مقالات وآراء

رحيل الأمين محمد سعيد إلى مصيره المحتوم

أ. د. جلال الدين محمد صالح

رحيل الأمين محمد سعيد إلى مصيره المحتوم

يعد الأمين محمد سعيد من أهم وأقدم مناضلي الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا ورجال صفوفها القيادية، آمن بعدالة قضيته الوطنية ووهبها كل حياته، غير أنه قرر أن يختم سيرته النضالية بالوقوف إلى جانب الدكتاتور الظالم متفانيا في خدمة سياساته القمعية، واصفا نظامه السياسي بأفضل الأنظمة الأفريقية في إرساء الأمن والاستقرار، وبسط الحريات!.

وكان صوته أجهر الأصوات المؤيدة للدكتاتور في تبرير اعتقال رفاقه الخمسة عشر، ملصقا بهم تهم الخيانة والعمالة التي لفقها رأس النظام عليهم.

وهكذا رضي الأمين لنفسه أن يكون جزء من الآلة الاعلامية التي سخرها النظام لتشويه تاريخ هؤلاء المناضلين من قادة الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا.

وعليه ليس الأمين محمد سعيد بعد الاستقلال هو نفسه قبل الاستقلال، فإذا كان الأمين محمد سعيد ذلك المناضل الذي حمل القضية على عاتقه، وعانى في سبيلها مرارة الحياة، فإنه فضل أن يختم حياته على نحو لا يتناسب مع ما قدمه في حياته النضالية بالنسبة لكل مناضل ناضل من أجل كرامة الإنسان الارتري، والأمور بخواتيمها.

وها هو الآن يموت كما يموت أي كائن حي، غير أن الفارق في ميتته هذه أنه خلف من ورائه صنما أسهم في نحته.

وفي حين أن بعضا من رفاقه تنبه للخطأ التاريخي الفاحش الذي ارتكبه في حق تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا، والشعب الارتري بنحته هذا الصنم، واصل الأمين محمد سعيد في التقديس له، وإيقاد البخور في معبده، وتلميع صورته البشعة، وتضليل كل من له قابلية التضليل من الشعب الارتري .

وها هو اليوم يرحل المناضل الأمين محمد سعيد، ليقف بين يدي خالقه، وهو رب عادل لا يظلم عنده أحد، أسأل الله أن يعامله بعدله.

وقد غادر الحياة كما يغادرها كل حي، تاركا من ورائه هذه المأساة الكبيرة التي يعيشها الشعب الارتري اليوم تحت سطوة جبروت النظام الذي سانده الأمين حتى آخر رمق من نَفَسِهِ، دون أن يسجل كلمة تنديد يُذكر بها ضد سياساته، فقد فضل أن يموت على فراشه وهو يروج له، ويبرر بطشه، على عكس رفيقه وابن قريته (حرجيجو) وقائده في قوات التحرير الشعبية، المناضل محمد علي عمرو، الذي لم تطاوعه نفسه الأبية على السكوت، وهو مثقل بالأمراض المزمنة، وفي عمر الشيخوخة، الثمانين من العمر تقريبا، فكان جزاؤه السجن، بين عجز مهين من رمضان محمد نور، ورمضان أولياي، والأمين محمد سعيد، ليس لهم من الأمر شيء حتى يحولوا دون اعتقاله أو يعرفوا عن حاله.

وفي النهاية الموت واحد لا يتعدد مهما تعددت أسبابه، ولكن الناس هم من يختارون الكيفية التي يموتون عليها، فمنهم من يموت مطبلا للظلم، متحالفا معه، خائفا منه، مطأطئا له رأسه، ومنهم من يرفض العيش في ظله، لا يتحمل تجاوزاته، فيغادر الوطن ويعيش في المهجر، ليواصل نضالاته من الخارج، وآخرون يتحدونه ويفضلون سجونه فيدخلونها، ومشانقه فيعانقونها بكل فخر منقطع النظير، وشجاعة فائقة الحد، ومنهم من يسقط شهيدا في محاولة انقلابية، يتحرك فيها بدباباته لتخليص الشعب من قبضته، ولهؤلاء ينحني التاريخ تعظيما وتقديرا.

وإن رحيل المناضل الأمين محمد سعيد اليوم، سيتبعه لا محالة رحيل حليفه الدكتاتور الصنم، وربما في الأيام القادمة القريبة، والآجال بيد الله، ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأي أرض تموت.
ولا ندري نحن بالضبط إلى ماذا ستنتهي الحالة الارترية يوم يتهدم هذا الصنم فيسقط ويختفي عن ساحة الوجود، كما تتهدم أمام أعيننا أهم أركانه من أعوانه؟.

التاريخ سيذكرهم بما خلفوا، وستلاحقهم لعنات المظلومين، من المسجونين، والمقتولين.

اللهم أرحنا من الظالمين الذين عاثوا في الأرض فسادا بظلم عبادك، وزوروا الحقيقة، ولا تفتنا بعدهم، ولا تولي علينا شرارنا من أمثالهم وحلفائهم.

أ. د. جلال الدين محمد صالح

15/11/2021

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى