د.سعاد دنكلاي تخاطب بالقاهرة الاحتفاء بالذكرى السنوية لانطلاقة الثورة الأرترية

وتقديرا لمحتوى الكلمة تنشر وكالة زاجل الأرترية للأنباء ” زينا ” تنشر نص الكلمة التي ألقيت بتاريخ 31 أغسطس 2019م  . النص :

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبدالله عليه أشرف الصلاة وأتم التسليم ..

أيها السيدات والسادة … أيها الحضور الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يشرفني أن أكون بينكم الليلة في هذه المناسبة المجيدة الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاق الثورة الإرترية في الفاتح من سبتمبر من عام ١٩٦١ م

ذكرى إعلان الكفاح المسلح ، وهو تحول كبير في مسار الثورة والمقاومة الإرترية ضد المستعمر والمحتل ، وهو أيضا تأكيد بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ومصداقا لقوله تعالى :

( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)}  سورة الحج : 39-40

فالتدافع سيظل موجودًا بين الحق والباطل بين الخير والشر بصور وأشكال مختلفة الى أن يرث الله الأرض ومن عليها

ومن هنا وجب علينا العمل والثبات على الحق ومحاربة الباطل والظلم والقهر دون انتظار للنتائج ، والاجتهاد وفق سنن الله في الكون من الاستعداد والأخذ بأسباب النصر والتمكين دون الركون على عدالة قضيتنا فقط فسنن الله في كونه لا تحابي أحداً

أما النتيجة أو النصر فهو بقدر الله ينزله وقتما يشاء إن الله قوي عزيز .

وأنه عند مواجهة العدو لابد من ترك كل الخيارات مفتوحة (سلمية أو حمل السلاح) ليكون التنقل المرحلي فيها هو الأساس و وفق الظروف والعوامل الداخلية والخارجية والأوضاع المحيطة دون إلغاء فكرة على حساب الأخرى .

والحديث عن انطلاق الثورة وإعلان الكفاح المسلح يعني بالضرورة الحديث عن عواتي ورفاقه أولئك الرعيل الأول الذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الوطن لينعم ابناؤه بالحياة الكريمة ، ذلك الجيل العظيم الذي اجتمع في حب إرتريا وشعبها ولم تفرقهم مناطقهم أو قبائلهم أو عشائرهم ، جيل كان يعرف من هو عدوه تماما ويوجهه بندقيته نحوه .

إنه جيل سطر المعجزات فعندما تقرأ في معاركهم وبطولاتهم كأنك تقرأ في قصص الروايات والخيال!

ففي معركة آدال بضعة عشرات من الرجال ببندقيات بدائية متهالكة يخوضون معركة لسبع ساعات متواصلة ضد ثلاثمائة جندي أثيوبي مسلحين بأحدث الأسلحة النارية في وقتها ، وليس هذا فحسب بل تنتهي المعركة لصالح هؤلاء الأبطال الأشاوس    ويكبدوا العدو خسائر فادحة في الأرواح ولم يفقدوا إلا شهيدًا واحدًا …. وتتوالى بعدها المعارك وتستمر البطولات ويسقط منهم الشهداء في مواقف بطولية نادرة

في معركة ( هناق هنجر) يصاب القائد عواتي في ذراعه ويستمر في القتال رغم إصابته ويغنم الثوار بنادق من العدو ، وهاهو البطل ( محمد أبرا ) تتعطل بندقيته القديمة المتهالكة في وسط القتال المحتدم ، فيقوم بتكسيرها بالحجارة حتى لا تكون مغنما للعدو ثم يستل سيفه ليهاجم جنودا بأسلحة نارية !! .. لله درك ماأشجعك ! … أي بطولة هذه ؟! .. وأي قلب تحمل بين جنبيك ؟!!

فلا استسلام ولا يأس حتى آخر رمق وحتى آخر قطرة دم … عظمت إرتريا في نفوسهم فصغرت أمامها كل التضحيات .

يقع بطلنا مغشيا عليه ليأخذه العدو أسيرا ولأن المحتل يريد إذلالهم وإخضاعهم وكسر شوكتهم عسى أن يتوقف هذا المد الثوري المتنامي فيأمر الشهيد أن ينحني ويقبل العلم الأثيوبي ! .. ولم يعلم أن هؤلاء الأبطال باعوا أرواحهم لخالقها منذ أن قرروا الخروج للجبال فلا عودة لهم إن لم تعد إرتريا لهم ، يبصق محمد أبرا في وجه الضابط الأثيوبي وهو يقف بعزة وإباء دون أن يرتجف له طرف أو يرمش له جفن فيرديه الضابط الأثبوبي برصاصه شهيدا وقد استشاط غضبا فلم ينل ما أراد وما بردت نفسه .

هؤلاء آباؤنا.. هؤلاء هم الرعيل الأول ، وإننا إن كان لنا حق الاحتفال بذكرى هذا اليوم فإن لهم علينا أيضا حقوقا يجب تأديتها تجاههم ،

والتقصير تجاه الرعيل الأول يشمل الحكومة أو النظام القائم والمجتمع الإرتري :

فأما الحكومة فمرفوع عنها القلم فإنها حتى وقت قريب كان عواتي ” شفتا” قاطع طريق وتحول بالصدفة المحضة الى ثائر !! … ولو استطاعت محو ذكراهم من عقولنا لفعلت .

وأما المجتمع فأحمله العبء الأكبر في التقصير تجاه الرعيل الأول ، فلا خير في شعب لا يقدر رموزه وواجبنا تجاهم من جانبين :

الأول : تفقد أحوال الأحياء منهم والسؤال عنهم والعمل على اكتفائهم واستغنائهم ماديا ودعمهم معنويا وتكريمهم في مثل هذه المناسبات الوطنية والاحتفاء بهم .

إن اهتمامنا بالمناضلين والمقاتلين القدامي وأسرهم هي دافع لكل من يبذل روحه رخيصة فداء للوطن أن لابنائه من بعده آباء يعتنون بهم ويقومون على شؤونهم ولوالديه المسنين أبناء يبرونهم … وهكذا يستمر العمل المقاوم .

 

الثاني: حفظ تاريخهم وسيرهم الذاتية وتوثيق مذكراتهم وعموما نحن الإرتريين لم ندون بعد المرحلة النضالية كما يجب ، وإن وجدت بعض الكتابات هنا وهناك ولكنها ماتزال قاصرة ، وخاصة السير الذاتية والشخصيات العامة وقصص البطولات الملحمية التي خاضها شعبنا في معاك التحرير ضد أقوى جيوش القارة.

ومن هنا أدعو كل من له صلة بالتاريخ أن يدون ما عاصره وشاهده وخاصة ماله صله بعواتي ورفاقه الاثني عشر سواء في ساحات القتال أو باقي مناحي الحياة .

وأدعو المؤرخين ومراكز البحوث والدراسات وكل من له صله بتوثيق شهادات الأحياء منهم وجمعها وأرشفتها لنقلها للأجيال القادمة .

وإن كانت الكتابة والتوثيق مهمين بالعموم فإن توثيق حياة عواتي ورفاقه الاثني عشر لابد أن تحوى جميع جوانب حياتهم منذ الطفولة لما لها من أهمية خاصة لرمزيتها ، ولما فيها من إحياء الروح الوطنية وإعلاء قيمة حب الوطن فوق كل اعتبار وبث معاني العزة والكرامة ومقاومة الظلم والوقوف في وجه الطغيان رغم فارق التكافؤ في العدة والعتاد ، وأن إرادة التحرر لايعيقها شيء إن صدقت النوايا ،

لعله يخرج من بيننا عواتي جديد لتحرير البلاد والعباد .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *