مات القائد المجاهد حامد اسكول ولم تمت شمائله( بقلم : باسم القروي)

موت قائد ليس كموت أي شخص آخر ، ولهذا ذهل الصحابة عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال الفاروق عمر : ( إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، … وو الله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات.  )

ومع ذلك ليس لنا غير أن نستعذب ترداد : إنا لله وإنا إليه راجعون

هي الملاذ الذي نحتمي به عندما يصيب سهم الموت أكباد الرجال

موت القادة هو خلو المواقع من شخوصها ، والسماء من نجومها ،  فهم لا يولدون مرات متكررات ، وإنما هم نوادر الزمان، ونوادر الأرحام ، فليس كل أبناء حواء ملائكة ، ولا كلهم عمر الفاروق ، وحمزة  الأسد ، والسيف المسلول خالد ، وكم من الصحابة كان مع هؤلاء وهو غير مشهور شهرتهم ، وغير منجز إنجازهم .

و (  حامد محمد حامد اسكول. – من مواليد 1957م  حسب البطاقة الشخصية)  كان مثل أولئك الرجال ،نجم سقط ، ليذر ظلامًا في السماء .

عوضنا الله ،

 ثبتنا الله .

أثابنا الله في مصيبتنا .

مدينة هيكوته استقبلت الشيخ حامد  اسكول عند ميلاده فقرأ في مدرستها الحكومية ثم تحول إلى معهد الدين الإسلامي بالمدينة نفسها وقد تتلمذ على  يد الشيخ أبي مصعب خليل محمد عامر ثم هاجر إلى السودان  فتلقى التعليم في معهد النهضة الإسلامي بخشم القربة ومضى به القدر حتى وصل إلى  السعودية ليكمل تعليمه  بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي تخرج  فيها متخصصا في الشريعة .

درست معك في المدينة المنورة ، أرض الهجرة والنبوة والجهاد والخلافة الراشدة

فكانت سيرتُها سيرتَك صلاحًا وجهادًا وتضحية ًوصبراً .

عرفتك قائدًا منذ أيام الطلاب ، تجمع الكلمة ، وتطيب  الخاطر ، وتعالج المشكلات بلمسة حنون وبسمة سرور ، وهدوء ناعم يبني المعروف ، ويقع بلسم شفاء على الجراح.

عرفتك أميرًا ومأمورًا ، فكنت الخير في كل منهما ولا نزكيك على الله .

عرفتك أرض الجهاد ( …. )  فاكتسبت منها  التدريب والحنكة والقيادة ، ذهبت إليها فقيهًا خريج كلية الشريعة ، ورجعت منها فقيهًا في فنون القتال في سبيل الله  ، لم تعد إلينا خارجيا مكفرًا ، ولا مفسقًا ولا عاصيًا باسم الله يشق  عصى  الطاعة ، وببتهج بالخروج عن الجماعة ، وإنما رجعت إلينا وليًا مباركاً نحسبك كذلك ولا نزكيك على  الله،  وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للقلوب بعالمين .

والله أعلم أنه لو كشف الغطاء لرأينا  السريرة مثل العلانية أو هي خير لأن الحسنة بعشر امثالها

وأن السير الحسنة التي يراها المؤمنون فيشهدون بما يشاهدون هي عاجل بشرى المؤمن لأنهم  شهداء الله في الأرض وفي الحديث الصحيح قيل لرسول الله صلى  الله عليه وسلم 🙁 أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال صلى الله عليه وسلم :  تلك عاجل بشرى المؤمن).

عرفت صبرك في  أرض  التأهيل ( … )  حيث أتت إليك رسالة ..  من كائد زعمت كذبا أن أباك قد مات ، وقد أرادوا من ذلك أن يجبروه على ترك التأهيل والتدريب والمهمة الجهادية التي كان فيها ، كانوا يريدون احتكار التاهيل لعناصرهم فيما بدا من سيرتهم اللاحقة. والله أعلم بسريرتهم وظاهرهم كان ظاهر سوء.

أتيت من السودان حيث كنت في إجازة سنوية فأتيت معي بشريط صوتي من أبيه من معسكر شجراب يسلم عليه ويرسل حبه وأشواقه وتحياته  فتبعثرت جلسة العزاء بين خبرين متناقضين: خبر أحمله بشرى لحامد اسكول  من اسرته وابيه ، وخبر وجدته منكسرا حزينا به .وذلك زمن لا توجد فيه اتصالات سريعة وكانت الوسيلة الأهم رسالة بريد أو رسائل تسجيل  صوتية تأتي مع العابرين

أجرينا بعض المقارنات الهادئة فاتضح أن خبر زيارتي وتسجيلي حدث بعد خبر الوفاة الكاذب

وحامد المجاهد لم تفزعه مكائد الخبر الأول كما لم تهزه حسن نوايا الخبر الثاني لأن الأقدار بيد الله فمن كان حيا اليوم قد يموت غدًا ومن زرناه فرحا اليوم قد يزوره غيرنا غدًا في جلسة عزاء حزينة .وبهذا قد ضعف ترجيح أحد الخبرين بداية.

والأولويات كانت عند الشيخ القائد حامد  إكمال المهمة ولهذا لم تؤثر على همته وعزيمته الرسائل المثبطة الكائدة فمضى في مهمته حتى بلغ ما يقارب الأربع سنوات هناك أثمر الزرع فيها  وأينعت الثمار وتهيأت للقطاف.

عاد إلى السودان حاملا علم الشريعة وعلم الجهاد والتضحية وقد عاد منافسوه بعلم الانشقاق والفتن وفقه الخروج عن الإمارة والطاعة

وصل السودان فوجد أباه حيا يرزق فعاش معه وشهد – لاحقاً-  مرضه وموته رحمهما الله تعالى  وقام بخدمته خدمة الولد البار للوالد الغالي ويقينا أنه روى له خبر الوفاة الكائدة وكأني بهما يتضاحكان ، ويستبشران بالعافية ويحمدان الله الذي رد كيد الكائدين ..

وصل السودان فشهد وحدة المجاهدين مبتهجا بها وقد كان منافسوه متضايقين منها فاعتصم وفتنوا ، وقد قاد ركب العافية في زمن الانشقاق فلازم الساحة مجاهدًا دون أن يخوض بالمجاهدين حروب الفتن التي كانت تتحرش بهم وهم صابرون ،

تقلب في المناصب الإدارية في الحركة الإسلامية الأرترية فكان مجندا عاديا ثم نقيب أسرة ثم أمير شعبة وكان رئيس التضامن الإسلامي للطلاب الأرتريين بالمدينة المنورة في إحدى دوراته .وفي الجهاد كان عضو مجلس الشورى في كل دوراته المتتالية حتى وفاته   ومسؤولاً عن شعبة التدريب في الأمانة العسكرية  ومسؤولاً  للشؤن الادارية ثم نائب أمين الأمانة العسكرية ثم أمين الأمانة العسكرية  حتى أقعده المرض رحمه الله منذ  ثلاث سنوات تقريباً .

رواية موقف :

من مرويات ذلك الزمن الجميل  زمن الدراسة بالمدينة المنورة أننا ورثنا مشكلة من إدارة سابقة للتضامن وهي أن أحد الطلاب يطلب مبلغا من إدارة الاتحاد ( التضامن )  وزعم أن ذلك حظه من بقية اشتراكات موسم الحج وتفاصيل القصة أن الطلاب الحجاج كانت سنتهم الاجتماع في رحلة حج واحدة تنقلهم من المدينة إلى المشاعر ويدفعون اشتراكات لسداد تكلفة الترحيل والخيمة والمعيشة في المشاعر، وأن الإدارة المعنية تنظر إلى المبلغ المرصود في نهاية يومي التعجيل في الحج لتعطي المتعجلين ما بقي لهم من مبلغ وتبقي للمتأخرين نصيبهم لمصروفات اليوم الثالث عشر .

أحد المتعجلين سمع أن المبلغ الباقي قد زاد عن حاجة الباقين فتقاسموه نقدا وزعم أن له الحق فيما قسم وظل يرفع قضية إلى كل إدارة تنتخب سنويًا يطالب بنصيبه دون أن يقنع أحد بصحة دعواه بناء على أن المتعجلين –  وهو منهم – قد أخذوا نصيبهم نقدا  وما بقي كان للمتأخرين لا للمتعجلين والنصيب الذي يطالب به زهيد جدا لا أحسب أنه يصل الخمسين ريال سعوديا

وجاء الدور في قيادة التضامن على فريق قيادي جديد في دورة ثالثة من الحادثة- حسب ما أذكر –  فرفعت القضية إليه وكان من بين الحضور الشيخ حامد اسكول فقال : أنا أدفع المبلغ حتى نطوي ملف القضية بعد سنوات شكوى متتالية .. وأذكر أننا سلمنا المبلغ للشاكي وكتبنا نصا وقع فيه بالاستلام و ويتعهد أنه لا يرفع شكوى بعد ذلك للإدارة القادمة في الأعوام القادمة .والظرف فات ، والذكرى خالدة لم تَبْلَ تشهد لرجل بنبل وسخاء  ولآخر بخساسة وطمع وشح .

في الميدان :

ألف حامد  الميدان والجهاد ، وقد كانت قدماه تطآن وديان أرتريا وجبالها وهضابها وسهولها ، يتحرك مع المجاهدين ، ويتحمل الجوع والعطش  ، والتعب وخوض المعارك .

شاهدته مرة يخاطب جمعا من المجاهدين في الميدان يتلو عليهم نصوصاً من الأدعية الواردة  عن فضل الجهاد في سبيل الله حتى زين أمامنا كل خطوة  نخطوها في سبيل الله ، وكل جهد نقوم به وإن قل،  فإن الله يضاعفه ، ويسجل في  سجل حسنات المجاهدين نومهم،  ويقظتهم ، وحركتهم،  وسكونهم ، وما قطعوه من واد ، أو صعدوه  من جبل . ما أحلى تلك الأيام السعيدات الحالمات!

 لم ينكث المجاهدون البيعة ، ولم تنكسر رايتهم ، ولم تفتر عزائمهم وإنما تدخلت لغة الأرقام  والتقديرات والقراءة للأوضاع بلغة السياسة والعقل والحساب والموازنات الإقليمية والدولية لا بلغة الجهاد والتوكل على الله  حتى دخل الوهن في النفوس ،

الوداع الأليم

عانى الشيخ أبو دجانة منذ ثلاث سنوات تقريباً من عمره المعطاء مرضا ، تردد به إخوانه وأسرته إلى مستشفيات الداخل والخارج  يعرضون حالته على طبيب خاص وعام  ، ومشافي متخصصة  راقية يريدون بقاء عافيته وجهاده وهمته وعطائه  وكان الأجل المحتوم لا يقوى على دفعه العلاج المرسوم ، مضت سنوات  الألم فلا هو برئ ، ولا الأصحاب ملوا عن العلاج  وكان الختام المفاجئ  أن ودع بنته الوحيدة ( امتنان ذات السنوات الثلاث – من مواليد 2016م  ) وأهله وإخوانه في الله مساء الاربعاء الثامن من مايو 2019م  الساعة الحادية عشرة ليلة الخميس  إنه يوم مبارك ، وفي شهر رمضان  المبارك ولعل هذه من كرامات  الأولياء الصالحين وعلامة رضى عند رب العالمين .

 غفر الله لك يا حامد ،

 أثابك الله يا حامد ،

 ثبت الله أهلك يا أبا دجانة يا أبا امتنان

فمثلك يترك غيابه جرحا نازفا في الجماعة ولأنها مباركة قد تجاوزت ألم فراق رسولها  الأعظم صلى الله عليه وسلم ، ويومها مثل أمسها في التعلق بالله تعالى ومواصلة العمل الدؤوب يصل فيه ويرث الخلفُ السلفَ على خير وهدى وصلاح .وتمضي المسيرة القاصدة وهي تلوذ بالله العظيم وتستعين به على عزائم أمورها حتى تحقق إحدى الحسنين : الشهادة أو الانتصار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *