دراســاتمقالات وآراء

كتاب باللغة الألمانية يوثق للثلاثة :

قنادلا وأسرته الكريمة وكلبهم وسكه و"زينا"

ترجمة المادة الأساسية الأستاذ م. إ. قنادلا

كم من السيرة المهاجرة مخفية مهملة، تصبح غايتها طعاماً تأكله ، وشراباً تحتسيه ، ومقاماً مريحاً يتوفر لها  ، حتى يأتيها الأجل الذي يقضي على الروح قبل أن تكتب حديث الذكريات.  وهذه هي الفئة العظمى من المهاجرين الأرتريين فقد شاخت شخوص كثيرون فهي على حافة الرحيل ، ونشأت أجيالهم الجديدة على غربة العرف واللسان واليد والوطن.

والأستاذ محمد إدريس إبراهيم ” قنادلا ” واحد من الأقدام المهاجرة  إلى سويسرا متعبة مرهقة ، غادرت قراها الجميلة ومرابع صباها اللذيذ ، تركت  بيوت الطين الأثيرة ،  والقش الأنيق  و الجريً خلف الماشية طوال اليوم بسعادة ،  أو غرس الأرض بالثور الذلول لتوفير قوت العام بهناء.   غادر الوطن وانتهى به السعي المهاجر إلى وطن الأحلام  سويسرا أمنا ومعيشة وسعادة وعدلاَ وبينما هو  في وطن أحلامه يذكر سعادة قريته ، ومعيشته بين مجتمعه الصغير ويوالي وطنه الأصيل بحب ، ووطنه البديل بحب فالأول يمثل له التاريخ والعشيرة والأرض والسماء والماء والثاني يمثل له الأمن والأمان والعدل والعمل والمعيشة  وينظر إلى كلا وطنيه بأنها أرض الله الذي أتقن كل شيء .

أجرت ” زينا ” مقابلة معه في عام سابق  بعيد هجرته تحدثت عن  رحلة المتاعب واليوم تولى المهمة غيرنا لتحويل السيرة المرهقة والواقع الجميل إلى كتاب أنيق باللغة الألمانية

ربط الأرتري المهاجر بمسيرة تاريخه الأليم وحاضره السعيد في مقارنة تنتصر لصالح العدالة الأروبية في مواجهة الجور الوطني

إن قنادلا اليوم وأسرته الكريمة يجدان في دار الهجرة ما يستعينان به من المحافظة على  الخصائص الأصيلة من دين وخلق وعرف نبيل في تعايش إيجابي مع خصائص وطنية جديدة تجعل الأسرة  جزءاً  غير غريب ، ولا مستوحش، ولا خائف، ولا مخيف بل يجد من يتضامن مع حالته فيخلدها في كتاب بينما هو مطرود من وطنه على يد بني جلدته من نظام وحواشي وبطانة السوء التي تحيط به من أبنا الشعب الارتري وقد اختارت ان تكون يد الجلاد الباطش ، وسوطه الجائر، وقلبه الحقود.

الكاتبة في سطور :

اسمها :  مونيك ديميري Monique Demierre    وهي تنتمي في حاضرها وتاريخها  إلى ثلاث دول فرنسا  وألمانيا وسويسرا.  ولا تعتبر ذلك منقصة في حياتها لكنها لن تنسى منغصات تعرضت لها في مسيرتها ثمنا لهذا الانتماء الوطني المزدوج.

مضى من عمرها اثنان وسبعون عاماً منذ ميلادها عام 1949م  في  قرية حدودية متنازع عليها فهي  ألمانية ثم صارت بحربٍ فرنسية ثم عادت بحربٍ إلى إلمانية ثم انتهت بحرب إلى  فرنسا وأبوها الفرنسي الألماني تزوج  سويسرية فاكتملت لديها الخرائط الثلاث.

وتقول التفاصيل : أن أسرتها من منطقة حدودية بين فرنسا وألمانيا  تدعى ” ال ساس ” ومن غرائب تاريخها أن أباها غير جنسيته ثلاث مرات حسب الظروف السياسية بين البلدين

فحينما سيطرت في منطقته فرنسا أرغمته على حمل جنستها وكذلك فعلت ألمانيا وهذا ثمن المناطق الحدودية فليس كل مرة تذوق العسل بين طرفي الحدود .

أبوها كان في الجيش الفرنسي فأسره في المعركة  الألمان  وظل سجينا ثم تم تجنيده في الجيش الألماني فحارب الفرنسيين كما حارب الروس وقد أصيب بجراح  وفي الحرب العالمية الثانية تغلبت على المنطقة فرنسا فغير والد مونيك جنسته للمرة الثالثة إلى الفرنسية وانتهت بذلك مسيرة حياته حتى توفي فرنسيًا  ، وعلاقته بسويسرا أن زوجته أم أولاده  من سويسرا فهم من سكان الحدود بين الدول الثلاث ومن لطف هذه الدول أنها لا تعاقب مواطنا يحمل جنسية أخرى خاصة بدولة خصم وإن أقصى ما تفعله ان تسحب جنسية الخصم وتبقي الجنسية الوطنية الخاصة بها  مرحبة بمواطنها وهكذا قضى حياته والد مونيك وهو يتمتع بالجنسية  الفرنسية التي كان قد حاربها مع الجيش الألماني دون أن يجد حرجا سياسيا ولا اجتماعيا يجعله كسيرًا منكس الرأس كما يحدث لكثير من الأرتريين أصحاب الجنسية المزدوجة المقيمين في دار الهجرة المجاورة .علما أن الدول الأوروبية تسمح لمواطنيها بامتلاك الأراضي والعقارات كما تسمح لهم بالعمل في أي دولة شاؤوا  من الدول الأعضاء دون قيود ولا ضغوط ولهذا نجد الكاتبة تنتمي إلى سويسرا ولها أهل في فرنسا ومثل ذلك في ألمانيا ويتواصلون دون قيود ويجاهرون بتباين انتماءاتهم جغرافية وجنسية ، وقوة ارتباطهم نسبًا وصهرًا وتبادل مصالح وهذا الذي لا يتوفر للأرتريين في الدول المجاورة فهي تظل غير معترفة بمهاجر يقيم في أرضها أكثر من نصف قرن إلى درجة يصبح شخصية هزيلة فهو لا يعبر بقوة عن جنسيته الأصيلة ولا عن جنسيته البديلة بل يلوذ بالتواري عن الأنظار غايته ان يعيش بهدوء وخمول بسبب عدم وجود قانون وسلطان ينصفه ويحميه .

الكاتبة مونيك عاشت هذه الظروف المشابهة للأرتريين إنها ذاقت مع عائلتها مرارات الحرب والسجن ونزع الجنسية  والتجنيد الإجباري الأحوال القاسية التي تعرض لها أبوها  ولهذا كتبت عن مأساة أرتريا بصدق ومشاعر إيجابية  فهي تجد نفسها في تجربة المعاناة المريرة كما يجدها الأرتريون فمنذ أن بدأت الدراسة في الروضة كان مطلوبا منها ان تتجاوز مشقة اللغة الفرنسية مع أن لغتها ألمانية وموطنها يتحدث الألمانية لكن فرنسا تغلبت على المنطقة في الحرب العالمية الثانية  ففرضت لغتها على السكان فأجبرت مونيك أن تتعلم لغة الحاكمين الجدد في الروضة وتمضي مصاحبة لها في حياتها .

من سيرة مونيك أنها درست التمريض فعملت في المستشفيات وطورت نفسها حتى تعلمت الطب النفسي فكانت مستشارة للطفولة والأمومة

وفي حياتها الاجتماعية الأخرى أنها تزوجت من طيار سويسري وقد طارت بها مهنة زوجها إلى العمل في استراليا لمدة ست سنوات تحصلت فيها على  الجنسية  لكن استقرت أقدام الأسرة المهاجرة إلى سويسرا الموطن الذي غادرته مختارة وقد عادت إليه مختارة .

مونيك أنجبت ثلاثة أطفال: ولدين وبنتاً واحدة اسمها ” مريال ” وقد تزوجها باكستاني مسلم.

من خلال دراستها وتجاربها وخلفيتها التاريخية أصبحت مونيك خبيرة إنسانية ولهذا فهي تعمل الآن مع منظمة إنسانية اسمها : (Solinetz ) ومن مهامها أنها تعلم اللاجئين اللغة الألمانية  كما تعمل على مساعدة المهاجرين على  الاندماج الإيجابي في المجتمع الجديد.

والوظيفة الحالية فرضت عليها أن تتعامل مع الناطقين بالعربية ولهذا أخذت تتعلم هذه اللغة حتى توصل رسالتها إليهم بسلاسة  وتدعم وتنمي مواهبها من خلال مكتبة ضخمة تضم كتبا عربية وإسلامية .

ولعل مونيك تدرك أن هناك أوجه الشبه بين بعض اللاجئين وبين  ظروف أبيها فمن المهم  ان يتحدث المهاجر صاحب القضية  بشفافية  عن التجارب القاسية  ليجعل منها عملا أنيقاً مفيداً يستحق الإشادة والإفادة  لكن يوجد من  الأشخاص من يلوذون بالصمت العميق  عن مراحل من حياتهم مهمة وهذه حال كثير من  المهاجرين الأرترين فإنهم يتعاملون مع مآسيهم علي يد نظامهم بالتجاهل والإعراض ولهذا تتساءل مونيك لماذا ظل أبوها طول حياته صامتًا عن الحديث بشأن الحرب التي كان يخوضها إذ لم يبح ولو بكلمة واحدة عن تلك المرحلة حتى مات حسب ما ترويه مونيك ..

.فهل يخشى الأرتريون المهاجرون أن يلاحقهم نظامهم الجائر مناما في أسرتهم الهانئة أو أمواتا في القبور الموحشة.وترى الكاتبة إن هذا هو الصمت المحير

الكتاب:

كتاب مونيك عن سيرة ومسيرة الأخ الكريم الأستاذ محمد إدريس قنادلا وأسرته وضعت له الكاتبة عنواناُ حقيقياً مثيراً وهو

وسكه وشجر السدر –  مذكرات  لاجئ

اللجوء مأساة أليمة ارتبطت به مسيرة المهاجر عن الوطن لكن ما الذي يدعو الكاتبة لتجد علاقة بين ” وسكة ” و” شجر السدر ” وبين ” لاجئ :

شجرة السدرة كانت أصيلة في حياة المواطن الأرتري المهاجر محمد إدريس قنادلا ، كانت صديقة وفية ، يأكل من ثمرتها هو ، وتأكل من أوراقها بهائمه وتشترك معهم في المعيشة عليها الطيور والقرود ..الخ . وهي ظل لماشيته ظليل،  ومقر للعبه ممتع .وواضح أن هذه الشجرة تجمع الإنسان والحيوان والظل والغذاء في هناء ولهذا يصبح فراقها مراً .  أما عن قصة ” وسكة ” فهو اسم لكلب العائلة وفي،  كان يحرس بهائم الأسرة وقد تحدث الأستاذ أبو هاني لوكالة زاجل الأرترية للانباء ” زينا ” عن هذا الكلب فقال :

كان مميزا في كبر حجمه ، وقوة جسمه،  ووفائه الشديد للأسرة ؛ ولهذا كان محبوباً من الجميع . وأضاف : من ذكرياتنا أن ذئابا هجمت علينا في القرية  وقام ” وسكه ” بمهمته في الدفاع عن الماشية وأربابها كما هو شأنه حتى عجزت الذئاب من الاعتداء علينا فاتجهت إلى الكلب ” وسكه – wassaka ” للانتقام منه ، كان يدافع عنا بشراسة ،  وكان وحيدًا في معركة غير متكافئة تحيط به ذئاب كثيرة  حقودة.

كنا ندعمه بإرسال حمم وشعل لهب نرميها باتجاه الذئاب لعلها تخاف ، وكنا نمنع البهائم ان تهرب وتتفرق مذعورة فتصبح لقمة سائغة للذئاب، وقد صعب على الأسرة الوحيدة توزيع المهام بين حماية نفسها وحماية البهائم وحماية الكلب ” وسكه ” الذي تعرض لهجوم غير راحم فقد تجمع عليه قطيع من الذئاب حتى تخاطفته قطعة قطعة ، وهو حي ونحن نرى عجزنا الخذول عن إنقاذه ، مات وسكه رحمه الله  وقد ترك سيرة عطرة خالدة مخلصة وفية  ضحى بنفسه لحمايتنا ومن فضل الله علينا أن انصرفت الذئاب عنا بعد القضاء على خصمها الجسور ” وسكه “.  ولهذا  كان وسكه جزءًا من الكتاب حسب تقدير المؤلفة يستحق التخليد.

محتوى الكتاب:

الكتاب يقع في 116 صفحة ويضم عشرين مبحثا كلها سعت في تخليد الحدث حدث هجرة  الأسرة  إلى جانب مباحث في المسيرة التعليمية للأستاذ أبي هاني محمد إدريس قنادلا بدأ من الخلوة القرآنية وانتهاء بما تلقاه من تعليم جامعي ودورات تأهيلية وخبرات عملية  كما أن الكتاب لم ينس  حياة الطفل قبل الهجرة كيف كان يلعب ويرعى  ويقوم بأدوار مع والده في تدبير المعيشة والتدريب على مواجهة الحياة . ذكر قنادلا أنه تعرض لهجوم مثير من نمر الذي قام بحركات مثيرة أمام الأسرة فهم الطفل قنادلا بإرسال الحجارة الغاضبة عليه لكن حكمة الوالد – رحمه الله – رفضت الإجراء وقال : إذا استجبنا إلى إثارة النمر واستفزازاته وفرنا  له المبرر الكافي للهجوم علينا وقد نعجز عن المقاومة ونصح بالتجاهل حتى  انصرف النمر بهدوء يلوح بذيله الأنيق .

الكتاب تحدث عن دور وكالة  زاجل الأرترية للأنباء في الإعلام المعارض للنظام الأرتري وأوضح أن الأستاذ محمد إدريس واحد من أعضائها عامل بنشاط وهمة وقد تضمن الكتاب ثلاث مواد أساسية  مصدرها موقع ” زينا ”

في الكتاب توضيح لأسباب الهجرة في أرتريا وعن معاناة المهاجرين حتى يصلوا إلى الدول المستقبلة ، وتضمن كذلك تقارير عن انتهاك حقوق الإنسان في أرتريا نشرتها المنظمات الدولية .

وتضمن  الكتاب تعريفا موجزا عن أرتريا شعبا وأرضا وكيف أنه وطن يحلم بالسلام ويسعى لتحقيق السلام معافًي موحداً  يحكمه القانون ويسترشد بالديمقراطية التي تحترم حرية الرأي والتداول السلمي للسلطة وحق العمل وحرية المعتقد والرأي  والحركة وضمن محتوى  الكتاب يأتي استعراض لآراء وذكريات الأسرة الكريمة توضح كيف أنها وجدت الأمن والعمل والإقامة الهانئة بعد حرمان وملاحقة  وظروف طاردة في الوطن ارتريا وفي السودان  كذلك دار الهجرة الأولى حتى الوصول إلى الوطن البديل سويسرا

السطر الختامي :

الكتاب وثيقة مهمة ركز على حالة  واحدة جعلها نموذجا معبرا عن كل الواقع الأرتري المهاجر ، والكتاب مهم لأنه باللغة الألمانية  ومهم لأنه يصل إلى أصحاب القرار والفئات المثقفة هناك ومهم لأن صاحب القضية يتصدر المشهد ليعبر عن قضيته وقضية شعبه  ومهم لأنه يمثل الإنسان الأرتري المثالي الذي نجح في الهجرة وعرف كيف ينجو من الذوبان في المعيشة وكيف يوفق و يحافظ على التزامات وطنه الجديد ووطنه الأصيل ليجعل من الوطنين صفحة واحدة إيجابية محببة  .

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى