قصة المعتقل الشيخ عثمان إبراهيم عبد النور

كغيره من طلاب العلم كانت نفسه تتوق الى المعالي ، همة اجتمعت في شخصه جعلت من ذلك الفتى المثقف الملم بجوانب العلم والمجيد لفنون العمل ، الحافظ لدينه والغيور عليه ، نشأ في بيت متدين ومن أسرة دينية ، نفس عثمان التواقة جعلته يبحث عن العلم في مظانه وبلغ المبتغى في أن يكمل تعليمه الجامعي في المدينة المنورة وفي طيبة الطيبة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ،وبعد التخرج هيئت له الفرص كأصدقائه للعمل في مناطق أفريقيا لكنه آثر إلا أن يمضي معلما لأهله محبا للخير لهم ، كيف لا وهومن رحم هذا الشعب الكريم الذي أنجبه وأنجب النبلاء أمثاله ، والكريم دائما لا يرضى إلا بأعلى درجات الكرم ، حمل علمه تسابقه الأشواق إلى معهده الأول ومدينته التي يدين لها بالوفاء (قندع) وما أدراك ما قندع هي واحدة من المعالم البارزة في الحياة الإرترية فهي مدينة العلم ومحطة اشعاع مع مثيلاتها في إرتريا ، في هذه المدينة الوادعة بدأ الأستاذ عثمان عمله معلما في معهدها ومربي لجيلها الناشيء بحكمة وروية وغيرة على الإسلام وأهله ، كان واسع المعرفة ذكي ولماح ، عارفاً بالإنساب ، مهتماً بالصغير والكبير ، ملما باللغات كالإنجليزية، وإجادته للأمهرية، والتقرنية ، بجانب إجادته للغة العربية ولهجته المحلية ، كان يساعد الناس في كتابة عرائضهم باللغة التي يريدون مما أثار حفيظة الحاقدين عليه ، كان بيته للناس ولقضاء حوائجهم ، يتلقاه الناس في الطرقات ويحكون له من أمور دينهم ودنياهم ، مما جعله نقطة التقاء ومثار إعجاب الكثير من الطلاب والناس البسطاء، لكن ما كان لهذا النجم أن يضيئ في سماوات مجتمعه ولا يعترضه أحد ، فهناك من لا يروق لهم أن يستمر هذا النجم في الصعود ، هم يرون كل  التفاف من الجماهيرأو إبداء اهتمام هو خطر عليهم ، هؤلاء الذين بدأت ثقافتهم في تغييب الآخر المخالف لهواهم ، تغييبه إما بالتصفية الجسدية او بالتغييب خلف ابواب السجون التي هي أيضا باباً من أبواب التصفية، بعد أن تم تغييب العلماء والمشائخ وحملة مشاعل العلم في كرن الصمود ، اتجهت الأنظار إلى المعقل الثاني ومحطة الإشعاع الديني التي حفظت للناس دينهم في عهد الإستعمار ( قندع) وبقانون تعرفه دولة الغابة تم مواصلة الاعتقالات وتمت عملية الاعتقال كعادة الجبهة الشعبية ليلا ًوجاءت مجموعة مسلحة لتعقتل الشيخ عثمان إبراهيم عبدالنور فأبدى مقاومة فأطلق عليه أحدهم الرصاص وسال دمه الطاهر في الأرض أرادت زوجته أن تلحق به وترى ما ذا حدث فما كان من أحدهم إلا أن ركلها برجله في وحشية قاسية .

 لم يعرف أبناؤه الصغار ما ذا جرى ولم يحفظوا من تلك القصة إلا الحكاوي المؤلمة التي تجرعها الصغار قبل الكبار ، لم يعرف مصيره بعد تلك الطلقات هل هو على قيد الحياة ينتظر الفرج من كريم بعد خذلان القريب قبل البعيد وظلم ذوي القربى ، أم فارق الحياة ولحق بربه راضياً مرضياً إن شاء الله ، كبر الصغار وتحملوا من عنت الحياة وقسوتها بفقدان والد لم يكن لهم لوحدهم بل كان والد الجميع ، ترك من الأبناء ابراهيم وحمد، ومن البنات حواء وسمية وستل فهم من ذرية بعضها من بعض، ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ،( 

كان  الاعتقال ليلاً بتاريخ 12 / 7 / 1996م  ولم ينس الشعب العلماء المعتقلين والشرفاء المعارضين الذين لحقوا بهم في ظلمة السجن وألم العذاب.. وإن ذاق مرارات التشرد وكثرت عليه ويلات الحروب ، فالعلماء مشاعل تهدي الطريق وهم ذاكرة الأمة وذكراها التي لا تشيخ ، قد يغيبون عن الحياة اليومية وقد يغيبون عن الوجود لكن أعمالهم تظل تؤرق من غيبهم ، وأسماؤهم ترهب من أقدم على الجريمة ومن شارك فيها ، سيظل الشيخ عثمان – مثل بقية إخوانه الشرفاء الأبطال –  رقماً في سجل الخالدين في الذاكرة ما حيينا ،

 هذه محاولة سريعة لإلقاء الضوء على نجم من نجوم الدعوة في ارتريا وقفنا فيها على الملامح العامة وهي فاتحة خير لتوثيق رموز أمتنا وعلمائها ومناضليها وحتى مواطنها البسيط فنحن أمة تجيد فن السرد ولا تهتم بفن التوثيق، هي دعوة لتلاميذ الشيخ في كل بقاع الأرض أحببنا أن نلفت نظرهم ونحيي سيرة شيخ كانوا جزءًا من برنامجه فمن أقل الواجب عليهم أن يكتبوا عنه ليعلم القاصي والداني أن الذين خلف السجون سجنوا من أجل دينهم وتوعية شعبهم ، لم يقترفوا ذنباً ولم يرفعوا سلاحاً ولم يؤذوا أحدًا . والسكوت وطي تاريخهم هكذا يؤكد للمجرم أنه كان على صواب ، لذلك من مهمتنا أن نذكرهم ونحتفي بسيرهم كما كانوا يحتفون بتعليمنا ويعملون  في رفع الجهل عنا، فإطلاق سراح علمائنا حق نطالب به وهو حق أبى النسيان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *