من أسس تكوين مجتمع إرتري متعايش

لماذا هذا التنافر الدائم الذي نشاهده بين الأرتريين ؟

علماني لا يطيق التوحد مع علماني
وإسلامي يخرج على إسلامي
وتنظيمات تحت مظلات قبلية وإقليمية تنشأ ضد أخرى
ووسيط أجنبي يحرض هذا على ذلك و يدعم طرفاً ضد طرف ويسره أن تتباعد المسافات بين الأطراف
ومؤتمرات وسمنارات تنعقد لتوحيد الصف فتثمر مزيدا من الانشقاقات وتدوم دوائر الشؤم والخلاف دون أن ترى أفقاً يتربع فيه قمر يسخو بنوره وتفاؤله على الوطن

وأحدث مثبط نشاط تقوم به قوى المعارضة الارترية في أديس أبابا فتجد في وجهها أكثر من عشرين علة تفرقها فهل من مخرج لهذه الأمة من الأزمة؟

==========

هذا المقال كان استجابة لطلب الأخ الكريم الشيخ محمد جمعة أبو الرشيد فقد دعاني لاكون واحدًا مما يتحدث حول أسس إيجاد مجتمع إرتري متعايش بسلام .

سرني ثقة الشيخ في كما سرني أن يكون الطلب حاملاً لي محفزاً على التفكير الإيجابي للبحث عن الحلول لمشكلة مجتمعنا الأرتري الذي يغلب عليه التنافر تارة باسم الدين وتارات كثيرات باسم القوميات والقبائل والأقاليم والأنساب والأحساب وقد تكاثرت الاختلافات إلى حد التدابر باسم العلمانية والديمقراطية فهل من قواعد وأصول شرعية لتكوين مجتمع في أرتريا متعافي متعايش متسالم متعاون؟ أم هل كتب على المسلمين مقارعة أعدائهم بأسنة الرماح حتى يحكم الله بينهم وبين عدوهم بنصر مظفر أو شهادة مرتجاة.وهل في الدين الإسلامي ما يجعلنا نتجاوز مرارات الماضي إلى بناء دولة السلام والعدل والقانون والتنمية ؟

أعتقد أن الإسلام يجعل السلم والتعايش والتعاون بين المواطنين هو الأصل ويجعل من حق المواطن الأمن الشخصي والأمن الغذائي والأمن الصحي – قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا – سنن الترمذي كتاب الزهد- و ما الجهاد – الحرب- إلا أمر طارئ يحضر لحماية السلم الاجتماعي عند الحاجة إليه ولهذا يمكن القول إن الإسلام حريص على السلام الذي يحقق لكل المواطنين مصالحهم الدينية والدنيوية ولهذا يعيب المسلمون على غيرهم فكرة الاستحواذ على الوطن وطرد الآخرين منه بهدف الاستيلاء على حق المطرود من أرض وسلطان ومال وتاريخ ومضايقة دينه ولغته فهذه تجارب قد فشلت على يد مجربيها وفارضيها منذ قديم الزمان فقد استعاون بعض الأرتريين في تاريخنا البعيد والقريب بالأجانب على الطرف الآخر من المواطنين فكان منه الإيذاء والإبادة وتم تسخير كل الإمكانيات المتاحة لتزوير التاريخ والحاضر وتم نبش الأحقاد والإحن بين المواطنين وعلى هذا مضت الجبهة الشعبية منذ ميلادها فهي خلف شرير مفرق بين المواطنين لسلف شرير غرس الشجرة الخبيثة فهل يمكن أن يتجاوز الأرتريون مرارات هذا الإرث الأليم ويمضوا في تأسيس مجتمع مسالم متعايش متعاون يحترم فيه هذا هذا ويقر ذلك لذلك بحقوق في الوجود والسلطة والثروة والتاريخ والحاضر والعرف والدين والحرمات .

أعتقد أن ذلك ممكن إذا صدقت النيات وصلحت المقاصد ونشط الاجتهاد الإيجابي وهذه وجهة نظر – قابلة للنقاش وللأخذ والرد – تجتهد لوضع أسس شرعية تعين المسلمين الارتريين للتعايش مع من يخالفهم دينا وعقيدة

  1. الإسلام يوجب رعاية المصالح المتبادلة بين المواطنين على اختلاف أديانهم وقومياتهم فالمصلحة لطرف قد تجلب مصلحة لطرف آخر ولهذا جاز جعلها أساسا من أسس تكوين المجتمع السلمي المتعاون مثل الحراك الاقتصادي وتبادل عروض التجارة الحلال وتبادل الخبرات وحل المشلات في موائد الحوار لا في ميادين القتال وبموجب هذا كانت دولة الإسلام الأولى تعاملت مع اليهود في المدينة المنورة. بخلاف المصالح الخاصة بطرف التي لا تتأتى إلا بضرر محقق على الطرف الآخر فهذه المصالح غير معتبرة شرعا لكونها تؤدي دائما إلى التوترات بين المواطنين وأساس المصلحة المتبادلة يجعل كل المواطنين كاسبين لا خاسرين لأنها تعتمد قانون ( قدم للآخرين ما ينفعهم لتأخذ منهم ما ينفعك ) مما يؤدي إلى تراضي الطرفين وتعايشهما.
  2. النظرة الإيجابية للمسيحيين باعتبارهم أهل الكتاب فالإسلام يجعل أهل الكتاب عامة والمسيحيين خاصة في منزلة عالية يمكن التعايش معهم تقديرا لما ترشد إليه ديانتهم من مكارم الأخلاق ولما يتفق معهم الإسلام في كثير من أصول الدين بخلاف الملحدين أو الذين لا دين لهم فمثل هذه الفئات عنصر مجتلب غريب ولهذا يصعب أن يكون عامل تأليف للمواطنين المسلمين والمسيحيين على حد سواء. ربما قد نجحت العلمانية – وهي خيار مجتلب غازي- في الدول الغربية بسبب أن المسلمين ليسوا قوى منافسة في السلطة وأن المسيحيين قد تعايشوا معه بعد هزيمتهم أمامه لكنه ليس بصالح للتطبيق في بلد يدين معظم سكانه بالإسلام وتجربته الحاكمةخير شاهد فإنه ظل مرفوضا من الأمة مفروضا عليها بالقهر فأثمر بعد الشقة بين السلطان والرعية والتنافر الدائم الذي يسوق الأوطان إلى التخلف الدائم لتعطيل عجلة ا لتنمية وتبديد أموال الدولة في حماية الأنظمة المنبوذة .
  3. حرية العقيدة فالإسلام لا يقبل الإجبار على العقائد ويجعل الدخول فيه مبنياً على قناعة ذاتيه دون إكراه ولا إرغام ولا مجاملة .وهذا يعطي المخالفين له عقيدة صك أمان مطلق ممكن أن يتعايش به مع المسلمين دون تهديد من سلطان ولا ترويع من المسلمين
  4. تحريم الاعتداء على حرمات الآخرين من عرض ومال وارض ونفس وعقل ويبنى هذا على تحقيق مبدأ العدل وتحريم الظلم الذي يجب أن تساس به الحياة بين المواطنين ( إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.)
  5. الإيمان بمبدأ التعاون بين المواطنين لحماية الوطن وتنميته وبمثل هذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين واليهود وقد جعلهم أمة واحدة تقف في وجه المعتدين الغزاة من قريش .
  6. تحريم إثارة المخالف وخطابه بمسلمات المسلمين وإرغامه عليها قسراً ولهذا يلزم المسلم عند تقديم الدعوة إلى غير المسلمين أن يتهدي بمثل قوله تعالى ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) سورة سبأ آية 24 ، وبمثل تنزلات إبراهيم عليه السلام مع قومه المشركين ( فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) سورة الأنعام ، آية 78 وذلك أسلوب حكيم يجعل المدعو يلتقى مع الداعي في محطة نصفية تمهيدا للحوار الإيجابي بخلاف لو عيرهم بالكفر وطلب منهم الدخول إلى الإسلام بصورة مباشرة.
  7. إيجاد تشريعات وقوانين منبثقة من عقائد المواطنين وأعرافهم وتقاليدهم وترعى فيهم الحقوق وتحفظ لهم الأمن وتدفعهم للعمل والانتاج والتنمية وهذا مأخوذ من هدي الإسلام الذي جعل الأنبياء أخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى – رواه الإمام أحمد – ومما يدل له ما نص عليه العلماء ان شرع من قبلنا شرع لنا فيما لا ناسخ له في شرعنا وأنه لا يجوز التفاضل بين الأنبياء بوجه فيه احتقار للآخرين وأنه يجب الإيمان بالكتب السماوية والرسل والأنبياء كل ذلك يجعل المسلمين يلتقون مع المسيحيين في أصول للتعايش كبيرة وعظيمة وتبقى مساحات الاختلاف بين ديانة وديانة محدودة تدعو إلى الاعتراف بهذه الخصوصية بناء على أنها خيار لطائفة وليس فيها اعتداء على الآخرين مثل جواز التوالي الخاص الذي يرعى علاقة كل طائفة بأتباعها وكنظرة كل طائفة إلى دينها بانه حق وغيره باطل وأن الجنة في الآخرة لها دون الطوائف الأخرى فإن هذا فرز مؤجل لا يجوز أن يسبب إشكلات وخصومات بين المواطنين والدين الإسلامي يصل تعاونه مع غيره من أتباع الديانات إلى حد ترحيل نتائج الخلافات إلى الآخرة ( وإن كان طائفة منكم آمنووا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين . ) سورة الأعراف ، آية 87
  8. الوفاء بالعهود : وهذا ضمان كبير لكل الملل المخالفة للإسلام سواء كانت على دين سماوي أو كانت تدين بنظريات أرضية مثل العلمانية والشيوعية وحتى الوثنية فإذا دخل المسلمون مع أي فريق وطني على معاهدة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل فإن الإسلام يوجب رعاية هذه العهود فلا يجيز لمسلم أن يغدر بها أو ينقضها ما لم يأت النقض من الطرف الآخر ويمكن الاستفادة من هذا الأساس بأن يتصالح المسلمون والمسيحيون وغيرهم من الملل في ارتريا على ميثاق وطني غير مخالف للدين والعرف السليم ويضم أصولا متفق عليها بين الأطراف يتراضى عليه الجميع ويعلنوا تحريم نقضه ووجوب الالتزام به وعندئذ يجب على المسلم الوفاء بهذا العهد وهذا ضمان للتعايش السلمي بين المسلمين الأرتريين وبين غيرهم في الوطن الواحد فهل غير المسلمين على استعداد للوفاء بالمواثيق ؟؟
  9. الاحتكام للمواطنين بالنسبة لاختيارالسلطة السياسية – اختيارا ورقابة وحسابا وعزلا – حسب صيغة يتفق عليها بين المواطنين جمهورهم ومتخصصيهم وفق القانون فالإسلام لا يجيز لشخص أو جماعة عساكر أومدنيين ليفرضوا أنفسهم على الشعب دون رضاهم بناء على أن ا لقيادة السياسية تختار عبر الشورى ( وأمرهم شورى بينهم ) – سورة الشورى ، آية38 – ومن فشل في إقناع الشعب بصلاحية وصحة برامجه فليس بحق أن يتولى السلطة قهرا على قوم لا يريدونه ولهذا كان نهج الانبياء محاولة مستمرة في إقناع الأمة بالدعوة دون قسر ولا إجبار وكان يختلف حظهم من الجمهور المناصر حسب جهدهم وتوفيق الله لهم وكان من بينهم من قد عجز أن يقنع الناس بدعوته فيبعث يوم القيامة وحيدا- الحديث في صحيح مسلم كتاب الإيمان – فلم يتوجه إليه لوم الشرع ولا أتى الله بسوط من عذاب يسوق الناس على الإيمان بهم . وعلى افتراض إذا اختار المواطنون – المسلمون منهم والمسيحيون – العلمانية خيارا للحكم فلم يبق أمام الإسلاميين سوى السعي السلمي المستمر لتبليغ دعوتهم والتبشير بها وأن يتعاونوا في المعروف مع كل سلطان قائم رضي الشعب به مثل ما تعاون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة في المعروف ومثل ما تعاون المهاجرون إلى الحبشة مع النجاشي ملك الحبشة المسيحية.
  10. تجاوز مرارات الماضي :

إن الإسلام يحرم على أتباعه الاحتفاظ بمرارات الماضي فكل ما يحتفظ به الأرتريون ضد بعضهم من حروب أهلية أو قتل بتهم أو مصادرة الأموال أو الاعتداء على الحرمات لا يجوز الاحتفاظ به بهدف استمرار العداء بين فئات الشعب وإنما يوجب ا لإسلام توجيه أتباعه لمعالجة ثارات الماضي – ما قبل التمكين والعافية – بوجه ليس فيه إغلاق باب التوبة على المعتدين أو إجبار الحاكمين على التشبث بالسلطة والشوكة خوفا من حساب المعتدى عليهم وعلاجاً للفجوة بين الظالم والمظلوم شرع باب التعويضات المادية التي تتحملها الدولة و شرع باب العفوالصفح والغفران الذي يلزم أن يتحلى به المظلومون تجاه ظالميهم- عند التوبة- وفي هذا أساس كبير لكسب المعتدين لبناء دولة التنمية والسلام واساس كبيريجمع في بناء الوطن وتوحيد الامة بين هند لائكة كبد سيد الشهداء وآل حمزة بن عبد المطلب وبين خالد بن الوليد وأقرباء شهداء أحد وبين أقرباء قتلى بدر من المشركين وبين الأنصار والمهاجرين كلهم صار أمة واحدة متأخية ملتزمة ببطلان ثارات ومرارات الماضي التي سماها الإسلام ( دعوى الجاهلية ) متفق عليه – صحيح البخاري ، كتاب التفسير – سورة المنافقين – صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب- حتى لو كانت بين المهاجرين والانصار ، وثمنا للسلام والتنمية أغلق الإسلام باب المطالبة بالدماء والثارات ( كل دم من دماء الجاهلية موضوع) سنن ابن ماجة – كتاب المناسك-

الخلاصة :

إن الإسلام يسعى دائما لتكوين مجتمع متعايش متسالم متعاون يجمع في سلام وتنمية بين المختلفين أديانا وأعراقا وأقاليم وأفكارا يدعوهم جميعا ليكونوا أمة واحدة من خلال عشرة أسس تعد أصولا شرعية توجب التوحد وتنبذ الاختلاف وتغلق باب الفتن بين المواطنين وخلاصتها :

رعاية المصلحة المشتركة

ووجوب التعايش الديني

والوفاء بالعهود

وإيجاد التشريع الضابط مما في الوطن – المجتلب – من العرف والدين

وضرورة تجاوز مرارات الماضي

وأن يكون بيد الشعب اختيار ا لسلطة ومراقبتها ومحاسبتها وعزلها وفق القانون يجب الاحتكام إليه

ووجوب تهذيب الخطاب الموجه إلى الآخرين بحيث لا يكون مثيرا للفتن وبحيث يكون داعيا للجلوس في مائدة الحوار

واعتماد مبدأ التعاون بين المواطنين لحماية الوطن وتنميته ويلزم بسط حرية العقيدة والدين مع ضرورة تحريم الاعتداء على الآخرين .

فإن التزم المسلمون الأرتريون بما يوجبه دينهم من أسس تكوين مجتمع متعايش فهل للطرف الآخر الاستعداد للتعاون والاستفادة من هذه الفرص التي يتيحها الإسلام ويدعو إليها؟؟

للتواصل مع الكاتب:

dabersala@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *