مقال لمثقفة إماراتية متخصصة يرى أن توافق إسرائيل وإمريكا يدير العلاقات الأرترية السعودية

كاتبة إماراتية متخصصة في الشان الإفريقي ترى أن التوافق إسرائيلي الأمريكي هو الذي  يدير العلاقات الأرترية السعودية وأن حرب اليمن من مقاصدها ألا تنتهي قبل استنزاف الإمكانات العربية الخليجية  وتؤكد أن النظام الأرتري فقد كل مقومات الدولة المعافاة وان التغيير السياسي في أرتريا قادم قادم  ويرى المقال في تحليله أن دول الخليج العربي في طريقها إلى التطبيع مع إسرائيل  قريباً استجابة للفاعل المؤثر ، المقال التحليلي جاء بعنوان :

الرّياض- أسمرة ومُحرّك أحجار الشّطرنج

تكاد تكون العلاقات الخليجيّة الإريتريّة هي الأقلّ حضوراً بين قريناتها من دول القرن الإفريقي، ولولا عاصفة الحزم لم يكن لأسمرة ذكراً في ملفّات السياسة الخارجيّة الخليجيّة إلا فيما ندر. وقد يتساءل سائل لماذا كانت العلاقات الخليجية الإريترية هي الأقلّ حضوراً من بين قريناتها؟ وأعتقد أنّ أسباب ذلك كثيرة منها؛ تركيبة الدولة الإريتريّة الّتي فقدت بمرور الوقت مقوّمات الدولة الحقيقيّة وأصبحت عبارة عن بقعة جغرافية لا تصلح إلا للتّأجير، ويدرك حلفاء النّظام الإريتري قبل غيرهم بأنّ التغيير السياسي قادم إلى أسمرة لا محالة  فالزمن تجاوز إريتريا ويأبى أن لا يكون له دور في اجتثاث ذاك الرّكام البالي الذي أبتلي به أهل إريتريا .

   وكانت وسائل الإعلام والصحافة في شرق إفريقيا قد تناقلت مؤخّراً خبر زيارة وفد سعوديّ رفيع المستوى إلى العاصمة الإريتريّة أسمرة، فتواردت على بريدي الإلكترونيّ عشرات الرّسائل من زملاء البحث العلميّ يطالبونني بتفسير تلك الزّيارة الّتي وصفتها النّخب الإفريقيّة بالزّيارة “المتوتّرة”. ورغم اختلافي معهم في وصف تلك الزيارة بالمتوتّرة، إلاّ أنّني اتّفقت معهم في أنّ أسمرة لن تبذل جهداً في دعم الرّياض وحلفائها إلا بعد موافقة مُحرّك أحجار الشّطرنج في القرن الإفريقيّ (إسرائيل)

تلعب تل أبيب دوراً محوريّاً في منطقة القرن الإفريقي منذ عقود طويلة ولسنا هنا بصدد الحديث عن تاريخ علاقة إسرائيل بدول القرن الإفريقي، ولكن يكفي أن نذكر مثالاً واحداً من باب الدّلالة على منهجيّة الفكر الاستراتيجي الإسرائيليّ في تحريك الأحداث في تلك المنطقة، فعندما انقطعت العلاقات بين أديس أبابا وتل أبيب بسبب التّعاون الّذي جمع جمال عبد الناصر والإمبراطور هيلا سيلاسي في منظمة الوحدة الإفريقيّة، وتحوّل أديس أبابا من التّحالف مع الغرب إلى دول المعسكر الاشتراكيّ. وقد تبيّن أن ذلك تم بالتّنسيق الكامل مع الولايات المتّحدة وتل أبيب، وأنّ العلاقات الإثيوبيّة الإسرائيليّة لم تنقطع أبداً، بل كان رجال الموساد حريصين على عدم نجاح الثورة الإريتريّة لخشيتهم من ضياع هويّتها المسيحيّة وتحوّلها إلى دولة عربيّة مطلّة على البحر الأحمر. ومن مقولات الساسة في تل أبيب: “أنّنا نختار إثيوبيا موالية للسوفيات ولكنها مُسيطرة على إريتريا  ولا نريد إثيوبيا موالية للغرب وفاقدة للسيطرة على إريتريا”، بل وتطوّر الأمر إلى أن تل أبيب وجدت أن مصالحها تتّفق مع مواقف الاتّحاد السوفياتي في إثيوبيا من ناحية، ومن ناحية أخرى أجبر الموقع الاستراتيجي لإريتريا واشنطن على التمسّك بإثيوبيا رغم تحوّلها اليساري. وهذا ما يفسّر رفض الولايات المتّحدة تزويد الصّومال بالأسلحة الهجوميّة خلال حرب أوجادين، وهو ما يُفسّر بعد ذلك نجاح تل أبيب في إعادة صياغة التّحالفات الّتي مكنّتها من توثيق علاقتها مع إثيوبيا ميليس زيناوي من ناحية، ودعم الثورة الإريترية الّتي كانت ضدّها متمثّلة في الجبهة الشعبيّة برئاسة الرّئيس الإريتري الحالي أسياس أفورقي من ناحية أخرى.

دلالات زيارة الوفد السعودي إلى أسمرة

الدّلالة الأولى: أرى أن زيارة الوفد العسكريّ السعوديّ إلى إريتريا لم تأتِ بنيّة مُطالبة أسمرة بدعم حقيقيّ في جنوب الجزيرة العربيّة بمقدار ما هو إعادة سعوديّة لقراءة ما يحدث في القرن الإفريقي ترتكز على طمأنة نفسيّة تطمع بها الرّياض، وتتأكّد بها من سلامة الموقف عندما تتغير أشرعة السياسة في القرن الإفريقي مع قناعتي الكاملة أن الطمأنة النفسيّة والتأكّد من سلامة المواقف لا مبدأ ولا وجود له في العلاقات الدولية. فالرياض مُدركة تماماً بأن ما تبحث عنه لن تجده في أسمرة ولو وجدته فلن يتحقّق لها إلاّ بتوافق إسرائيليّ-أمريكيّ لا غير ولا دخل هنا لأسمرة مثلما لا دخل للرّياض وحلفائها في تأخّر حسم المعارك في جنوب الجزيرة العربية .

الدّلالة الثانية: لا ترغب القوى الدوليّة أن يحقق التّحالف العربيّ في جنوب الجزيرة العربيّة نصراً حقيقيّاً، فتحقيق نصر بقيادة التّحالف العربيّ في اليمن سيعطي دافعاً معنوياً للتّحالف أن يعيد الكرّة في عواصم أخرى، وسيدعم الجبهة الداخليّة للمملكة وحلفائها، وهذا يعني رسالة مباشرة بأنّ لإيران من يواجهها وهو قادر إن أراد ذلك. وذلك ما لم يكن لتسمح به القوى الدوليّة، فهذه القوى نفسها ضالعة في عرقلة حسم المعارك في اليمن، وهي المُستفيدة من بيع الأسلحة للتحالف العربيّ، وهي الحريصة على إخراج عمليات التّحالف العربيّ في اليمن بتلك الصورة المؤسفة المتداولة اليوم في الإعلام العالميّ ويتمّ استخدامها كورقة ضغط لمزيد من الابتزاز والتّلويح بين الفينة والأخرى بملف حقوق الإنسان في الدّاخل الخليجيّ، وفي اليمن وربط هذان الملفّان ببعضهما بما يتناسب والمصلحة الدوليّة لتلك القوى.

الدّلالة الثالثة: منذ اندلاع عاصفة الحزم عام 2015 بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة، وهي مخطّط لها أن لا تصل إلا لحلّ سياسيّ يُحرج أطراف التحالف أمام شعوبهم قبل إحراجهم أمام الرّأي العام العالميّ. وكان يمكن تفادي ذلك كله لولا المباركة الدوليّة التي وعدت حينها بأن المعركة في جنوب الجزيرة العربيّة ستكون  قصيرة، خاطفة، مؤثّرة، ناجحة.

يبدو أن دول الخليج باتت قاب قوسين أو أدنى من إعلان التّطبيع العلنيّ مع تل أبيب، فلقد سبق ذلك تبادل زيارات مكوكيّة لمسؤولين من الجانبين (الخليجيّ-الإسرائيليّ) تمّت تغطيتها إعلاميّاً  ولا أعتقد أنّ تل أبيب ترى ذلك كافياً حتى تكون داعمة للتوجّه الخليجيّ في القرن الإفريقي. فسلسلة التّنازلات الخليجيّة لم تبدأ بعد، وحتى لو بدأت بعد ذلك فيُرَجَّحُ أنّ إسرائيل لن تصل مع العرب لنقطة وسطى مراعاة لمصالحهم بقدر ما هو تثبيتاً لرؤيتها الاستراتيجيّة المستقبليّة تجاة دول الخليج العربي.

تدرك القوى الدوليّة أنّ العلاقات الخليجيّة الإفريقيّة مرتبطة بها وبالتّالي لا يمكن الحديث عن مصالح خليجيّة حقيقيّة في إفريقيا بمعزل عن القوى الدوليّة. ولإضعاف تلك القاعدة يمكن لدول الخليج العربيّ وبشكل جماعيّ أن تبدأ بوضع استراتيجيّة عشرية يناط فيها لكلّ دولة خليجيّة مُهِمَّةٌ معيّنة. وفي ضوؤء ذلك تعيد دول الخليج  قراءة إفريقيا من جديد، ولكن ما يعرقل ذلك هو الخلافات السياسيّة بين دول الخليج العربيّ الّتي يجب أن تُحَلَّ فوراً، والعمل على المضيّ قدماً وعدم العودة إلى مربّع خلافات لا طائل من ورائها ويُدفع ثمنها من مستقبل المواطن الخليجي.

الكاتب :

د.أمينة العريمي باحثة إماراتية في الشأن الإفريقي-

https://hafpost.net/mix/7334/?fbclid=IwAR10G5jH6AB_LeKxh0fX-KH9GR1GdOtN_SHE55fosbvJXipTibFhUN4so2Y

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *