في حوار مع وكالة زاجل الأرترية للأنباء الخبير الإعلامي والشاعر أحمد شريف: الناطقون بالتجرنية موضوعيون في نقاشاتهم مقارنة بالناطقين بالعربية

كل دروب الإبداع ، مطية الغواية والانحراف ما لم تهذبها الكوابح العقلية والخلقية

هذه هي سلبيات إعلام الداخل و الخارج ولم يولد  الإعلام المهني حتى الآن

 (6120) يوما قضيتها في خدمة الوطن لا خدمة النظام   أفخر بها  ولا أخجل منها

من في عقله شطط التطرف الموغل استعذب رمينا بـ”خدام البلاط أو حارقي البخور!!!!

أجرى المقابلة أ. باسم القروي ( الجزء رقم 1 من المقابلة)

كان كثيرون غير مستبشرين بسيطرة الجبهة الشعبية على البلاد فأحجموا  عن العودة معارضين  وأحمد شريف – مثل آخرين – سجل حضورُا فاعلاً في العاصمة الخضراء الغائمة دوماً أسمرا عروس البلاد وأمضى سبعة عشر عاماً يتقلب بين مراقيَ وظيفية ومنازل ثقافية واجتماعية وسياسية .. قبل أن تحمله قدماه إلى استراليا مهاجراً ف(هل أنا أمام “الجبهة الشعبية” ولاء ومشاعر ودعما ، مثل كثيرين هربوا من النظام ، وأخذوا يلتقون معه بخيوط راقصة ، ونوافذ ومنافع وهوى؟) كان ذلك واحداً من ثمانية عشر سؤالا فرشتها أمامه  فأجاب بثقة وخبرة وصبر وحدة ولغة رصينة .

 هممت أن أكتب مقدمة مادحة  بالقدر الذي عرفت عنه فرأيته يفضل أن يوصف بأنه ( الخبير الإعلامي الشاعر الأديب )- ولو شئت لزدته أوصافاً وأنا صادق –  لاحتفائه  بالشعر لتمكنه فيه، ولاحتفائه بالإعلام لتخصصه فيه ؛ نظرياً وعملياً. المقابلة أظهرت أن شريف قضى سبعة عشر عاماً بعد التحرير  يرى أنه أمضاها مع الوطن لا مع النظام وينكر أنه خدم البلاط لكنه لبى واجب الوطن  حين أحجم كثيرون وفي الوطن تنقل من غصن إلى غصن في تفاصيل طموحة ذهبت به إلى التدريس والفن والغناء والإعلام والبرلمان  والشعر والأب والثقافة وفي كل هذا قال : أنا حاضر ومبدع.

طلبت منه المقابلة فقبل مسروراً وطلب التعارف فتبادلنا أطراف الحديث صوتاً وخطاً وفرضت عليَ التواضعَ خبرتُه وفصاحتُه وحرقتُه تجاه ظالميه وحرصُه لصالح وطنه الحبيب . وبدأت إجابة شريف بالضحك على سؤال الاستهلال كما انتهت بالضحك نفسه على سؤال  الخاتمة فحسبت ربما أن الاسئلة في رأيه أقل من قدره ولهذا وجدته يقارن بين الناطقين بالتجرنية والعربية ليصف الأولين بالموضوعية في طرحهم للأراء ونقاشهم  للأفكار بخلاف الآخرين بينهم صاحب الأسئلة ومضينا صَابِرَيْنِ تمخر بنا سفينة الحوار بين الأدب والسياسة والإعلام وكلها تلتقي في خيوط الوطن الحلم

 نظرت زاجل إلى المقابلة بأهمية خاصة فأرتينا ان تنشر كاملة  دون  قص ولا تلخيص  وعالجنا طول الإجابة بتقسيمها إلى حلقتين تنشران تباعاً وتستهل الحلقة الثانية الأخيرة بجواب على السؤال العاشر

س 1:

” دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاســـــي بيت واحد رسم فيه الحطيئة – حاشاك – لوحة جميلة خلدت شائنة لشخص بدرجة تعجز أن تجملها آلاف القصائد ، وأنت شاعر وقادر ، ولهذا أتهيب اللقاء معك خوفا من قسوته وإثارته. فهل أنا آمن من غضبتك – وعمدا تركت الألقاب المستحقة – ياشريف.

ج : ( يضحك ) ثم يجيب:  ورد في الأثر “من هابَ الرِّجالَ تهيَّبوهُ” ، ومِن استقامة النفسِ وكمال المرؤءة ، أن يكون الإنسانُ آمنًا في عقله ونفسه ، مدافعا عن قيمه وأخلاقه ، ومُؤتَمنًا على من سواه.هناكَ فرق بين الغضبةِ والحَماقةِ.

فالغضبةُ التي تأتي في مكانها وزمانها الصحيحين دون مغالاة ، محمدةٌ وسِمةٌ إنسانية ، لا يُلقَّاه إلاَّ الذين شكمُوا عودَهم بأشرافِ الأمورِ ، والعكس صحيح. وألوذ عمدا وحمدا ، بمقولة الأحنف إبن قيس : ” ماعاداني أحدٌ قط إلا أخذتُ في أمره ثلاث خصال : إن كان أعلى مني عرفتُ له قدره ، وإن كان دُوني رفعتُ قدري عنه ، وإن كان نظيري تفضلتُ عليه”.

وأحسب أنك تنطلقُ من آخر غضبةٍ مُضريةٍ لأخيكَ بتعقلٍ ، ساقه إليها شنآنُ قومٍ ، لا يسلم المرءُ من نفخ كِيرِهم سَوْءا. وأرى البونَ بين الحالتين كبيرٌ ، والضدُّ يُظهر حسنَه الضدُ ، سيما وأن العبدَ لله ، يتجاسر إلى الحق بكل أدواته الإعلامية والأدبية والأخلاقية ، مع ذلك فأنتَ آمنٌ ، ما أمِنَ أخوكَ ، فلا تبتئس بإنَّ وأخواتِها ، وللشافعي ، ولبيد ، والمهلبيين ، وبني يزيد ،

س 2 :

هل تجد كوابح أخلاقية تحد من شرارة شِعرِكَ ، وتقلل من جودته ، يا شاعر إرتريا؟

ج : كل دروب الإبداع ، مطية الغواية والانحراف ، إن لم يكُ في العقل ، ما يكبح جماحَ شرارة القول والتخيل والجنون ، منها العمل الصالح ، ثم ذكر الله واستغفاره. فالشاعر ما يلبث أن يتلمس بأحاسيسه العَشْرُ ، دنياواتِه الكُثرُ. إذ يكفيه أنَّه على قلقٍ دومًا ، كأنَّ الريحَ تحته. وإذْ لم يكُ متحليا بوازعٍ أخلاقي ، ومعرفةٍ بالدين ، وبعدٍ إنساني ، فإنه لا محالةَ راكب سفن الغِواية ، التي قلَّما تعودَ به إلى جادة التعقُّل والموضوعية. فالشاعر “الموضوعي” يعيش حالة صراع دامية ، بين الذاتِ والعام. الشعراء في إرتريا كثر ، وآت أنا مع غيري في مقدمة الصفوف.

والشعر في أصله حالة ذاتية ، مفروضٌ عليها ، أن تتبدَّى في منظومة قيم إجتماعية سلوكية ومواقف ، ومعتقدات ، ورؤى ، وأنماط ، وأفكار ، إلى غيرها من أوجه التفاعل والتدافع الإنساني ، بالتالي في حالتي “الشعرية” أعيش أُوارا من الصراع الدائم بين حالتين. الأولى التخصص الإعلامي المُوغل في الأكاديمية والممارسة ، المرتكز على عدم وجود حرية مطلقة ، مع قيود موضوعية متناهية ، والثانية تعاطيَ الأدبي في شقه الشعري والكتابي المتصالح مع حالة ذاتية ، لا تعترف بقيود الموضوعية إلاَّ في حدود ضيقة ، وتبحث أبدا عن فضاء حُرٍّ ؛ لتسبح فيه الحالةُ الذاتية كيفما جُنَّ خيالُها ، وأنبلجَ قمرُها ؛ سيما وأن حالة الشعر ، هي لحظة إلى الأمام وليس شعور للتوقف ، حالة إختلاق أشياء من اللاشيء أحيانا ، إذا هي حالة صراع نفسي وعقلي وذهني دائم متلاطم.

ورغم ذلك ، فإني أحمَدُ الله في ذاتِي الشاعرة ، أن نشأتُ في بيئة أخلاقية متَّزنة ، أدركتُ هذه الجدلية في بعض أبعادها ، حتى أخترتُ طواعيةً بعدَ تعقُّل ، ممارسة الفعل الكتابي والشعر على وجه الخصوص ، وفقَ مسؤوليةٍ أخلاقية منضبطة. لا أنتمي عن قناعة إلى مدرسة “الأدب للأدب” ، لكني أجد ذاتي متماهيا في تفاعل أدبي ، إلى الضفة الأخرى “الأدب كرسالة”  ما استطعتُ إلى ذلك متنفسا. تلقاني شاعرا في تلافيف هذه المدرسة ، خاصة المدرسة الفَرَّاجِيِّة” التي تعتبر امتدادًا لمدرسة فحول الشعراء:

 “حتَّام ياشَاعرًا قد ضيَّع العُمُرا           **  مُستَعبَدًا للهوى الروحاتِ والبُكَرا

 تُلفِّق الشعرَ آهاتٍ مزيفةً               ** فيطمئنُّ عدوٌ لا يُرى ويُرى

 أجِّج لظَى الشِّعرِ هاتِي الشِّعرَ مُستعرا  **  نارًا تحرِّقُ ذاكَ الشَّانئَ الأشِرا

سدِّد سهامَ القوافِي القاتلاتِ إلى         **  نحورِ شِرذِمةِ الطَّاغوتِ مُقتدرا

والشِّعرُ عندِي حُسامٌ لو ضربتُ به      ** أعناقَ هذه الجبالِ الشَّامِخاتِ فَرا

 والشِّعرُ فيْلقُ نورٍ في طلائِعهِ بأسٌ   ** يدكُّ قلاعَ الليلِ مُعتكِرا

 وليسَ مَحضُ هُراءٍ أو صدًى لِهوًا    **  مراهِقٍ يعبُد الأحداقَ والحَورَا “.

 (فراج الطيب السراج)  وأتشرف بهذه المناسبة لأقول بيت شعري هذا الذي يتنفس اللحظة :  ولا ُأبرِّئُ نفسي مِن غِوايَتِها – كلُّ ابنِ أُنثَى شَريكٌ بَينَ أحْوالٍ.

علما بأنَّ الكوابحَ الأخلاقية – كما ورد في السؤال – لا تقيد جذوةَ الشعرِ وساحريتَه ، أزيزَه وهزيزَه ، جنونَه وعقلانيتَه. فعندما تتزاحم في الشعر مقوماتُ: الخيال ، والرؤى ، والفكرة ، والحكمة ، والقيم والمثل ، والوهج العاطفي ، والعصف الذهني ، وسلاسة اللغة ، وسلامة المبنى والمعنى ، وتكثيف الصور ، وإشتعال النفس ، لا شك أن كل ذلك ، يُحدثُ لذةً فنيةً عند السَّامع والقارئ ؛ لأنه يمثل مُنتجا حقيقيا من قريحة الشعر ليس إلاَّ. وعلى النقيض من ذلك ، فإن الشعر المُبتذل “المُخنَّث” ، وإن تعرَّى وفسقَ ، وهيَّجَ لذةً أخرى ، فإنه سَرعان ما يذوبُ ، كما تتلاشى قطعة الثلج خلال ثواني. وهنا يقبع الشاعر هذا ، في خانة من أشار إليه شيخنا إبنُ السراج.

ثم إنَّ حركة الشعر العربي كونه “ديوان العرب” الحافظ لخصوصيتهم ، المُعبر عن هويتهم وأيامهم ، ليس عِرقيا فحسب ، بل لكل من تحدث العربية ، هذا المفهوم وذاك ، يؤكد حقيقة أن الشعرَ العربي ، يظل شعرا بملامحه العربية. فالشاعر:

 ” يتغنَّى مع الريحِ إذا ماغنَّتْ  ** فيُشجي خميلةً والتِّلالا

 صاغَ من كل ربوةٍ مِنبرا       ** يسكبُ من ألحانِه الشجونَ الطِّوالاَ

 هو كالطفلِ شادَ بالرِّملِ قُصورًا  ** هي آماُله ودكَ الرمالا

 هو كالعودِ ينفُح للناسِ عِطرا    ** ويغنِّي تحرُّقا واشتعالَا

 حاسرُ الرأسِ عندَ كلِّ جمالٍ    ** مُستشفٌّ مِن كلِّ شيءٍ جَمالَا – (إدريس جماع).  

  س 3:

” والهمُّ يخترمُ الجسيمَ نحافةً – ويُشيبُ ناصيةَ الصَّبي ويُهرِمُ” (أبو الطيب المتنبئ). شاهدتُ لكَ صورًا متحركةً وساكنةً ، تبدُو فيها أنَّكَ واثقٌ ، وغير متضايقٍ من “صلعةٍ” أصابها التصحرُ المبكرُ. أسمح لي أسأل : من أخذ شعرَ رأسكَ وأنتَ الغصنُ الأخضرُ شبابا ؟ هل تتهم الهم كما فعل المتنبئ أم لك خصم آخر تفصح عنه في هذه المقابلة؟

ج : يجيب (ضاحكا) : عن قناعة ، أستظلُّ بمقولةٍ هاشميةٍ ، وردتْ في صدر مؤتمر صحفي عقده الخليفةُ الخامس “عمر إبن عبد العزيز” لتأكيد بيعته خليفةً للمسلمين ، نطقَ بها قلبُ غلامٍ ، تسمَّعتْها عناوينُ الأخبار ، وتناقلتها ألسنةُ الأمصار ” إنِّما المرء بأصغريْه قلبِه ولسانِه ” ، رغما عن ذلك ، فإن تسَّاقط شَعْري ، الذي كنتُ أغازله صبيًا ، ربما أكون تأملتُه مليا ، كفطرة آدمية لا غير.

وقد أدركتُ مبكرا ، أن وجود خصلات من الشعر على الرؤوس فقط ، لا يعني شيئا ، لإمرءٍ يريد أنْ يتركَ في الدنيا دويًّا ، كُتِبَ عليه أن يمشي في مناكبها ، راغبًا كان أو راهِبًا ، وهو يَعقِلُ. وأذكر أنَّ عهدَ التَّساقطِ لا “السُّقوط” بدأ والعقل يبحث في أروقة جامعة أم درمان الإسلامية ، وشموخ أم درمان في منعطفات تاريخها ، وجدتُني  أقرض شعراً في منتصف ثمانينيات القرن الماضي:

 ” متى ياهمُّ الى مثواكَ ترتحلُ ** وجرحُ القلب من الآلامِ يَندملُ؟

 سنينُ العمرِ مازالتْ مُزلزِلةً ** رياحُها الهوجُ لايحلو ليَ الاملُ

فلا سَعدٌ ، ولا صبحٌ يُلاحقنِي** ولا أملٌ من الإشراقِ مُنسدِلُ

حياتِي كلُّها حربٌ مُسعَّرةٌ ** تَسدُّ الطرقَ قُدَّامِي وتشتعِلُ

 ولكنِّي أُلاقِيها وبين يَدي ** طُموحاتٌ من الأمْجادِ تَقتَتِلُ

 يُنازِلنِي زمانِيَ كلَّ يومٍ ** فلا الأكدارُ تُــْثِنينِي ولا النُّصُلُ

 علتْنِي (صلعةٌ) سمراءُ زاحفةٌ ** فلم تلبثْ شُعيراتِي فتنفَصِلُ

لِيبدُو الرأسُ عُرياناً من الشَّعَــرِ ** وحسبُ العقلِ مكسُواً بما جَهِلُوا

وقد يشيبُ الفتى كما تعلم ، بغير عيبٍ في عقله ، ومألوف جدا ، أن يُرى النورُ في جبينه وهو ما زال رطبا ، ولله الحمدُ ، فقد توفرتْ لأخيكَ ثقةٌ بنفسه ، واعتداد بقدراته وإمكانياته ، قد تشقُّ الجبالَ ، ولا تهُدُّها هدًا ، ركبتُها وأنا ما أزالُ صبياُ. لا أستطيع  نفي وجود شفرةٍ وراثيةٍ (جِينية) ، كما أنني لا استبعد مؤثرات التدافع والعراك النفسي والذهني بين تقلبات المطالع والمغارب ، حراكاً وسكونُا. بالطبع لا أجد منطقاً محدداً ، أعلل به ، كيف وصلت تلك السمرة على رأسي ، إلا أنها تمظهرت تدريجياً ، وأنا ألج مرحلة الوعي العقلي ، وصعود مجد التطلع أن أكون شيئاُ مشهوداُ. بالتالي الأسباب هي بين هذا وذاك. لا أوجه أصابع الاتهام إلى “الهمَّ” فقط بغير استبعاده ، إنها جملةُ فِعال

 ” ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”(أبو المحسد). فهي ليستْ خصومًا حُسومًا ، لكنها عدول ، في أن أكون عقلاً وفكراً ، في حركتي لا سكوني. وأشمخ إذ قلتُ بصلعتي هذه :

 ” عقدٌ مضى وأنا أروي إذاعتَها ** [صوتُ الجماهير] التي أهديتُها رُطبَا

 شنَّفتُ أسماعَهم في غيرِ مُستمِعٍ ** غنَّيتُ مِن وجعِي ليتَ الزمانَ هبَا

 قدحتُ مِن مَعلَمِي أركانَ شاشتِهَا** مُقدِّمًا نشرةً أزهو بها طربَا

 أو ندوةً أو لقاءً كنتُ أنجُمُهُ ** بينَ الضُّيوفِ أُرى فِي ظُلمةٍ شُهُبَا

 س 4:

سيرتك تتحدث بأنكَ تقلبتَ في وظائف عديدة ، مع النظام الإرتري ، هل أنا أمام “الجبهة الشعبية” ولاء ومشاعر ودعما ، مثل كثيرين هربوا من النظام ، وأخذوا يلتقون معه بخيوط راقصة ، ونوافذ ومنافع وهوى؟

ج : هذه نافذة مهمة ، وأرجو أن تكون مضيئة ، لكثير من الذين إلتبس عليهم أمر الوطن وقضاياه. ويتبدى حجم اللبس ، حتى في ألوان وتبديات هذه “المقابلة”. لم أكُ مطلقا ولاء ومشاعر ودعما لـ(الجبهة الشعبية) كما ورد في السؤال ، ذاكَ “تاريخٌ أو شرفٌ” لا أدَّعيه ، وتهمةٌ أرفضها تماما ، ولو زعَمَ كلُّ مَن في الأرض أجمعين.

لم أتعرف على ما يُسمَّى بـ”الجبهة الشعبية” ، إلا في شهر نوفمبر 1991 ، عندما وصلتُ بصحبة القافلة الطلابية الأولى التي رعى فكرتها ماديا وأدبيا (جهاز التعليم الإرتري) ، الذي كنتُ “مسؤول إعلامه وموجهه الثقافي”. بعد أن كنتُ فيما سبق ، متقلبا بين التنظيمات الإرترية في إتحادات طلابها فقط لا غير.

وبتاريخ 24 مايوم 1991 ، فإن مُسمَّى “الجبهة الشعبية” نُسخ بـمُسمَّى جديد “الحكومة الإرترية المؤقتة” حتى أجلٍ غير مُسمَّى!!! إدراكا واقتناعا بتلك الحقيقة ، وقراءة عميقة لمجريات الأحداث ، سرَّتْ البعضَ أمْ أغضبتْ – هذه قضية أخرى – بمحض إرادتي قررتُ ، أن أكون مواطنا “تكنوقراطيا” أي فردا من حكومة الكفاءات ، باعتبار أن (الحكومة التكنوقراطية) ، تتشكل من الطبقة العلمية الفنية المثقفة ، على الرغم من أن مواصفات “حكومة التكنوقراط” لم تك بارزة في الحكومة الإرترية التي تم تشكيلها آنذاك. لكن بالنسبة لي ، كانت رؤى وتطلع مستقبلي ، لما ينبغي أن يكون عليه الوضع لاحقا ، آمن من آمن وكفر من أبى!!! إذا أستطيع أن أقول لكل الكفاءات التي دخلت إرتريا في ذلك التاريخ المفصلي ، أنها كانت تطمح إلى المساهمة في بناء وطن مستقر قائم على حكم القانون. وأعني هنا التكنوقراط الحقيقيين الذين لا ينتمون إلى أحزاب أو تنظيمات سياسية.

بالنسبة لي المشهد كان واضحا تماما ، وهدفي الوطني من حركتي الشخصية ، كانت مرسومة بعناية ودقة متناهية ، والعكس صحيح. ولو كنتُ من أولئك الذين انبهروا بنشوة الانتصار ، ونسجوا أحلامَهم الوردية باسم النضال (كل التنظيمات بما فيها الجبهة الشعبية) ، ما كان عصيا عليَّ ، الحصولَ على شهادة “مناضل” من هذا الباب أو ذاك ، ثم ألوجُ إلى مسلسل الأماني ؛ لأنسج أحلاما قزحية لازوردية ، كما حَلُم الكثيرون ، وأُمنِّي نفسي بجنات معروشات ، تجري من تحتها الأنهار!!! دخلتُ إرتريا من أشرف أبوابها (القافلة الطلابية العلمية) ، وخرجتُ أيضا من أشرف أبوابها مواطنًا شريفًا مأسوفًا على خروجه ، عندما وصلتْ قناعتي ، استحالة إصلاح ما أفسده دهرُ حكومةٍ ظالمة فاسدةٍ ، وغياب معارضةٍ أكثرها كاذبةً خافضةً ، وما بينهما الكثير المثير.

يا سيدي أنتَ في معية مواطن عادي ، تنادى مع الذين أدمنوا عشق الوطن ، واختاروا الذوبان في رحابه ،  فعلا لا قولا ، في حين أن الساحقة منا ، تتعاطى قضايا الوطن ، بمفاهيم وأحكام ساقها إليها القدر ، جراء ما ران على مشهدنا الوطني من حراك الانتصار والانكسار ، إلى أن تفرقتْ رؤاها ، وضلتْ هديَها الوطني ، ثم ضاعتْ معالم فنون التحاور بينها ، لتصل إلى ما يمكن تسميته بـ “الأزمة  الجمعية” المدمرة. بالتالي نحن من نفرٍ ، استعذب الناسُ ، رميهم بحجارة غير وطنية ، جراء ما أتقنوه أولئك من ثقافة الإتهام والإتهام المضاد ، وتلك مأساة وطنية. فالاستعمار بكل ألوانه ، أحترف تحرير شهادات الخِيانة لمن رفع سلاحا او شعارا ضده! والتنظيمات السياسية في كل مراحلها ، إمتهنت سياسة توزيع ألقاب العمالة والطابور الخامس ، لكل من خالفها الرأي!! و”الحكومة” الحالية ، إستمرأت فقأ عينَ مَن ذكَّرها ، بضلالها القديم! ثم أشاحت عليه ، صفات الإنبطاح والإنهزامية! وما يُسميه بعضُنا بالمعارضة تعاطفا أو خوفا ، تمترسَ هو الآخر في خنق كل من كان تكنوراطيا ، رأى خيارا في خدمة وطنه ، هي أيضا أزكمت الأنوف بتسميتنا ، مرة بالمُنسلخين! وأخرى بالقافزين من قلب السفينة! والذي في عقله شطط التطرف الموغل استعذب رميهم بـ”خدام البلاط أو حارقي البخور!!!! وسط هذا الخضم ، تاهت القضية الرئيسية “انتشال الوطن من أولئك وهؤلاء”!!!!

كثيرون لم يتمكنوا ، قراءة المشهد بواقعية حتى الآن. وإذا علمنا أن مقومات قواسم الولاء ومشاعر البراء من النظام ، تُعتبر مسائل نسبية في حقيقتها ، فإن الولاء للوطن واقتسام المشاعر له دعماً لا هدمًا ، هو سمة كل مواطن غيور على مبادئه وقيمه في الحياة. من هنا لم أتلحَّف يوماً ثوب نظام الشعبية ؛ حتى ألتقي معه في خيوطٍ راقصةٍ. وأعرف نفسي جيدًا ، أخترتُ وجه الوطن قبل أي وجه ، إذ لم يك مسموحاً مشاهدة وجه الوطن ، إلا من باب الذي فتح النوافذ (الجبهة الشعبية)! وحتى لو جاء الوطن ذات يوم ، في تلافيف المستحيل ، لم ولن أتمرد عن تقبيله ، ولو كانت إطلالته خالية من المساحيق والرتوش السياسية. هذا أنا ولن أغير إهابي. كما أن شعاع “النوافذ” ورِبَى “المنافع” وشيطان “الهوى” ، هذه لا تجد لها متنفسا ، فيمَن ألقى السَّمعَ وهو شهيد. ستة آلاف ومائة وعشرون (6120) يوماً ، هي المدة التي مكثتُها في بلدي راضيًا ، أُجمِّلُ وجهَ نهارِ الوطن ، بفعلٍ إعلاميٍّ ممدودٍ ، وعضويةٍ برلمانيةٍ مشهودةٍ ، وضوءٍ أدبيٍّ محمودٍ ، هذا ما قسمه اللهُ لعبدٍ من عباده.

بالفعل تقلبتُ في وظائف عديدة ، (إعلامياً) ، غير تلك التي جاءتْ منِّي ، تماهياً مع تطلعاتي الشخصية ، وإشباعاً لطموحات مشروعة (البرلمان) ، فإنها لا تُؤتى لمجرد أحلام وأماني فحسب ، لكنها تقوم على قدر أهل العزائم. ربما كنتُ الإعلامي الأوحد في وزارة الإعلام الذي ظل يعمل في (الإذاعة والتلفزيون والصحافة) في آن واحد ، وبراتب واحد  – إذا صحَّتْ عبارة راتب -!!! ولا أتحدث عن هذا تعاليًا كما يفهم الذين في قلوبهم مرض ، ولكن من قَدَرِيَّة التَّحدثِ بالنعمةِ المجاز شرعاً. إضافة إلى ذلك تجاسرتُ إلى مزاحمة فنانين محترفين ، فكنتُ في صفوفهم الأمامية. 

س 5 :

أنتَ شاعرٌ و معلمٌ و إعلاميٌّ و برلمانيٌّ ، أين تجد نفسك أكثر ؟ وهل تمنح نفسك شهادة النجاح في كل هذه المجالات؟

ج : وفنانٌ أيضا كما أوضحتُ (يقولها ضاحكاً ). ترتيبًا للنِّعم الربَّانية كما وعيتُها ، وعجَمتُ عودَها ، فإن العبدَ ، إعلامي ، شاعر ، معلم ، فنان ، برلماني. وعندما تكثُرُ نعمُ المعبودِ على عباده ، فإنها تُكثِّرُ إبتلاءاتهم. وقد عركتُ في حياتي جبهات جمة (للأسف كلها كانت حرباً من إخواني المسلمين) ، ربما امتداداً لحركة التاريخ في حربنا مع بعضنا!!  بعض تلك المعارك ، ظهر في خانة التَّنافس الشريف ولا غروَ ، وأخريات تبدينَ في نافذة الغيرة المحمودة والمذمومة ، وأكثرهن توارين تحت ستار الحسد ، على ما آتانيَ الله من فضله!! وكل معركة كانت تزيدني شكيمةً وإصرارًا للمضي قدماً ، حتى أصل إلى ما أنا فيه شكرًا وحمدًا. على سبيل المثال عندما دخلتُ قبةَ برلمان الإقليم الأوسط ، الذي لا يزال قائماً حتى تاريخه ، أتهمني بعضٌ من إخواني المسلمين ، بأنني زورتُ الانتخابات لصالحي! فقلتُ لبعض الخُلَّصين همسًا :”لو كان لأخيكم القدرة في تزوير الانتخابات للفوز بأعلى الأصوات من بين 17 مرشحاً ، 13 منهم “مناضلون” وفي قلب العاصمة أسمرا ، ” إن كان لأخيكم ما يردده الحاقدون من قوة ، أليس من الأجدى لي ولكم ، إنهاء المشهد بالكامل ، أي قلب النظام على وجهه ، وإراحة البلاد والعباد من هذا الضياع ” ضحك من ضحك ، واشتاط مَن فَجرْ.

وعندما قدمتُ بعضاً من أعمالي الفنية من كلماتي وألحاني وأدائي ، ومنها (علمي) ، (رسالة إلى الشهيد) ، (نقفة) ، (يا بلادي) ، (ود أمير) ، (عبير) ، قال رهطٌ من المرجفين في المدينة من نفس الفئة “الآن تعرفنا على كابلي إرتريا”. وكانتْ كلمة حق ، أريد بها باطل! فنيًّا أنتمي إلى مدرسة الكابلي وعثمان عبد الرحيم معا ، ولذا أسوح في هاتين المدرستين ، وقد تمكنتُ من تقديم لونيَ الفنيَّ المختلف بشهادة أولى العلم والخبرة في هذا المجال. أما الذين أشاحوا عليَّ ذاك الوصف ، كنتُ أعلم أهدافهم غيرالنبيلة ، في سعيهم للإيقاع بيني وبين كبار الفنانين في  إرتريا آنذاك.وكانت ثالثة الأثافي قبل أيام ، عندما قال أصحابُ الإفك “بأنني أحشر أنفي في عبارة “خبير إعلامي” ولقد قالوا كلمة الكفر ، وأنهم لا إيمان لهم ، بنعمة الله على عباده ، ولم أرعوِ كثيرًا لمثل تلك الترهات ، إلا في حدود رميهم بمقالة مطولة ، فقأتُ بها عيونَهم ، إن كانوا يقرؤون!

ودونما تضاد ، أجد نفسي في كل الألوان ، وبذات القدر من الإشباع النفسي والذوقي ؛ لأن الإبداع شيء واحد وعالم متكامل ، رغم أن المهنية والبرلمانية ، لا يتوقفان على مسألة الإشباع الذاتي ، بقدر ما يخضعان لممارسة فعلية وفقاً للظروف الموضوعية التي أتاحها حارسُ البوابة هناك. صحيح أني لم أحقق إشباعاً مهنياً (إعلامياً) ، ربما لقناعات سردتُها سابقاً ، حتَّمتْ وجودي في إرتريا فترةً طويلة (17) عاما ، لكني بلا شك حققتُ الكثير من إشباع وطني أعتز به ، وأفتخر بكل الأُطر التي تجاسرتُ إليها. أحمَدُ اللهَ على أن منحنِي النجاحَ في كلِّ منعطفٍ طرقتُه ، بالتالي على المستوى الشخصي أحرر شهادات نحاح عالية التقدير ، بنسبٍ مختلفة في كل ما ذهبتُ إليه ، إذ لم أرسب إطلاقا في أي درب من دروبها الكثر ، ولكن الشهادةَ الكبرى أتركها للجمهور الواعي الفَطِن ، لأنها عطاء في العلوم الإنسانية  وليس التطبيقية.

س 6 :

قرأتُ لك نصوصًا بلغة عربية رصينة ، تدافع فيها عن نفسكَ ، وتَرد بَعُنفٍ على مَن يَتهمُكَ بتاريخٍ مساندٍ للنظام ، في ردٍ منفعلٍ أقوى بكثيرٍ من الإثارة السالبة ، هل أنتَ تنطلقُ من وخز الضمير توجعُكَ فيه كلمةٌ تُذكِّركَ بمدةٍ خدمتَ فيها بلاطَ السلطان؟

ج : أُدركُ جيدًا قُربَ المسافة ، بينِي وبين اللغةِ التي أكتبُ بها ، وأنَّ ما رشحتُ به في الذي أسميه “بيانا للناس” للذين تمرغتْ نفوسهم في وحلِ الشنآن ، فراحوا يكيلون على غيرهم ما كِيل عليهم ، وفقاً لأقدارهم ، ونسوا أنَّ الله فضل بعضَنا على بعضٍ ، فكان لزاما عليَّ أن أُعرِّجَ على سوقهم ؛ لأسُرَّ الأولى ، وأغيظَ العِدى.

        ولم يكُ بيانِي ذاك دفاعاً عن نفسي فقط – كما ورد في السؤال – ، بقدر ما كان تِبيانًا للحقيقة التي لا يُحمَل كثيرٌ من الأحرارِ ، الذين قَدَّروا الوضعَ الوطني تقديرًا ، وتفاعلُوا مع الواقع بعقلانيةٍ ، منهم من قضَى نَحْب بَياتِه في أسرجةِ الوطن ، ومنهم مَن ترجَّل ، إلاَّ أنَّه لا يزالُ يرى الوضعَ من الزاوية الصحيحةِ ، ولم يسطاعوا سبيلا ؛ لمجابهةِ الأقلامِ الضَّالة ، فكنتُ ولا أزال واحداً مِن هؤلاءِ ، لسانًا وقلمًا يَكشِفِ عوراتِ مَن علينا فرضُ عينٍ لِفضحِهِ ، حتَّى لا يتطاول على الأحرار إمرؤٌ مُتطوِّل.

إذْ لم يأت ردِّي عنيفًا ، بذاتِ سَّفه الخفافيش ، حيثُ تجمَّلتُ فقط لوجود مجموعةٍ مستنيرةٍ بين تلك التي يراها البعضُ تنظر إليه ، لكنها نظرةٌ مِن غير بصيرة. ولم أكُ في حاجةٍ ملحةٍ لنفي تهمةٍ تحررها ألسنةٌ موتورةٌ ، تتلاسَنُ بها هنا وهناك في حالة اللاوعي. فإن كان عملي في وطني من خلال المفهوم الذي أوضحتُه في إجابة سابقة ، فإني أقولُ لكل من تخاذل وقعد عن خدمةِ وطنه (الوطن ليس النظام) ، هؤلاء هم في ظنِّي خارج الدائرة الوطنية تماماً ، حتى ولو ملأوا الدنيا ، صُراخا وعويلا. يا سيدي نحن مجتمعٍ يعاني مسغبةً في فهم الأمورِ ، وجهلاً بمعرفة المفاهيم والمصطلحات ، بالتالي كبيرٌ عليَّ وعلى أقراني ، تصحيحُ مفاهيم مجتمعٍ بأسره. فمنذ أن خُلقَنا نتصارعُ في معتركِ المصطلحاتِ ودلالاتِها ، وأزعمُ أنَّ كل مُسببات الشقاق والخلاف البيني ، مَرجِعها أزمةُ مفاهيمَ تولدتْ عنها ، جهالاتٌ ومآلاتٌ. إذِ الكلُّ يعمل على شاكتله ، مدافعًا لجهلٍ ، ويستحل حرماتٍ عن جهل أيضا ، ويُحلل محرمات مفاهيمَ ليس لها واقعيةً من التشريع والسياسة والمراجعات. لذلك لن تقومَ قائمةٌ لأي مجتمعٍ ، أنكبَّ على وجهه ، في ترجمة مفاهيم الآخر دون وعي علمي ، أو فطنة مؤداة. بالتالي فإنَّ “رد فعلي بكثير من الإثارة السالبة” سوف لنْ يُفهم على الإطلاق ، على الأقل بين هذا الجيل شبابه وكهوله ، وأستثني الأجنةَ في بطون أمهاتها ؛  لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.

        إنَّ الذي فرضَ علينا أن نكون (تكنوقراطا) هناكَ ، في زمن دفع فيه الدافعون ، وتردى عن عطائهم القاعدون ، جازمًا أقولُ ، الفئة الأخرى هي مَن مهَّدت الأرضَ والنَّسلَ ، ليكون “السلطانُ” أو “الشيطانُ” اليوم في إرتريا الفاعلَ الأوحد. فمن ذا الذي يَشعرُ بوخز الضمير؟ ولمن ؟ إن الضمائرَ الحيةَ في حقيقة الأمر ، هي التي حاولتْ ذاتيا صادقةً ، وليس خلف شعارات كاذبة ، حاولت تعديل صورةٍ ساعدت على نشرتها ، ورسَّختْ مفاهيمها المعوجةِ ، فئةٌ من القوم ، تمرَّغتْ في وحلِ صراعات القرون الأولى ، لِيسودَ الجروُ الزنيمُ ، ويصبح العلجُ سلطانا أو إبليسا. ضمائرُ بِيعتْ في سوق القمار في وضح النهار ، ليأتيَ بعدئذ شذاذُ الآفاق ؛ ليستبيحوا كلَّ شيءٍ في الوطن ، وأصحابُ الضمائرِ المزعومة ، لا يزالون في غيِّهم يعمهون! مَن الذي يَشعُرُ بوخز الضمير؟ أنفرٌ مِن النَّاس ، آمنوا بوطنٍ ، وأتوا على وادي التضحيات ، عَمِلوا بتجردٍ ونكرانٍ للذات ، مَشَوا على أرضٍ محروثةٍ موتا وفناء ؛ إعتصموا بمشروعية الحقوق التي تُنتزَع ، في ظلِّ القسمةِ الضيزى؟ أمْ نفرٌ من الناس ، سرقوا المبادئَ والقيمَ ، ووصايا الشهداء ،  ثم راحوا يجوسون في الناس الشرفاءِ ، تُهَمًا ما أنزل العدوُّ بها من معانٍ؟ مَن الذي يتوجَّع إن كان في الضمائر إحساس؟ أو مَن كان غبيًا عن طبيعةِ الصراع الوجودي في إرتريا؟ أم من ظل سميعاً بصيرًا لها؟ فصالَ وجالَ بين أقوامٍ تسلَّحُوا بأسلحة القتل البشري ، في ربوعِ (نقفة) تغطيةً للاستفتاء ، وهو المُدنيُّ الوحيد الذي لا يحمل غيرَ قلمِه وعقلِه وصوتِه الذي تاجرَ ويتاجر به سماسرةُ الوطن ردحًا من الزمان!؟!؟! فهل أنقلبَ اليومَ السِّحرُ على الساحر؟ تلك في ظني ضمائرَ أفاقتْ الآنَ من سُباتِها؟ مأساتُنا أننا نستغل جهلَ العوامِ بحقيقة الأمور.

        الذين عايشوا واقع فترة ما بعد الاستقلال (معايشةً) بكل ما تعني الكلمة من معنى ، لا يحتاجون إلى مَن يُذكِّرهم بماضيهم المُشرِّف وطنيًا. لأنَّ الذكرى الصادقةَ الساطعةَ ، ليستْ بحاجة إلى من يُخَبِّرها بذكرى أخرى معاكسة ، وهنا يكون العكسُ صحيحا. ولدينا في حكمةِ / معن إبن زائدة ، أُنموذجا لمن قرأ التاريخَ مع شرطية التعلم والإفادة والاستيعاب. أجلٌ مشيناها خُطًا كُتبتْ علينا ، ومَن مشى واعيًا قويمًا ، لا يَستشعِر تأنيبًا من ضمير ، بل مكفولٌ له حقُّ التَّباهي بمعرفة الواقع ، وتقديم واجب وطني مقدس. البعض يتناسى ما يقوله لنا في لحظة أن يكون البساطُ أحمديًا “بأننا نتمتع بشرف عايشنا الواقعَ ، ونفهمه على حقيقته أكثر منهم و…و….الخ” ، ثم ما يلبث أن يقلب علينا ظَهرَ المِجَن ، عندما يأتي الحديث خِلافا لما يعتقدون!!! أفتؤمنون ببعضٍ وتكفرون ببعضٍ؟ حتامَ يسري بعضُنا في هذا الضلال ؟!

س 7 : عايشتَ الإعلام الإرتري ، فما تقييمُكَ له ؟ هل لديكَ صورٌ لمعاناة الإعلام  والإعلاميين في إرتريا؟

ج : سأدلي بشهادتي على عصر ، عايشته حقيقة لا مجازا. ولأنني لم أك خداماً لـ (بلاط الحاكم)  ، كما يزعم البعض ، سأقدم شهادتي في الإعلام لفترة ما بعد 1991- 2008. متابعتي لإعلام الجبهة الشعبية بعناية بدأت في الفترة التي قدم فيها / موسِي بخيت شهاداته في إذاعة صوت الجماهيرالإرترية ، إي قبل التحرير بأشهر. بعد أن وصلتُ أسمرا ، لم ألتحق بوزارة الإعلام مباشرة ، فقد أخترتُ أن أكون قريبا منها ، فعملتُ مُدرسا بمدرسة الجالية العربية (الأمل حاليا) ، بعد مقابلة مديرها آنذاك فضيلة الشيخ / الأمين عثمان الأمين ، مفتي إرتريا حاليا ، وتقديم الشهادات.درَّستُ اللغة العربية للمرحلتين الثانوية والمتوسطة. بعد مضي ستة أشهر ، قرأتُ إعلانا بجريدة إرتريا الحديثة ، تطلب فيه الوزارة موظفين  فحررتُ طلبا مبينا رقم هاتف شخص للاتصال به ، وهو من المناضلين من أبناء مدينة أغوردات ، تم تحديد موعد للامتحان ، فتم الاتصال به ، لكنه للأسف سافر إلى مدينتنا ، ولم يعد إلى أسمرا إلا بعد يومين أو يومين من انتهاء تاريخ الامتحان. جاءني الزميل مهرولاً ، يتأسف لعدم مشاركتي في الامتحان ، وطلب مني الذهاب إلى الجهة المختصة بذلك ، لأشرح لها الموضوع بتفاصيله.

        ذهبت إلى المكتب المعني ، وشرحتُ للمسؤول (مدنيا) الموضوع برمته. أصيب المسؤول بحالة أشبه بالجنون ، وكاد ينزع شعر رأسه ، إذ لا أزال أتذكر حالته تلك حتى اليوم ، أشفق عليَّ إشفاق الأخ بأخيه ، وأثناء حديثه راح يضرب المكتب الذي أمامه ضرباً شديدًا ، وهي حالة تعبير غضب في المرتفعات لشيء جلل ، وبدأ يتحسر على أنها فرصة العمر وقد ضاعت ، سيما وأنها وظيفة بين أحضان الدولة الوليدة ، وكيف ….؟ ولماذا ….؟ ثم ماذا …؟ ، وهو في حالته تلك ، تناول الهاتف ، فنقل المسألة برمتها إلى مسؤول آخر ، طلب منه أن آتيه. لحظات وكنتُ ماثلا أمام المسؤول (مناضل) ، استعجب هو الآخر ، وراح يتصل بمدير القسم العربي آنذاك (السفير أحمد  علي برهان) أتمنى له السلامة حيثما هو. سألني ما إذا كنتُ أتابع برامج القسم العربي ، من حديثي عَلِم أنني أفهم الكثير عن الإعلام ، سؤال يعقبه سؤال ، حتى سألني عن تخصصي ، أعلمتُه أنني خريج صحافة وإعلام ، هنا توقف!! وقال ” إمتحان شنو يا عم أنتَ من يجري لنا الامتحان” ، قالها تواضعاً واحتراماً ، ولأنه كذلك ، الآن هو خارج المشهد التنفيذي.

        على الفور طلب مني أن أقدم مقترحات لبرامج إذاعية. في اليوم التالي ، قدمتُ له خمسة برامج إذاعية ، منها برنامج صباحي ، وبرنامج نافذة على الوطن ، وآخر صحي إلى غيرها. طلب مني أن  أباشر عملي بالإعلام كمتعاقد ، شرحتُ له وضعي بمدرسة الجالية ، أتفقنا آخيرا على تقديم البرامج وتسجيل المواضيع فقط بالحضور إلى استديو الإذاعة. وأذكر أول موضوع قرأتُه لإذاعة صوت الجماهير الإرترية ، كان كلمة الرئيس إسياس أفورقي التي ألقاها بمناسبة تدشين النصب التذكاري للشهداء بمنطقة أباشاول في العاصمة أسمرا في يونيو 1992 ، كما أن أول مقابلة أجريتُها كانت مع المناضل الشهيد / إدريس عثمان قلايدوس ، رئيس مفوضية الاستفتاء وقتئذٍ (وللمقابلة شجون وشؤون).

        ومنذ التحاقي بوزارة الإعلام ، سعيتُ إلى تطبيق ما تلقيتُه من نظريات ، ورسالة ومسؤولية الإعلام ، في قاعات كلية الصحافة والإعلام بجامعة أم درمان الإسلامية ، لكنني كنت أواجه شيئا مختلفا عن العلمية الإعلامية. حقيقة عشتُ صراعا بين الإعلام كعِلم وممارسة ، والإعلام كفهم لمجموعة لا تعرف من فقه الإعلام غير الموجهات التي أتت بها من الساحل. وبعد صراع طويل مرير ، قررتُ وضع ما تلقيتُه وفقهتُه في الإعلام كعِلم ، بين أزقة شنطة خاصة ، استخرج منها وفقا لضرورة الواقع وأحكامه ، وقد حققتُ بحمد الله نجاحا في ذلك ، إذ لم أفتح ذلك الكنزَ من قمقمه ، إلا بعد أن طلقتُ التجربةَ برمتها طلاقا بائنا عام 2008. علما بأني في بداية سنواتي إضطررت إلى تجديد تعاقدي  ثلاث مرات بالوزارة ، حيث لم أسجل موظف دائم مباشرة ، وذلك بعد أن رفضتُ التوقيع للمرة الرابعة ، ولوَّحتُ بورقة الاستقالة ، ورغم هذا يأتي البعض ليصفنا بـ”خدام البلاط وغيرها”!!!!

حاولتُ مع غيري من الإعلاميين ، أن ألتزم بالمسؤولية الأخلاقية للعمل الإعلامي ، في ظل أجواء مشحونة بالشكوك ، و”نظرية المؤامرة” ماثلة وجاهزة ، يعلقها على رقبتكَ مَن أراد ، وينزعها عنك مَن أراد ، فقط لأنك لست “مناضلا” ، إلتحف الأرضَ وعانق السماءَ ، حتى ولو كان منافقا فاسقا أزهق الأنفسَ وعاث في كل شيء فسادًا ، قبل أن يلوذ بالميدان ، هناك حيث الصالح والطالح سواء ، وفي الأخير عاد مناضلا ، رقصتْ على مقدمه الحسان ، وغنتْ على محياها العذارى. وجدتُ بالقسم العربي آنذاك ثلاثة أو أربعة برامج ، منها : أحداث الأسبوع (برنامج إخباري) ، (تقارير المراسلين) ، (ما يطلبه المستمعون) ، بما في ذلك نشرة الأخبار ، لكني في الأخير عام 2008 ودعت الإذاعة على سبيل المثال وفيها أكثر من 28 برنامجا.

بعد سنوات أضيف إلى عملي بالإذاعة ، مباشرة العمل بالتلفزيون كمقدم للأخبار والبرامج من عام 1995 – 2008 ، ثم انتقالي بعئذ إلى صحيفة إرتريا الحديثة نائبا لرئيس التحرير من 2004- 2008 .

وفي موضوع تقييمي للإعلام الإرتري ، الذي لا يمكن أن أقدم له تقييما علميا في سطور هذه المقابلة ؛ لأن عملية التقييم بحاجة إلى آليات علمية ، لا تتوافر في فن المقابلات. ولكن يمكن الإشارة إلى ملامح أزمة الإعلام الإرتري ، الذي عايشتُه وكنتُ أحد مؤسسيه والمساهمين فيه ، لفترة ما بعد التحرير. وهذه الملامح وإن كان من الصعب تعميمها على كل وسائل الإعلام الإرتري ، المقرؤء والمسموع  والمشاهد ، وتعميمها على كل لغات الإعلام الإرتري ، لأن لكل لغة خصوصيتها وتحدياتها ، لكن بشكل عام ، أستطيع القول إن أزمة الإعلام الإرتري يمكن تلخيصها في التالي:

  • عدم وجود خطط وسياسات إعلامية عامة.
  • عدم وجود تكامل بين وسائل الإعلام والوزارات أو الجهات التي تعمل في مجالات أخرى.
  • عدم وجود تطوير مستمر للكادر الإعلامي ووسائل الإعلام ومواكبة التطورات الحديثة في الإعلام المعاصر.
  • غياب الكوادر الإعلامية المؤهلة أكاديميا ، وتفريغ الموجود ، إما بنقلهم قهرا ، أو إعتقالهم ، أو هجرتهم ، أو الحكم عليهم بالموت ، هذا الواقع ساعد أن يكون قرابة الـ 90% من الإعلاميين بالوزارة حاليا ، هم من منتسبي الخدمة الوطنية بمعنى طلابا.
  • – عدم وجود مراكز لقياس رجع الصدى في الإعلام الإرتري ، لتقديم دراسات حقيقية ، سيما وأن كل الدراسات الإعلامية الحديثة ، تؤكد أن رجع الصدى ، هي من أخطر أنواع التأثيرات ، خاصة قياس الرأي العام ، ولا يتم ذلك إلا من خلال قياس رجع الصدى الـ feed back . وهو ما يفتقده الإعلام الإرتري في أتجاه وإتجاهه المعاكس.
  • عدم وجود تجارب يأخذها الخلف عن السلف ، على غرار ما تقوم عليه كل المؤسسات الإعلامية ، حيث يرث الجيل الجديد عن الجيل السابق خبرته وأساليبه ، ثم يتم ترقية تلك التجارب إلى ما يستجد من فنون وعلوم في الحقل الإعلامي.

ونتاجا لتلك الأزمات المزمنة ، برزت جملة من المعيقات التي ساهم الإعلام في وجودها ، وأثَّرتْ بدورها في تقييد حركته ، والحد من إنطلاقاته في تنمية المجتمع ، ويمكن تلخيصها في :

1- الإعلام الإرتري لم يتعامل مع المواطن لذاته كقيمة إجتماعية ، بل على العكس وظف كل ما يحمله من قيم مجتمعية متباينة ، دفعا لحملته الإعلامية ، التي لم تَحِد عنها الدولةُ غير أنملة حتى الآن. على الرغم من التغيرات التي طرأت على المجتمع في احتياجاته ورغباته وتحدياته المعاصرة. بالتالي لا يزال الإعلام الإرتري أسير فكره القديم ، وهذه الوضعية ، عزلت الإعلام عن واقع المواطن وهمومه اليومية ، بمعنى نتج عنه فاقد اتصالي كبير.

2- لم يتمكن الإعلامُ الإرتري (الجبهة الشعبية) ومنذ نشأته من تحويل مقومات الإرث النضالي ، إلى قيم وعادات وتقاليد حميدة مؤداها. بل على العكس رسخ مفهوم ثقافة التلقي لا غير. إذا لم يعمل الإعلام الإرتري(ج ش) ، على توظيف قيم المجتمع وعاداته وموروثاته وتقاليده ، لدفع ماكينة العمل الإعلامي ، والإرتقاء بالمسؤولية الأخلاقية لمجتمع نامي حديث ، خرج من أتون مخلفات استعمارية. بالتالي أوجد الإعلام الإرتري أزمات إجتماعية ، أقلها فقدان الثقة في الإعلام الرسمي ، وهو ما وضح في الفترة التي شهدتْ (إعلاما حرا) نسبيا ، وتعاطي المواطن مع أخبار الحروب التي خاضتها إرتريا في كل الجبهات.

 3- انتقال هذا المعيق الإعلامي في الممارسة إلى ما يُسمَّي بالإعلام (المعارض) الغالبية منه وليس الكل ، شكلاً ومضموناً. على سبيل المثال (صوت الجماهير) الأصل ، نتج عنها (صوت أسنا) (صوت المنتدى) ، (صوت عركوكباي). و(تي. في. إري) الأصل ، نتج عنها (تي. في. أدال) قبل أن تتوقف ، هذا التقليد تجلى في الاسم ، وحمل معه أيضا الأفكار في كيفية معالجة قضايا المجتمع. 

4- عدم وجود خبرة مشتركة بين الإعلام الإرتري والجمهور المستهدف من عملية التواصل ، فالاتصال  في الغالب يطرح أفكارًا جديدة ، تحتاج إلى خبرة مشتركة بين الطرفين.

5 – وجود معيقات عامة ، مثل الحالة الاقتصادية للمواطن ، خاصة بعد سنوات الحروب الطويلة ، كذلك المستوى التعليمي أي سياسة التعليم ، والظروف السياسة الأخرى ، مثل حالة اللاحرب واللاسلم للوضع الإرتري. كل ذلك جعل من الإعلام الإرتري (بشقيه) ، إعلام حالة طوارئ لا غير. فقد فيه الإعلامُ الاتجاه الصحيح للرسالة الإعلامية في بعدها التنموي التنويري الارتقائي. وفي هذا الخضم ، لك أن تتخيل كل أنواع المعاناة للإعلام والإعلاميين داخلياً وخارجياً.

س 8 :

كنتَ مع  النظام مثل الكثيرين ، ثم انسلختَ مثل الكثيرين ، ما مبرراتك في الحالتين؟

ج : إذا كان طريقة إجراء المقابلة ، هو الذي فرض إعادة هذا السؤال بشكل مختلف ، فإنني أدعو القارئ الكريم ، إلى مراجعة إفاداتي في المحور الرابع تحديداً من هذه المقابلة. أما إذا كانت الإعادة إمعاناً لأشياء في نفس الإعلامي ، أو فنًا من فنون المقابلات الصحفية ، لن أستنكفَ أن أكون صحفياً محترفاً ، فأقول كنتُ هناك ، مع إرتريا ، في ثوبِ النظام ، أو تحت سلطة النظام ؟ هذه قدرية الله في عباده. ولمَّا كنتُ هكذا قدريا ، كنتُ فاعلا فيما آمنتُ به ، وأخلصتُ فيما أستطعتُ إليه ، بعيدا عن ضبابية الرؤية ، وأحلام اليقظة. نعم أتشرف اليوم وغدًا ، وبكل إباء واعتزاز ، بأنِّي قد وضعتُ شيئا مقدرًا في بلادي ، لن تُمحَى آثارُه الخيرية أبداً ، بفعلِ حاكمٍ ظالمٍ ، أو صفاقةِ ماكرٍ واهمٍ.

        ولمَّا كان معنى من معاني “الانسلاخ” هو التَّنكر للأصل ، كما في الآية الكريمة (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) –  الأعراف آية 175 –  ، أي نزع نفسَه ، بأنْ كفر بها وخرج عنها. فإني لمْ أنسلخ عن النظام ؛ لأني لم أؤمن به كخيارٍ أوحد ، كما أنِّي لم أنسلخ من إرتريتي ؛ لأننَّي لم أكفر بها. وتاريخي وواقعي يؤكدان ذلك. إذ ليس هناك مندوحةً لتبرير مغادرتي إرتريا ، بنفس تبرير وجودي فيها ، وفي الحالتين لم أقع في فخ الإنسلاخ.

وحتى نؤكد لكم أيها الناس ، بأنَّا لسنا منسلخين ، هل كان عليَّ وعلى أمثالي ، بعد أن دفعنا أثمن عمر من حياتنا ؛ أن تُقرأ علينا فاتحةُ الكتاب ، وتُصب لنا خيام العزاء ، حتى نكون مثالا لعدم الانسلاخ  و غيره؟ ألم يكفِ ما مهرنا به من زهرة أعمارنا ؛ لأجل إثبات حقوق عامة ، ليستْ شخصية!! حقوقٌ كفر بها مَن كفر ، وتَخِم بها من تَخِمْ؟ ولستُ مجبرا أيضا ، على تبرير موقعي الآن من المعادلة ، المُفترَى عليها وطنيةً أو خِيانةً. أتابع المشهد العام والخاص ، بعقل وتدبر ، وأفعل ما يمليه عليَّ ضميري العقلاني قبل كل شيء ، أقول شيئا مهنيا كخبير إعلامي ، وفي صيرورة الحياة برمتها ، عندي الكثير من التأملات ، أترفع عن حشر الناس في زوايا ضيقة.

س 9 :

من حيث الشعر والأدب ، أمولود نابغة منقطع عن الجذور أنت ؟ أم في بيتكم شجرة تستظل بها وتستقي الماء الزلال منها؟

ج : تحدوني العزيمة أن أكون “نابغةً” ، رغمًا عن يقيني ، بأنني لستُ بعيدًا عنها ؛ لأنَّ معنًى من معاني “نابغة” “أن يكون الفرد مبرزا في علمه أو فنه ، وأن يكون ذا قدرة خلاَّقة في العلوم أو الآداب أو الفنون ، وأن يكون موهوباً ، مبدعاً ، والتاء هي للمبالغة”. ومن كان موهوبًا في شيء من الفنون أو الآداب أو العلوم ، أو العكس ، أعتقد أنه ليس مُنْبَتًّا. فالأبحاث التي قام بها علماءُ الوراثة ، أكدت أن “الذكاء” كغيره من القدرات العقلية التي يمتلكلها الإنسان ، وهي من الأمور الموروثة ، بمعنى أن 80% من الذكاء موروث ، و20% مكتسب ، كما توضح الأبحاث أن الجينات التي يرثها الطفل من أمه ، هي التي تعلب الدورالحاسم في ذلك.

        لقد نشأتُ في بيتٍ ، كان فيه الشعر والأدب حاضرًا بقوة. كان والدي رحمه الله وأسكنه فسيج جانته ، يحفظ من أشعار المدائح النبوية كثيرها وبليغها. ولو كان ماحِيًا لأميته ، لكتب الشعر أو قاله. بذات القدر ، كانت الوالدة رحمها الله وأسكنها فسيح جناته ، تحفظ الكلام المُقفَّى وبلغة عربية ، وتطرب إلى الحديث المسجوع. إلى ذلك فإن ذات الشجرة التي قطفتُ منها ذات يوم وأنا طفل صغير ، كانتْ مورقة في شكلٍ من ألوانها. وأعني هنا شجرة القرآن الكريم. فقد كان بيتنا بمدينة أغوردات ، عامرًا ومعسولاً بتلاوة الذكر الحكيم يومياً. حيث في المساء يأخذ كل فرد منا كتابه بيمينه ؛ ليقرأ ما تيسر له من القرآن ، وفي ليلة الجمعة نختتمها بدوي المدائح النبوية الشريفة .

تعلقتُ بفن المديح ، رعاية من والدي رحمه الله ، وأنا لا أزال ربما في السادسة من العمر ، وتحلَّقتُ مع المادحين الشيوخ ، بمسجد أغوردات في يوم من أيام المولد النبوي الشريف ، وأنا في عمر العاشرة أو الحادية عشر. أتذكَّر سقوط الميكرفون عن يدي عندما أُعطِيتُه انتزاعا ، فأمسكَ به شيخٌ من شيوخ المسجد ، قدمتُ في ذلك اليوم قصيدتين من ديوان / جفعر الصادق. إضافة إلى ختمتي للقرآن الكريم حفظا وتسميعا على الطريقة القديمة ، ربما وأنا ابن السادسة أو السابعة عشر ربيعا. علما بأني تركتُ تشكيل الآيات على اللوح ، وأنا في سورة (يس). وقفتُ إلى شيخي / سيدنا خليل “بحوش سيدي” حفظه الله لأعرض عليه ما حفظتُه ، تنبه الشيخ أنِّي لم أشكِّل الآيات ، سألني لماذا عن ذلك؟  أجبتُ اتسطاعتي القراءة بلا تشكيل ، فقال إليَّ بالتسميع ، عرضتُ عليه صحيحًا ، فسمح لي بعدم التشكيل إلى أن ختمتُ القرآنَ الكريم بحمد الله.

ثم نظمتُ الكلام في عمر التاسعة عشر تقريبا ، حيث كنتُ مولعًا بفنون الشعر ، وحفظتُ منه الكثير. في هذا العمر شاركتُ في منافسة الأداء الشعري على مستوى السودان ، والتي نظمتُ بمدينة الديوم في “بخت الرضا” ، بقصيدة (الحزنُ يقلع والتجملُ يردَع – والدمعُ بينهما عصي طيِّعُ – يتنازعان دموعَ عينِ مسهَّدٍ – هذا يجيءُ بها وهذا يَرجِعُ) (أبو الطيب المتنبيء) ، حيث كان ترتيبي الثاني على مستوى القطر. ثم أتيتُ إلى فترة الجامعة (أم درمان الإسلامية)  التي أعتبرها أزهر أيام عمري. فقد قربتني أم درمان كثيرا من صالون العلامة (فراج الطيب السراج) رحمه الله ، وعلى امتداد سنوات الدراسة الأربع ، كنتُ أحد حوارييه الحريصين حضورًا أسبوعياً ، في مجمع سياسي لغوي فكري ديني. هناك عرفتُ واستمعتُ إلى كوكبة أذكر منهم : فراج الطيب السراج ، د.حديد السراج ، الشاعرالإعلامي سيف الدين الدسوقي ، اللواء أبو قرورن عبد الله أبو قرون ، الشاعر محيي الدين فارس ، الشاعر مهدي محمد سعيد ، الشاعر صديق المجتبى ، الشاعر الإعلامي حسين خوجلي ، د. مالك حسين ، الإعلامي أحمد عبد المجيد ، الإعلامي الشهيد محمد طه محمد أحمد ، بروفسور عوض ِإبراهيم عوض ، الشاعر الحسين الحسن ، الشاعر صديق مدثر ، د.عبد المجيد حاج الأمين. وغيرهم من النجوم ، استمعتُ إليهم وحدثتُهم ، للراحلين منهم الرحمة والجنة ، وعلى الأحياء لهم مني التحية والسلام.

هذه وغيرها ، هي التي مكنتني من أن أجمعَ عيدانها ، أي ربابة الشعر والأدب والإعلام ، وفي الإعلام أيضا بعدٌ فني. بين هذا وذاك ، في عقلي شجرة من ياسمين ، وفي نفسي عزيمة لا تلين ، ولا تقهرها ألسنةٌ حدادٌ أبدا.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *