورى ” لاختيار القيادة واعتماد النظم والسياسيات والأهداف والوسائل عبر المؤتمرات المنتظمة  مثل غيرهم  حتى وإن كانت هذه الممارسة عند بعض قوى  المعارضة الأرترية شكلية تثبت تكرار اختيار القيادة التاريخية لكل تنظيم  فتغييراتها ونتائجها تأتي بغير نكهة  جاذبة ومثيرة  ما عدا الحركة الإسلامية الأرترية – جناح الإخوان المسلمين خاصة – فإن ممارستهم الديمقراطية أو الشوروية كانت تفاجئ الناس بتغييرات هائلة في الأهداف والوسائل والأشخاص فمنذ ان كانت سرية كانت مؤتمراتها منتظمة تجدد لكل مرحلة أهدافا ووسائل وقيادات فليس عبثا أن تتناوب على قيادة الحركة أسماء تختارها مؤتمرات منتظمة فالأستاذ عثمان إدريس عنجوت كان أول رئيس للحركة الإسلامية الأرترية التي نشأت عام 1973م ثم توالت على قيادتها شخصيات أخرى اختارتها مؤتمرات  دورية لاحقة وهي على الترتيب :

  • أ. علي محمد محمود 1977م
  • الشيخ أبو العباس محمد علي إدريس عافه
  • د.محمد عثمان صالح
  • أ. ضياء الدين عبد الرحمن
  • الشيخ أبو نوال محمد إسماعيل عبده ( رحمه الله )
  • الشيخ أبو أحمد عرفة أحمد محمد  ( رحمه الله )
  • الشيخ أبو مصعب خليل محمد عامر
  • الشيخ أبو سمية صالح محمد عثمان

حتى أتى دور المؤتمر السادس ليختار الأكاديمي والنقابي الحاذق الدكتور أحمد صالح – وهو العاشر في سلسلة القيادة  التي تعاقبت على قيادة التنظيم خلال ستة وأربعين عاما منذ التأسيس  وكانت كل تلك القيادات أدارت  دورتها وهي تنعم بالحيوية والشباب والعلم والخبرة  إذ سوادهم  متوج بشهادة جامعية ، وبعضهم لديه شهادة فوق الجامعية   بالإضافة إلى ما لديهم   من دورات تأهيلية في القيادة والإدارة والريادة  إلى جانب طول الممارسة في العمل النقابي في كل مراحله السرية والجهرية .

وكانت مسيرة العمل الإسلامي الأرتري تجتهد حسب كل مرحلة بين التركيز على  الواجبات الدعوية والتربوية والتنظيمية السرية ثم الصوت الجهير أيام حركة الرواد ثم الجهاد المسلح في تحالف مع أطراف إسلامية أخرى ثم الخلاص والجزب الإسلامي  وفي كل ذلك  كان معها هدى ونور غير متناقضة مع نفسها ومع مبادئها وغير منقسمة على نفسها ظلت تحافظ على تماسكها التنظيمي والفكري   ومفهوم التنظيم لديها شعارًا واسماً  وأشخاصاً جسم وظيفي قابل للتغيير أو التعديل أو الاختفاء ليكون غيره أفضل منه في أداء المهام حسب الآليات المعتمدة وحسب المقتضيات الملحة .

وإن هذا لإنجاز ضخم في العملية التنظيمية والسياسية مقارنة بتنظيمات إسلامية أو علمانية لا تزال تتشبث بقيادتها التاريخية المؤسسة  وأنها لم تسلم من انشقاقات أو تصدع وتدابر بين القيادة وبين جمهورها على  الرغم من أن كثيرًا منها تعقد مؤتمراتها لتخرج منه بيانات غير مثيرة يقرأها من ظلت المؤتمرات تجدد له الثقة دون منافس وعلى الرغم من أن عددًا من القيادات في سن غير قادرة على إنجاز مهام لكونها تعاني علل وأسقام الشيخوخة أو أن بعضها تحتفظ ذاكرة جماهيره بسوء سيرته  من الافتتان بالمال والمنصب والعمالة للخارج الأمر الذي يجعله خاسرًا في التصدر لقيادة الشعب فضلا أن يكون قائدا ملهمًا يقود مبادرات شجاعة قوية لإنقاذ الوطن تقنع المواطنين للانضمام إليها ومناصرتها .

فهل يصبح ” حادي ” معلما يقتدي به في تمرير ” تاتي تاتي ”  يقتدي به الآخرون:

  • في تثبيت سيقانهم واشتداد عودهم في الممارسة الديمقراطية وفي القدرة على تجديد الأهداف وتحديدها وفق الظروف  الموضوعية  لكل مرحلة ؟
  • في القدرة على توسيع صدرها للتعاون مع الآخرين أو عقد الشراكة الذكية معهم للتعاون من أجل تحقيق الأهداف العامة.

.3-  في القدرة للتخفف من كل عائق يمنع التقدم والتطور في كسب الجمهور وتجاوز العقبات  حتى لو كان  المخفف عنه وصف ” الإسلامي ”  أو دعوى الأسبقية والأصالة  وكبر الحجم  ونبل الأبوة وحقوقها من الاحترام الدائم والتبعية المطلقة ؟

صعوبة التجرد من القديم :

كم هو صعب – نفسياً – أن يتجرد التنظيم من اسم قديم ارتبط به تاريخه وتضحياته ومسيرته النضالية ، وكم هو صعب أن يتجرد الإنسان من مبرر اعتمد عليه ميلاد تنظيمه،  كما ارتبطت به مشاعره ، وتربيته المستقيمة ،  ومع ذلك  قد يكون هناك دواع وطنية عامة لإحداث التغيير ؛ ولهذا وجدت دعوات  من حادبين  موجهة إلى  كل تنظيم أرتري ليتجرد من تباهيه بالتاريخ والأسبقية أو بكثرة الأتباع والإمكانيات أو   العلم والاستاذية والخبرة  أو التودد إلى داعمين أجانب والتقرب إليهم وبيان أنه المؤهل لمواجهة  خطر ” الإرهاب ” لإظهار أنه الأحق بالدعم وبالحمل على السلطة على ظهر الدعم الخارجي.

وفي ظرف يعجب فيه كل ذي رأي برأيه ، وكل ذي تنظيم بانتفاش أجنحته ومد عنقه كبرياء تظهر جدارة أهل الحق الذين يدفعهم دينهم القويم وخلقهم النبيل لصناعة تاريخ جديد للوطن والمواطنين  وكم هو جدير بالاحترام أن تعرف أنك على الحق

ومع ذلك تمحو ” باسم الله الرحمن الرحيم  ” لتكتب ” باسمك اللهم ”  وتمحو ” محمد رسول الله ” لتكتب ” محمد بن عبد الله ” من أجل الحصول على اتفاق سياسي  مفيد للطرفين  وليس غريبا أن يحس أنصار ومهاجرون كثيرون  بمرارة حذف ” الحق ” من أجل كسب الخصوم لتحقيق مقاصد أخرى شرعية  أعظم من الحق المحذوف  والنفس تتضايق من انتقاص ظاهر من حق على يد خصم عنيد جائر لكن السياسة الشرعية تجيز ” خرق السفينة ” حفاظاً على  سلامتها من سلطان جائر ” يأخذ كل سفينة غصبا”  ويأتي ” حادي ” اليوم ليكون المثال المحتذى به في  التجرد والتضحية بكل ما من شأنه تنفير الطرف الآخر عن النضال المشترك  و مثال يحتذى به في المحافظة على كل شيء من شأنه تقريب المسافة بين الأرتريين قيادات وتنظيمات وجماهير.

الوطن  للجميع :

انت مواطن لأنك تمتلك قطعة أرض ورثتها عن سالف أجدادك   والوطن اسم مكون من أجزاء صغيرة مقسمة على كثيرين بحكم الملكية الخاصة وبطرقها المرعية  . والضرورة جلبا للمنفعة ودفعا للمضرة توجب على المواطنين التعاون في تحقيق الأهداف المشتركة وليس لأحد الوصاية على الآخر من حيث الإقامة والسكن والمعيشة والحياة ولا من حيث الفكر والعقيدة والسلوك فهم سواء في الحقوق والواجبات والقانون ينظم ذلك ويبينه وهو شريعة المتعاقدين توجب الوفاء وهو من خلق الأسوياء الناضجين،  والسلام والتعايش  والتعاون والاحتكام للقانون والعقل والدين والعرف النبيل عوامل من شأنها أن توفر السعادة والأمن والرخاء لكلهم  فالإسلام لا يضع عراقيل في وجه بناء هذه الحالة  من العافية بين المواطنين وإنما يمنع ما يؤدي من الأخلاق إلى  العداء والخصومة والتظالم ويجعل الظلم ظلمات يوم القيامة  وفي الحديث القدسي ( أني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا )  .

واجب الدفاع عن الحقوق والحرمات الخاصة  :

ولأن الدفاع عن الحرمات مشروع تقوم جماعة بمبادرة تدافع أو تطالب بحقها الديني أو المادي أو الجغرافي والتاريخي  فهذه جماعة مخصوصة ولا تمثل كل المواطنين وقد تكون مظلومة محقة في السعي لتحقيق أهدافها وقد تكون ظالمة مخطئة معتدية تضل الطريق باختيارها .

والإسلاميون الأرتريون ضمن الحراك السياسي تكونت عندهم القناعة بأنهم مظلومون في وطنهم ودينهم وأنفسهم وحرماتهم فقامت مبادراتهم تدافع عن أهداف خاصة وتخاطب فئات خاصة من المجتمع فهل يلزم غير المسلمين أن ينهض معهم لتحقيق الأهداف الخاصة بالمسلمين. ؟

ربما تأتي المناصرة من مكارم الأخلاق  وربما تكون المناصرة  من واجبات المشاركة في الوطن  أي أنه إذا انتهكت خصوصيتي على يد ظالم فمن حق الكنيسة المظلومة أن ينصرها مسجد معافى  ومن حق مواطن في معهد ديني أن تنصره مدرسة في كنيسة ومن حق سكان مدينة يتعرضون لبلاء ان يجدوا المناصرة من سكان مدن أخرى ومن حق بيت يشتعل نارا ان يساهم في إطفاء النار كل سكان الحي دون السؤال عن صاحب البيت أو عن تفاصيل محتوياته .  فهذه مناصرة واجبة بحكم أن المواطنين شركاء  في الشدة والرخاء وفي العافية والبلاء   والإسلام يوجب على المسلمين  مناصرة المظلوم- حتى لو كان غير مسلم –  لمواجهة الظالم – حتى لو كان مسلما-  وهو عرف نبيل كان في الجاهلية وقد شارك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول  فإن كانت بعض قوى المعارضة أو الطوائف الدينية الأرترية لا تبالي بما يحدث لمسجد أو خلوة أو داعية وشيخ وتلزم الصمت تجاه ما يتعرض له المواطنون من غير ملتهم بناء على أن المظلوم كان تحت مظلة ذات خصوصية  ضيقة  من دين أو جهاد أو نشاط دعوي فهل توجد صيغة أخرى تجعل مثل هذا الفريق من المواطنين ينهض لمناصرة غيره  ..هل يجب على غير المسلمين  مناصرة المسلمين وهو يرى ويسمع عملا خاصا فيه جهاد واستشهاد وحشد طائفي عنيف توجبه ردود الفعل تجاه الاعتداء الذي يتعرض  له المسلمون الارتريون على يد نظام قمعي طائفي.

الجواب بـــ ” نعم ” قد لا يتيسر في ظل تعقيدات المجتمع الأرتري عقديا وعرفيا قوميا ولغات ومصالح وولاءات خارجية  ومهما قيل عن مبررات الطرح العقدي أو القومي والإقليمي فإنه لا يمتلك ماعونا يسع جميع المواطنين  من الناحية الفكرية والعقدية ولا من الناحية القومية ولا من  الناحية السياسية  ولهذا تضيق فرص مناصرته والثقة به  الأمر الذي يجعل المراجعة حتمية لكل التنظيمات ذات الماعون  الخاص أو الضيق سواء كانت إسلامية أو عربية قومية أو مسيحية أو إقليمية إذ ليس متوقعا ان يكون عضوا من قومية ” تقري ” في تنظيم مكون من  قومية الساهو أو البلين  والعكس صحيح …  وليس منتظرا أن يكون  من سكان الإقليم الجنوبي أو الشمالي أو البحر الأحمر ..عضوا في تنظيم كل منسوبيه من غير إقليمهم وأهدافه مطلبية خاصة بإقليم خاص دون غيره من الوطن الواسع .

التحرر من تنظيمات المواعين الضيقة :

ولهذا كان الطرح الإيجابي على كل التنظيمات الضيقة المواعين أن تحرر من العلة القاتلة التي تمنع الآخرين من التواصل معها علما أن هذا التحرر عسير لأن  الإنسان مجبول على حب الخاص  وغير ميال للواجب العام ويثق بالحالة التي بين يديه الضيقة وإن كانت عاجزة عن الوصول لتحقيق  أهداف أوسع

 وتتهيب  النفوس الضعيفة الضيقة كل حالة  تتطلب قدرًا كبيراً من المخاطرة  وإن حصل أن اقتحمت مخاطرة   تعرضت قواعدها وبعض قياداتها لحالة من الذهول والصدمة المؤلمة  فمن كان في عافية ضمن تنظيم قبلي أو إقليمي أو فكري قد تعتريه المخاوف المقعدة إذا رغب في توسعة الماعون ليعمل مع الآخرين بارتياح يتقاسمونه النصر أو الهزيمة ، و النجاح أو الفشل. وقد يتهيب أن يذوب  بدعوى أن الآخرين ماهرون في الابتلاع  وهذه مخاوف محتملة يتكئ عليها بعضهم حماية لكيانه فأولوياته ليس فيها حب الوطن أو العمل له بشكل واسع وإنما حصر نفسه في ماعون ضيق يرى أنه يستحق كل غال ورخيص .. ومهما قيل في تزيين الخصوصية ومهما سرد  من أسباب ومبررات التموضع في ” البيئة الآمنة” فإن الذئاب قد تصل إلى الغنم في مرابضها ، والثعبان قد يلتف في ثوابك الذي تتدثر به لتجد نفسك في عمق الخطر دون أن يكون لديك القدرة على الدفاع إن لم تكن قد ساهمت مع آخرين لبناء كيان جامع واسع ..والهزيمة أو النجاح ثمن للجهد المبذول من صاحبه فبقدر نشاطه وتفاعله وتفانيه يصبح قدوة صالحة تكسب كل يوم أنصارا وشعبا ومكتسبات مادية ومعنوية ومن تقاعس عن العمل والإنتاج فلا ينجيه كونه في جحر ضبٍ خربٍ،   أو في بروج مشيدة من قبائل أو عقائد أو أقاليم فالفناء يتصيد  النفوس العليلة  و يتهدد الكيانات الهزيلة الضيقة الماعون .

خطوات النمو التنظيمي :

كل شيء نام يبدأ من تمرير ” تاتي ، تاتي ” وتمضي الخطوات تتواصل متعثرة حتى تتروض على  الثبات ، والتنظيمات والجماعات مثل الأفراد ميلادا وترعرعا وتمكينا وهو يكاد يكون شأن كل مخلوق من حيوان ونبات وغير ذلك

والحياة الأولى ربي نقلها من طور إلى طور بسياسة ” تاتي ، تاتي ” من خلق السموات والأراضين وما حوتا وخلق آدم من تراب وطين وحمأ مسنون وصلصال ثم أتت الروح من الله للإعلان عن اكتمال خلق آدم  في طوره الناضج .

فلا غرابة أن يكون” حادي ” طورًا من أطوار الحركة الإسلامية الأرترية بجناحها الإخواني فهي كانت مبادرة كريمة  من طلاب علم طموحين ثم تحولت  إلى أطوار من  رواد وجهاد وخلاص وحزب عدالة عبر مؤتمرات منتظمة حتى بدت الآن في مؤتمرها السادس ” حزب الوطن الديمقراطي الارتري “حادي ”

وهو علم إيجابي  له دلالة متفائلة بلغات ثلاث لهن حضور مكثف في أرتريا العربية والتقرنية والتقرايت  :

  • ففي العربية هو  اسم فاعل من حدا يحدو أي ساق  يسوق بأهازيجه وأناشيده الإبل والناس سوقا مريحا يرفع عن السائرين ضجر الطريق ووعثاء السفر ، يرفع المعنويات ويزرع النشاط  والأمل  وحسن الفأل
  • و” حادي” بالتقرنية تنطق ممالة – بين الفتح والكسر – ومعناه : واحد  . وقد يراد به الأول من جنسه أو ياتي للتعبير عن التفرد والتميز وهو معنى إيجابي كذلك مقبول .
  • و” حادي ” بالتقرايت تفيد البحث والتنقيب عن المفقود أو عن المرغوبات  المخفية يقال : إب حادي ركبناه ، أي وجدناه بالبحث،   والأهداف السامية النبيلة ليست مبثوثة على  قارعة الطريق يلتقطها الإنسان دون بحث وعناء وتكبد مشاق وبهذا  يتضح لنا أن معاني ” حادي ” إيجابية في اللغات الثلاث إلى جانب أنه سهل النطق ، عذب الصوت،  متجانس الحروف،  نبيل المعنى  ولعله قد تم اختياره بإلهام من الله .

الحركة المعلمة :

من سنة الحركة الإسلامية الأرترية  أن تتدرج في أفكارها وسلوكها  منطلقة من ثوابت الشعب ، ومتغيرة في الوسائل والأهداف المرحلية ، ومستجيبة لكل دواعي التغيير الإيجابي،  وكانت تفاجئ الساحة كل مرة بحدث مثير وتتحمل تبعات صنيعها من ذامين قادحين يصفونها – ظلما – بما لا يليق ومن مادحين مشيدين ربما بالغوا في الثناء وأملوا  فيها أن تحقق لهم فوق طاقتها وامكانياتها ومع ذلك كانت قادرة أن تسوق  كثيرين من غيرها  بــــ ” تاتي ، تاتي ” تعلمهم المشي على السيقان اللينة حتى تشتد فاقتدى بها كثيرون  في الفكر والسياسة والسلوك  فالذي كان يحرم الصور ساكنها ومتحركها ، وكان يَتْعَبُ ويُتْعِبُ ويسبب الإرهاق لنفسه وللآخرين يصرف القيادة من نشاطها المعتاد  في أولويات العمل  الملحة  إلى مناقشة حكم الصورة  وحكم مشاهدة صورة المذيعة في التلفاز وحكم قراءة كتاب للشيخ فلان  اتخذ التصوير الآن مهنة له وصار له في موقعه خزانة صور تشهد وتوثق لمناشطه ، واتخذ من أفكار كان يعاديها  منهاجاً له في الحياة يلوذ به لمواجهة الفتن  ، والذي كان يصف المجاهدين – من يسار متطرف –  بأنهم الوجه الإسلامي القبيح تحول مع الصبر عليه ومع مرور الزمن إلى صديق متحالف ، والذي كان يحرم الجلوس مع العلمانيين أو العلماني الذي كان يترفع عن الجلوس مع الإسلاميين أصبح لسنين طويلة  يركب سفينة المعارضة  على مقربة محببة من العمائم واللحى الوقورة  الطاهرة كل ذلك لأن قادة الحركة الإسلامية مبادرون قادرون على نكران الذات وضرب المثل في الإيثار؛  لم  يتهافتوا  إلى شغل مناصب ، ولا إلى كسب مغانم أو جاه ،  ولم يتقربوا إلى  عدوهم بتقارير عن إخوانهم   وإنما كانوا سعاة وحدة ، وجمع صف، وأصحاب مبادرات إيجابية كان لها القدرة؛  أن تجلس مع كل الأطراف المتجانسة أو المتنافرة ،  ومراجعة منصفة تعطيك هذه الحقيقة من أيام التحالف الوطني الأرتري – 1996م –  أو جبهة التضامن – 2009م –  أو العلاقات الثنائية أو المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي- أواسا : 2011- فمن الذي يجهل دور الشيخ أبي ماجد حامد تركي أو الشيخ أبي نوال محمد إسماعيل عبده – رحمهما الله تعالى – أو دور ممثلي التنظيم بصفة عامة  فالحركة في كل ذلك كانت  وفية حاضرة فاعلة ولها مبادرات إيجابية  دون أن يكون من أهدافها تحقيق مكاسب خاصة بها أو دون التقليل من فعل الآخرين من مثيلاتها وهي الآن تفتح ذراعيها ليعمل غيرها معها ،أو تعمل هي مع غيرها بعد التخلي عن كل الأسماء ” الأصنام ” التي يتشبث بها العاجزون  وهي غير مغنية وغير منجية،  أتت الحركة إلى  الناس وقد تركت شبهة قد تكون مبررا للخصوم ،  أتت وقد غير المؤتمر السادس ألوانها الأربعة : اسمها وصفتها وقيادتها  وأولوياتها مع الاحتفاظ  بزهادتها في السلطة أو الجاه أو المال  أو عدم طمعها في الاستحواذ  على الساحة  .. ولهذا فمن المنتظر أن يقتدي آخرون بها في موقفها الأخير من تغيير اسمها إلى ” حادي ” وترتيب أولوياتها وفق مفاهيم وطنية أكثر سعة من مفاهيم عقدية خاصة  ليست محل اجماع وطني وخلفيات تاريخية انتهت مع ظروفها ومبرراتها  وحاضر ضاغط يوجب قراءة فاحصة  ، ومستقبل واعد له التزاماته  لا يتسع له  ثوب الماضي مهما كان مشروعا في وقته ومتصفا بمواصفات الجودة إذ أن لكل وقت فتواه وفق إمكانياته .

هل من حرج شرعي في ” الحركة المطلبية ” :

تحدث بيان ” حادي ” على أنه حزب وطني  من أهدافه تحرير الوطن من النظام المستبد ، بآلية سلمية  وبالعمل مع شركاء يتفقون معه في الهدف والوسيلة 

ومعنى ذلك أنه في قناعة تعبر عن حاجته لتعاون الآخرين معه وإنه تجرد عن وصف ” الإسلامي” حتى لا يكون ذلك معيقا يمنع الآخرين من التعاون الإيجابي مع المسلمين الوطنين  وأنه يطرح خيار إبرام شراكة أو وحدة مع أي تنظيم وطني تلتقي مبادئه مع مبادئ ” حادي ”

هذا التصور يعد نقلة إيجابية مبررة في زمن  كثرت فيه المعارضة الآن ضد النظام الأرتري  مع تباعد المسافات بينها التي يحافظ  فيها كل تنظيم منها باسمه وقاعدته وتقيده نظمه ومستوياته الإدارية ومصالحه. و” حادي”  حرر اسمه  من صفة  ( الإسلامي)  أملا أن تتجاوز المعارضة أصنامها وتلتقي في الأهداف المشتركة  لتعمل على تحقيق هدف كلها تؤمن به وتؤكد وحدة الصف لإنجاحه.

ربما كان في الماضي مستحسنا بحكم السياسة وصف ” الإسلامي ”  لقدرته  على حشد مسلمين أرتريين وداعمين  بهدف الدفاع عن حرماتهم التي شهدت اعتداءات سافرة وكان نافعا في وقتها حيث تدفق إليه المال والجنود إلى درجة افتتن فيها بعضهم بالمال والجاه ثم زالت المبررات عند قلة الدعم وعندما أصبح ” الإسلامي ” تهمة  تنفر التعاطف البشري والمالي فهل يجوز أن يتخلى عنه المسلمون من الناحية الشرعية؟

صحيح أن ” حادي ” قام بمراجعة شاملة لمقاصد الإسلام ، ومقاصد المرحلة،  وفق الإمكانيات المتوفرة ،ووفق المصلحة المقتضية ، ووفق النصوص الشرعية ، فحسم أمره،  وانطلق دون ان يبالي بضجيج الذامين،  أو إطراء المؤازرين؛  فهو كان يتوقع موقف الطرفين  فقرر الصبر  على الطرف الأول والعمل مع الطرف الثاني  ومع ذلك لا حرج ان نناقش الأمر من الناحية الفكرية الشرعية .

بداية الإسلام في ارتريا ،  كانت مطلبية  ؛ تريد تحقيق العدالة  والتنمية  والأمن .. لكل المواطنين  ولهذا تأسست جماعاتهم الأولى من ” حركة  تحرير أرتريا ، و الرابطة  الإسلامية ثم جبهة التحرير الأرترية  والحركة الطلابية فهي كانت مبادرة مسلمين لكنها كانت مشروعا وطنيا للجميع فأتى إليها غير المسلمين  حتى كثر سوادهم واحتشدوا .   فتاريخنا  القريب  كان نضالا وجهادا مطلبيا ، أما البعيد فالصحابة عندما أتوا إلى الحبشة كانت هجرتهم ليس من مقاصدها التمكين لشرع الله في الحبشة وإنما كانت عندهم مطالب محددة لا تتجاوز :

  • حمايتهم من جور خصومهم
  • إتاحة الفرصة لهم للإقامة والعيش في الحبشة
  • إتاحة الفرصة لهم للعبادة وفق تعاليم دينهم
  • يأتي واجب نشر دعوتهم إلى الآخرين من سكان الحبشة دون التنصيص عليه فأخلاقهم الطيبة وكلمتهم الهادئة واتصافهم بالحكمة أمور كافية لنشر الدعوة  دون أن تثير عليهم أهل الملة المضيفة  وسلطانها الحاكم.

ومكثوا في الحبشة سنين آمنين  في ظل العدل الحبشي وكان الوفاء متبادلا بين الضيف والمضيف فلم يغدر أحد الطرفين بصاحبه لا السلطان الحاكم اعتدى عليهم بشرطته أو شعبه ، ولا الصحابة شغبوا على السلطان يريدون المشاركة في السلطة  والثروة ، أو بدعوى أسلمة الدولة الحبشية وبسط الخلافة الراشدة فيها على منهاج النبوة  .

فهذا ميراث أصيل في تاريخ النبوة يصلح لإعادة الانتفاع به في ظرف مماثل فلا وجه لأحد يزعم أن الإسلاميين في أرتريا  تخلوا  اليوم عن إسلام كانوا  عليه بالأمس لأن  الأعراض والأرواح والأوطان والأموال مقاصد شرعية واجبة الحماية تحت كل راية ولا أحد من المسلمين أفرادًا أو كيانات يعطي رخصة لانتهاكها ولا يسمح لأحد من غير المسلمين أن يتجرأ على المطالبة بالاعتداء عليها  ولهذا نؤكد انه لا علاقة بين ” حذف ” صفة إسلامي من حزب وبين تلك المقاصد الشرعية التي يرعاها المسلمون كلهم استجابة لأمر دينهم فهي واجب الجميع وحماتها كثيرون  ليسوا منحصرين على حزب واحد  .

هل يجوز التخلي عن وصف ” الإسلامي “

مصطلح ” الإسلامي ” مألوف في التراث الارتري عرفا ومصلحة دون أن يكون مطلبا شرعيا تمليه نصوص معصومة  ولهذا ظهرت في الساحة الدعوية ” معهد إسلامي ، وخلوة قرآنية ، ومدرسة إسلامية  والداعية الإسلامي والإمارات الإسلامية ومثل ذلك ظهر في العالم  مصطلحات البنك الإسلامي والشركة الإسلامية والجماعة الإسلامية   كما ظهرت في أرتريا  مصطلحات أخرى تميز المسلم عن غيره من أهل الملل الأخرى في بعض المناطق التي فيها خليط من سكان مسلمين ومسيحيين وعلى سبيل المثال نجد رسم أو مجسم ” هلال ” في ذروة بيوت المسلمين  و” صليب ” في بيوت المسيحيين  يبدو ذلك حتى في ديار الهجرة في القطاطي بيوت القش والطين أو في منارات المساجد أو في أعلى  الكنائس  .

كما نجد  رسم ” صلاية  أو سجادة ” في جبهة  بعض نساء مسلمات  وصليب في جبهة بعض نساء مسيحيات  إلى جانب التباين الظاهر بين الطرفين في اللباس والعادات  والأعراف والأخلاق وطريقة التربية للأطفال وطريقة التعامل مع الأموات وهو تباين كثير منه ناتج عن تباين في تعليمات المصادر الدينية وبعضه مجرد تقاليد تمليها الرغبة في التشبث بالدين والحرص الشديد للتباين عن الآخر والتمايز فالمسلم في أرتريا  المستقيم – عرفاً – لا يبول قائما ويرى أن ذلك من فعل الكفار ويعير بذلك  المسحيين ( كستيناي شيان بطارو ) في حين أن ذلك قد لا يجد دليلا يحرمه شرعا ويشبه ذلك امتناع المسلمين من أكل ذبيحة النصارى على الرغم من إباحة ذلك من الناحية الفقهية الشرعية .

في الإسلام لا توجد أدلة شرعية توجب وصف كل منشط بالإسلامي  وإنما يريد الإسلام شرعية المناشط وأهدافها وشرعية الوسائل التي تحقق بها الأهداف فالتعليم الديني ليس بالضرورة أن يكون في ” معهد إسلامي ” إذ  يمكن أن يكون في المدرسة أو البيت أو القرية أو من الممكن أن يؤدي في واد تحت شجرة ظليلة  أو في المسجد  كما ان الناشطين الإسلاميين ليس بالضرورة ان يرفعوا لافتة ” إسلامية ” وإنما المطلوب شرعا القيام بالمهام والمبادرات الإيجابية سواء تعلقت بالدعوة والتبشير بالإسلام وتعليم أحكامه وإنشاء مؤسساته وإحكام مناهجه ،  أو تعلقت بالمصالح العامة كان تقوم جماعة تدافع عن الحرمات في مواجهة المعتدين أو تقوم جماعة بدعم الفئات الضعيفة من المجتمع بمال تجمعه من الأغنياء ، او تقوم مبادرة  بنشر الفكر الوسط والتعايش الآمن بين المواطنين أو تقوم جماعة بنشر الوعي الصحي وحماية البيئة وحماية الوطن من التلوث عبر تهذيب أخلاق المواطن  أو تقوم جماعة بتكوين فريق علمي بحثي محض يعمل في إنتاج بحوث محكمة تعالج قضايا الوطن بمختلف شعبها

كل ذلك مناشط يدعو إليها الإسلام  دون أن يشترط وصف ” الإسلامي ” في القائمين عليها جماعة كانوا او أفرادا  وسواء كانوا من ملة واحدة أو اشترك فيه مواطنون من خلفيات عقدية متباينة فالإسلام يبارك هذا النوع من المبادرات الإيجابية في المجتمع .

السطر الأخير :

إنه فقه جديد للعمل المعارض أتى به المؤتمر السادس لـــ ” حادي ”  الذي انعقد في شهر أكتوبر 2019م دون  أن يخبر بيانه الختامي عن تحديد المكان والتاريخ  وتفاصيل الفعاليات  ..وأكيد أنه إنجاز ضخم كلف المال والزمان والجهد المضنى في الإعداد والتحضير وإدارة الفعاليات الضخمة خلال أيام متوالية محاطة بحذر شديد يوجبه فقه الضرورة الملحة

وإنه عمل  ضخم أن تدير فعاليات مؤتمر تنظيمي يضم بحكم لائحته التنظيمية أعضاء مجلس الشورى وأعضاء الأمانة العامة ”  المكاتب التنفيذية”   والمصعدين من القواعد الجماهيرية والمنظمات الفئوية  وكلهم يركب الصعاب للمشاركة في المؤتمر المغترب  وأي نقص في العضوية بنسبة محددة نظامًا من شأنه فشل المؤتمر لنقص النصاب ، وتمضي معك عناية الله دون انكشاف سر المكان والزمان  والأشخاص والإجراءات التحوطية  حتى تنتهي المهمة بخير. إنه عمل ضخم أن تدير مؤتمرًا بهذه المواصفات وتنتهي إلى  نجاح مثير للإعجاب والدهشة  ، مؤتمر يرسل إلى العدو الذعر الشديد  ويهديه نتائج مقلقة ومزعجة وغير سارة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *