عبد الرحمن السيد في حواره مع ” زينا ” : العالم لا يريد انهيار دولة جديدة حفاظاً على مصالحه ولهذا يدعم نظام أفورقي

* النظام في أرتريا يقوم بإبادة المجتمع بأكمله وقتل الذاكرة الجمعية باستهداف المثقفين والكبار والأعيان حتى يورث البلاد لقوم آخرين بدلاً من السكان الأصليين.

* إن أكثر من 99 % من اعتقالات النظام استهدفت معارضة الداخل مما يؤكد تأثيرها وفعاليتها فعلى معارضة الخارج التنسيق معها ودعمها لرفع الوهن عن نفسها

 

أجرى المقابلة باسم القروي ( الحلقة رقم 1 / 3 )

 

سؤال بدهي لكل من يعيش خارج الوطن: لماذا تركت أرتريا؟ ومتى ؟..صف لنا تجربتك الشخصية لمسارات هجرتك ومتاعبها . ففي التاريخ عظة وهدى .اجعله متاحاً لقارئه لو تكرمت يا أبا هاشم

تركت ارتريا بسبب الحروب الطاحنة التي كانت تتسبب في توقف التعليم والحياة الطبيعية بالإضافة الى سياسة التجنيد الإجباري التي كانت تمارسها سلطات الاحتلال الإثيوبي و الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا..فبعد التحاق اثنين من إخواني الكبار بالثورة الارترية – أحدهم بجبهة التحرير وهو عثمان أمد الله في عمره وسمير الذي التحق بالجبهة الشعبية واستشهد في معارك التحرير  رحمه الله وجميع شهداء ارتريا الأحرار-  انتقلت إلى أديس أبابا في إثيوبيا في العام 1984 لمتابعة الدراسة هناك للمرحلة الثانوية ومن أديس  بعد نحو أربع سنوات أتيت إلى بريطانيا وعمري كان 19 عاماً وهنا تابعت الدراسة الجامعية وما بعد الجامعية و بعد التخرج التحقت بالعمل الإداري بالقطاع الأهلي ومن ثم انتقلت إلى القطاع العام الحكومي في مجالات إدارة مشاريع التنمية الاجتماعية و التعايش السلمي في ظل المجتمع المتنوع. كنت أرغب في العودة إلى ارتريا مباشرة بعد التخرج حيث كنت قد درست “العلاقة الدولية” واعتقدت إنني استطيع المساهمة بما درسته سيما وان تخرجي الجامعي كان في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي أي كان قد صادف استقلال ارتريا، ولكن وبحكم نشاطاتي وبغضي المعلن للديكتاتورية والاستبداد فقد نصحني الزملاء و الأصدقاء بعدم التسرع في العودة وها أنا انتظر منذ ذلك الزمن موعد العودة إلى الديار بإذن الله لانني و منذ نعومة أظافري أعيش القضية ارتريا بشكل مستمر ولا زال الهاجس الارتري هو الذي يسكنني حتى في هذه اللحظة.

3 – من أين بدأ ؟ وأين وصل ملف المعتقلين في أرتريا وملف حقوق الإنسان؟

هذا الملف طبعًا من أهم الملفات الارترية ووصل إلى أروقة الأمم المتحدة  وإلى مجلس حقوق الإنسان ولنا حاليا  مقرر خاص تابع للأمم المتحدة وهي السيدة شيلا كيثاروث و تعمل لمتابعة حقوق الإنسان في ارتريا منذ عام 2012 و كانت جزءاً من لجنة التحقيق في عام 2015 التي أنجزت تقريراً كاملاً و شاملاً حوالي 500 صفحة وتطرقت اللجنة في هذا التقرير إلى أن ما يحدث في ارتريا هو انتهاكات لحقوق الإنسان تصل إلى  “جرائم ضد الإنسانية” هذه الجرائم يعاقب مرتكبوها بموجب القانون الدولي  والأمر اللافت أيضا أن هذه الجرائم ظلت ترتكب في ارتريا لربع قرن يعني ل25 عامًا ولهذا يكاد يكون النظام الأوحد أو الوحيد الذي  تم إدانته بمثل هذه الاتهامات ولكن تنفيذ هذا القرار أو الاتهام وتقديمه إلى المحاكم الدولية والإقليمية يحتاج إلى إرادة دولية و إرادة الدول السياسية تحديدًا وطبعاً توقف عند هذا الحد حاليًا وبالنسبة للمقرر الخاص قد يتم تمديد الفترة الزمنية للتحقيق لمدة عام لكن في الأرجح قد لا يتم ذلك لأنها قامت بكل ما تستطيع أن تقوم به من تدوين وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في ارتريا.

طبعًا  النظام لم يتوقف عن الاستمرار في ارتكاب جرائم حقوق الإنسان وجرائم بحق الإنسانية لهذا آخر متابعتنا كانت تشير إلى ارتكاب أو اعتقال الأطفال و الشيوخ والنساء ليس لأي سبب يذكر حتى هذه اللحظة وإنما لمجرد أنهم شاركوا في  مراسيم الدفن لشهيد مسن تجاور عمره التسعين عاماً وهو الحاج موسى محمد نور ولهذا السبب تم اعتقال عدد كبير من الناس اللذين شاركوا في جنازة الحاج الشهيد موسى محمد نور وهذه الجرائم  مستمرة في الإخفاء القسري وقتل الناس  في المعتقلات وعدم إظهار أماكن اعتقالهم وأسباب اعتقالهم وحتى تقديم أي نوع من الاتهام بحقهم  فانتهاكات حقوق الإنسان في ارتريا تمارس بشكل ممنهج لجعل ارتريا غير قابلة للحياة . البعض كان يعتقد في يوم من الأيام أن هذه الانتهاكات هي قد تكون محصورة على من يعبر عن رايه بحرية او يعارض توجه النظام ولكن الآن اتضح أنه ليس مجرد اختلاف رأي أو نهج دكتاتوري وإنما يعتبر نهج لإبادة مجتمع بأكمله من خلال تفقير الدولة من القوة الحية الشبابية وكذلك  إسكات الصوت وقتل الذاكرة الجمعية من خلال إخفاء المثقفين والكبار من المجتمع وأعيانهم وهكذا .. فما يمارس في ارتريا من انتهاكات لحقوق الإنسان يصل إلى محاولة  لتغيير معالم دولة وإسقاطها ربما في أحضان المستنقعات التي ليس لها مخرج وإعادتها إلى شكل من أشكال الاتحاد والوحدة مع طرف من أطراف الدول الأخرى، انه أمر خطير جدا ما يحصل الآن في ارتريا والتركيز على أبناء ارتريا الأصليين  وارتكاب  كل أنواع الجرائم بحقهم وهذا كله يحتاج إلى توقف وإعادة النظر حتى في تقديرنا وتفسيرنا  لقضية انتهاكات حقوق الإنسان حتى نعرف هذه المجموعة التي ترتكب هذه الجرائم  منطلقاتها وأهدافها  بدقة أكثر مما كنا نتصوره في السابق.

4 – على الرغم من نشاط المعارضة الأرترية في الخارج لا تزال تنفخ في رماد في رأي كثيرين ..من أين يأتيها الوهن ؟

بالنسبة عن وهن المعارضة ومن أين يأتي هذا الوهن طبعا هناك إشكالية كبيرة لهذه المعارضة أولا وجودها في خارج البلاد يجعل منها أقل تأثيرًا على ما يحدث داخل ارتريا لئن كنت تريد أن تقاوم أو تعارض نظام قائم داخل ارتريا يجب أن يكون لك  وجود سواء كان سرياً أو علنياً داخل ارتريا وسط الجماهير حتى تستطيع أن تؤثر ما عدا ذلك لا تستطيع أن تقوم بدور فعال  ينتج عنه  تأثير على مستوى الوضع القائم في ارتريا، الأمر الثاني الذي يجعل من هذه المعارضات واهنة هي تركيبتها المتشعبة وأحيانا المنافية لمتطلبات الواقع والمرحلة النضالية، فبعض فصائل المعارضة هي استمرار لمسيرة جبهة التحرير الارترية أي وجدت نفسها في هذا الموقع دون أي استعداد وتهيئة لمراحل ما بعد خروج جبهة التحرير من الميدان في عام 1982 م و ثم ما بعد التحرير في عام 1991م وإعلان الاستقلال في عام 1993م فاستمرت على ذات النهج الذي كان متبعا في عهد الثورة وهذا بالتأكيد له خلل باعتبار كل فترة و أخرى تختلف عن سابقتها وتحتاج إلى توقف و تقييم وإتباع آليات ووسائل تكون مناسبة لها، هذا لم يتم وان تم لم يكن كافياً وعلى ما يبدو انعكس ذلك على وهن وضعف المعارضة، الأمر الثالث المعارضة تري نفسها هي كفيلة ومسئولة عن ( إسقاط النظام )  وهي بعيدة كل البعد ولا تمتلك أي إمكانيات مادية أو أي نوع من الإمكانيات وهذا يجعلها أيضا غير واقعية في حساباتها وخطابها و وسائلها المتبعة. المعارضة التي لا تخطط وتعمل ليكون لها حضور في الداخل أو على اقل تقدير للعب دور تكاملي مع معارضة الداخل فمصيرها هو الضعف والوهن، للأسف الشديد. البعض قد يشكك في وجود معارضة في الداخل حتى يتكامل معها، لكن كل الحقائق والمعطيات تشير الى وجود معارضة داخل ارتريا و داخل حزب العصابة المتسلطة بدليل أن من يُسجن ويُعتقل أكثر من 99 % هم  من الداخل وليس الخارج  إذا هناك فعلا قوى تعارض النظام سواء كانت من داخل النظام أو من المجتمع الأرتري بأكمله لكن هذه القوى ليست لها علاقات عمل وتنسيق مع من هم في الخارج وهذا أيضا يساهم في  ضعف قوى المعارضة، الأمر الرابع طبعا هناك صراع بين مختلف فصائل المعارضة في الخارج الذي يأخذ حيزاً كبيراً من اهتماماتها ووقتها ويظهر ذلك جليا أثناء تقاسم الحقائب في داخل التحالفات و المؤتمرات، يصل بهم في الغالب إلى حرب كلامية مفتوحة مما يكون له تأثير سلبي على معنويات الجماهير التي تتحفظ عن الالتفاف خلف هكذا فصائل، لأن هذه الفصائل في وجهة نظري تعتقد أنها هي السلطة البديلة ولو كان بشكل موقت أو انتقالي في ارتريا وبالتالي تعطي الأولوية لحسم الصراع حول السلطة قبل أن تصل إلى أرتريا  فتفشل وتفشل معها في اغتنام أي فرصة للملمة قوى و إمكانات المعارضة لمواجهة عصابة الهقدف، وهذا قد يعود الى عدم إدراكها لواقعها الذاتي وللتحديات التي تنتظر أي قوى تسعى لإلحاق الهزيمة بالاستبداد والعمل على التحول الديمقراطي.

بشكل عام نستطيع القول بان المعارضة في الخارج تفتقر إلى أمور كثيرة منها مادية وجماهيرية اي عدم التفاف الجماهير حولها وعدم استطاعتها لمراجعة وتقييم نفسها و ادائها وعدم قدرتها التقدم بمشاريع عملية مقنعة للآخرين أو عدم قدرتها في اتخاذ أدوار مختلفة عما  كانت عليه. ليس عيبا الاقرار بالعجز ومحاولة البحث عن وسائل قد تكون أكثر نجاعة بدلاً من الاستمرار في البقاء في خانة العجز و السلبية. الشعب كفيل بإقامة تنظيمات وأحزاب في أي لحظة يرى في ذلك فرصة مناسبة. فشل وسيلة يوجب تغييرها والبحث عن بدائل أفضل.

علما أن وجود المعارضة في الخارج ووجود مكاتب لها هنا وهناك لا يعني شيئا ما لم يكن هناك عمل ملموس داخل ارتريا يوجع النظام .

5 – لم لا يتوقف النظام الارتري عن انتهاكات حقوق الإنسان .. هل من فوائد يجنيها من انتهاج سياسة القسوة ضد مواطنيه؟

 

أجبت على السؤال سابقا فالنظام يعيش على انتهاك حقوق الإنسان بشكل ممنهج ،وظل يتبع هذه  السياسة منذ أن كان في الميدان ،قبل التحرير في الساحل ، وإذا لاحظنا أعماله الإجرامية لم تقتصر على مناهضيه أو معارضيه سياسة و رأيا ، وإنما ظل يرتكب جرائم القتل والإخفاء القسري ،بحق الأعيان ، أعيان البلاد وأعيان المجتمع ، حتى لا يكون للمجتمع من يلتف حوله ومثال أخير للضحايا من هذا الصنف هو الحاج موسى محمد نور، ظل النظام يقتل ويخفي قسرًا حتى الشخصيات التي يكون لها تأثير، اجتماعي ، لإسقاط  هيبتها  وإخفائها كان ذلك ولازال جزئا من سياساته  ، وهكذا  يستطيع أن يستمر لفترة أطول في اعتقاده ويورث أرتريا  مجتمعاً قد يكون دخيلاً على قيمها الاجتماعية والثقافية.

6 – هناك جهود يقوم بها النظام الارتري لتحسين صورته أمام العالم وتشويه معارضيه فيم تتمثل هذه الجهود ؟ وهل تشكل خطرًا على ملف المعتقلين وحقوق الإنسان في أرتريا؟

النظام هو عدو نفسه بقدر ما هو عدو الشعب الارتري، ليست له إمكانات دبلوماسية و إعلامية لتحسين صورته أمام الراي العام العالمي و الأكاذيب التي كان يستغلها طوال هذه السنين الآن أصبحت مكشوفة أمام الجميع وأصبح حالياً عاجزاً عن تغيير نهجه، اذكر في عام 2008م و 2009م كنا ننشط في الاتحاد الأوربي وكان المسئولون في الاتحاد الأوروبي يتحدثون إلينا بأنهم يسعون لفتح حلقات ووسائل حوار مع النظام لعلهم يقنعونه للتوقف عن انتهاك حقوق الإنسان والتعاون مع “المجتمع الدولي” و كنا نقول هذا لا يمكن لان هذا النظام  ولد وتربي على ارتكاب الجرائم وممارسة الاستبداد وبالتالي لا يستطيع أن  يتغير و يصلح حاله وفي الأخير كان كلامنا صحيحاً و الأوربيون اكتشفوا أن النظام لا يستطيع الآن القيام بأي إصلاحات في نهجه و سياساته لكن الذي يساعده في الاستمرار هو غياب المعارضة القوية في الداخل تستند على الشعب الارتري و تهز أركانه، والعالم الخارجي يتعامل مع النظام كأمر واقع وخوفا من “فراغ” في السلطة الذي قد يسببه غياب نظام شمولي، هذا الأمر يولد هواجس لدى الدول باعتبار انهيار دولة قد ينتج عنه مخاطر على الأمن والملاحة الدولية لا سيما وان ارتريا لها موقع حساس جدًا على البحر الأحمر و باب المندب الذي يمر عبره نحو 95 % من نفط الخليج كذلك التجارة العالمية و الملاحة الدولية فبالتالي العالم لا يستطيع أن يتحمل انهيار دولة تضاف على دولة الصومال   في هذه المنطقة، هذا الذي يساعد النظام على البقاء وليس لأنه يستطيع من تحسين صورته،  لكن في حال وجدت معارضة قوية متحدة في أهدافها وأدواتها وتستطيع أن تعمل بشكل استراتيجي وموضوعي قد تحدث  شرخا في داخل النظام ولا ننسى أن الكثيرين داخل هذا النظام قد يكونون مضطرين للبقاء معه ليس حبا فيه وإنما فقط لعدم وجود بديل مقنع،  و أمثال هؤلاء يعتبرون رصيدًا لأي عمل معارض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *