مُخْتَطَفٌ ناجٍ من أيدي تجار البشر يروي تفاصيل مرعبة لزينا : شاهدنا الموت 12 يوماً على يد خاطفين عرب سودانيين

تفاصيل رحلة العذاب  تبدأ من أسمرا ، والإدارة في الخرطوم ، والثمن بالدولار

صحيح يوجد في الخرطوم سلطة وقوانين وعرف ودين وأجهزة تحارب ظاهرة الاتجار بالبشر لكنها مهما حاولت أن تظهر قوية حاسمة فلم تَقْوَ حتى الآن على الانتصار  النهائي على  ظاهرة التجارة القذرة التي  تنشط في أرضها ، وتستخدم أدواتها القوية من اتصالات ومواصلات وسلاح وعناصر بشرية. ومهما حاولت أسمرا أن تظهر قوية قابضة فإن شبابها يتسلل من بين أصابعها إلى خارج الوطن وهي راغمة ، ويستخدم أدواتها القوية  مثل مراكز النت المراقبة  والهاتف السيار  وأفراد الشعب الكاره ، والمعابر … وإن الهاربَ والمُهَرِبَ والخاطفَ  والمخطوفَ والوطنَيْنِ  والمالَ  هي العناصر التي تشكل المأساة لشباب أرتريين يقعون ضحايا لظروف تدفعهم للهلاك ، وبين أيدينا مثال حي  يعبر عن كل الحالات الأليمة التي يتعرض لها الشعب الأرتري الهارب من جحيم سلطانه إلى جحيم سلطان تجارة البشر ويشهد واقع البلدين في أرتريا والسودان  بعجز عن كبح جماح الظاهرة حتى الآن .

شاب في مقتبل العمر فاتح اللون ، متوسط القامة ، نحيف الجسم ، تضايق من وطنه أرتريا مثل غيره بسبب العوامل الطاردة ، فقرر أن يسلك الطريق الذي يسلكه الآخرون ؛ نعم بحث عن المهربين دون إشعار أهله، ودون أن يكون معه ثمن الرحلة الطويلة ، ولا ثمن إيجار المهرب

اتصل هاتفياً بأحد أصحابه الذين خاضوا تجربة الهروب فنجحوا ،

أسمرا : هلو … عركي … كمي هلوخا    

الخرطوم: مرحباً…طبوغ هلونا ….

وانبساط وانشراح في الحديث الهامس، ولغة الحذر بين الطرفين تعجز أن تفصح عن الأسرار..

والهاتف بين العاصمتين يربط الصديقين ، أحدها راغب في الهجرة ، والآخر محرض عليها ويصف الطريق والسعر ويبشر: أَجُخَا.. بسلام تبطح.. أي لا تقلق. تصل سالماً

ورقم هاتف في أسمرا هامس ، وكلمات مقتضبة ، وحدبيث بالرموز يدور بين الطرفين :

  • كم سعر كيلو بصل في أسمرا ؟
  • تصل إلى 100 نقفة

ولا مساومة على السعر إما أن تدفع أو تنسحب بهدوء

وفك الرموز سهل عند الطرفين : وكيلو واحد أي شخص واحد ، و100 نقفة أي مائة ألف واسم البصل أو أي اسم أي سلعة أخرى حشو ساقط .

ويتحول الحوار بعد ذلك إلى الفيسبوك لإكمال الصفقة.. ويتركون السلطات الرسمية في بلادهم تتوه مع فك الرموز المقتضبة الكثيرة المتكررة التي تجعل الضبط عليها عسيرًا لأنها تستخدم لغة موحية يستخدمها كل الناس متداولة بين الوطن  كله  وتسأل عن السلع كلها والسعر كذلك يتغير حسب السلع التي يصلح كل واحد منها ليكون رمزًا لإنسان مهاجر  دون  أن تكون متهمة.

 الاسم نخفيه حفاظا على سلامة المصدر الذي قال : أريد أن أعيش بهدوء دون ضجيج إعلام

كما أنه يخاف من ملاحقة أمنية سودانية أو معاداة المهربين والخاطفين تجار البشر. وقال : خطتي أن أبقى خاملا عن الذكر حتى تكتمل إجراءات سفري إلى أمريكا ويرى في إخفاء نفسه وكتمان سره أفضل إجراء يوفر له الحماية لأنه جرب فشل الجهات المسئولة عن توفير الحماية له.

قلت له : من يساعدك ؟

 لي قريب هناك وعد نهاية ً بدعم رحلتي وكان يرفض بداية ً لكنه خضع لإصراري  عليه  والوفاء من شيم الرجال. وعن تاريخ المغامرة الجديدة  أفاد :

 الزمان هو  الأسبوعان الوسطان من شهر أغسطس ، أردنا أن نسعد مقابل جُعْلٍ ندفعه  من مال ، نخرج به من معسكر شجراب إلى الخرطوم حتى تتواصل الرحلة إلى محطات أخرى ، فوقعنا في محنة قاسية خلال الفترة من   الأسبوع الثاني ونهاية الأسبوع الثالث من شهر أغسطس الجاري

هكذا يتحدث الشاب الغض ابن الثمانية عشر عاماً حديث صديق لصديق دون أن يعرف أن قصته في طريقها إلى الإعلام ولو علم لأحجم خوفاً على حياته الضنين بها ،وقد درس في بلاده الفصل العاشر ولم يكمل لأنه تضايق من  البلد ومن المدرسة  ونترك الفرصة لضيفنا يروي تفاصيل رحلة العذاب:

لم غادرت أرتريا  ؟ وكيف ؟

قال : كنت أصلي مع بعض الزملاء المسلمين في المدرسة فتأخرنا عن الحصة فوجد المعلم مبررًا لضربنا ، فكرهناه ، وتداعينا عليه فضربناه ضربا شديدا ،عددنا عشرة فينا مسلمون ومسيحيون  وكان يستحق لأنه قاسي المعاملة مع الطلاب كلهم .

إدارة المدرسة عاقبتنا بالفصل النهائي عن المدرسة دون تثبت أو تحري

بقيت أياماً مختفياً عن المدرسة ، وكنت اختفي عن الأهل وقت الدراسة ، كتمت الأمر عن أهلي خوفاً من تعنيفهم    الغليظ ، ضاقت علي البلاد ، لا عمل ، ولا دراسة  وساقت الصعوبات إلى السؤال:  إلى متى أتعذب بحالي البائس ؟ وأهلي لا يعرفون مشكلتي في المدرسة  و يترائى لي  ” ساوى”  الذي تفصلني عنه بضعة  أشهر وسنة دراسية  وهو  المستقبل المظلم بل شر قادم ينتظر.!

هرباً من ساوى قررت  الهروب إلى السودان  دون علم أهلي ، ودون أن يكون لأهلي المقدرة الكافية لسداد الفاتورة المحتملة وقد سمعت أن السودان بلد  متسامح ، يوفر الأمن، والعمل، والحرية ، كما تتاح عبره فرصة الهجرة إلى الخارج ..

بعد هاتف الخرطوم الناصح المعين  تواصلت مع الشبكة عبر الفيسبوك في مراكز خاصة تشرف فيها الحكومة ولا شبكة خارج هذه المقاهي المراقبة . والهاتف مراقب بسهولة لكن الفيسبوك فوق قدرات الحكومة الأرترية حسب قناعة الشباب ولهذا يتواصلون به !!

هاتف السمسار وصل عبر الفيسبوك من صديق بالخرطوم،  كان قد جرب التجربة فنجحت له .

تم الاتفاق المبدئي مع السمسار  بالنت ثم التقينا بترتيب لا يشعر به أحد غير المعنيين

جمع السمسار ثلاثة أشخاص أنا أحدهم وليس معنا مال لتمويل الرحلة  والقليل الذي كان بحوزتنا سلمناه للمهرب الذي ربطنا به السمسار  . قد اشترى به بعض المأكولات في منطقة ( شعب) لم يصمد غير خمسة أيام  من رحلة 12 يوماً.

الماء لم يكن فيه أزمة لأن الدليل يعرف تماما أين مكان الماء والمسافة بين الماء والماء في الوديان المنحدرة من الجبال نحو البحر الأحمر ونحن نسرع الخطى ليلا ونهارا نتجه شمالا والبحر عن يميننا والجبال عن شمالنا ، ونتوارى عن أنظار السلطات الرسمية

قام بتمويل الرحلة  المهرب ، يدفع أحياناً من جيبه وأحيانا يستعين  بمعارفه من أهل القرى التي نمر بها وكانوا كرماء معنا حتى المليشيات لم تتعرض لنا بأذى   كانوا مسلحين مسالمين وربما متعاطفين

ولأن السمسار يضمن التمويل حتى محطة الوصول وهي الخرطوم لم نكن متأسفين من عدم المساهمة معه في التكاليف الضرورية بالإضافة أنه لم يكن معنا مال ندفعه إليه

جملة المبلغ من كل شخص مائة ألف نقفة أو ما يعادلها أربعة آلاف دولار يجب أن يستلمه المهرب بعد ضمان الوصول إلى المحطة الأخيرة ولا يستحق شيئاً إن فشلت الرحلة.

تحركنا من العاصمة عبر المواصلات العادية إلى منطقة شعب بإقليم شمال البحر الأحمر ، نحن دفعنا ولم يدفع السمسار شيئا فغفرناها له رغبة في إتمام الرحلة

رحلة الأقدام المرهقة :

أخبرنا  المهرب أنه لا خيار آخر غير مواصلة الرحلة على الأقدام وهذه معلومات مفاجأة غير سارة  واجهتنا .قلنا له : تم الاتفاق مع مندوبك السمسار المروج على  أن تكون الرحلة بسيارة ذات مواصفات عالية فقال : كذبوا عليكم .وخيرنا بين العودة إلى أسمرا وبين المضي في الرحلة على الأقدام فاخترنا مواصلة الرحلة .

كان ماهرًا بالطريق وله من الصبر والثقة ما يطمئن البضاعة  – نحن الهاربين – ، وكان يعرف الناس المواطنين.

كنا نمر في طريقنا بالرعاة  ، يفرح بهم ويذهب  إليهم  مطمئناً يطلب الطعام

تقرحت أقدامنا من مشقة المشي  لأننا  أبناء العاصمة ، لسنا متعودين على مثل هذا السفر

لكن عزز من موقفنا أن رحلتنا زودها الرعاة ، يكرهون النظام ، ويرشدون الهاربين ، وسخاء بلبن وعصيدة في كل قرية نأوي إليها وإرشاد ناصح ، ومن غريب الطعام الذي أكلنا أنه يعمل لنا أحيانا المهرب نفسه ( قراصة) نبدأ بخلط الدقيق بالماء لتصبح عجينة متماسكة ثم تقسم قطعاً مناسبة تطرح في رصة فحم حمراء ساخنة وتقلب بهدوء حتى تنضج وتصبح صالحة للأكل

كانت شهية مستطابة مع اللبن خاصة وسهلة التحضير ، وسهلة التنقية مما يعلق بها من صغار الفحم والرماد لم أر هذا النوع من ا لطبخ إلا في هذه الرحلة

كنا نتحرك بالشريط الساحلي ، نتوارى عن  الأنظار ، خوفا من الوقوع فريسة للحكومة ونتخيل العقوبة القاسية التي تنتظرنا ، سجن قاتل ، أو عذاب اليم ، وربما رصاصات ظالمة أمام الناس كل ذلك محتمل لأن النظام يفعله خاصة بحق المهربين الأدلاء ، عقوبتنا بالضبط لم تكن معروفة لكن الدليل يعرف عقوبته إذا تم القبض عليه إنها 21 عاما سجناً وعذاباً  حسب ما يتحدث الناس وحسب تجارب مشهودة تروى  .. ومع ذلك يمضي في مهنته بإصرار غير خائف من العواقب الأليمة المحتملة .

ضمانات الرحلة :

الطرف الأول يؤكد أنه ليس بحاجة إلى المال قبل وصول الأمانة إلى الخرطوم

وتم الاتفاق على أن تكاليف الرحلة ضمن المبلغ المذكور

ورئاسة الشبكة المهربة   في الخرطوم  وهي متشعبة.. كلها تتاجر في البشر … و من أبرز أشخاصها ( حبيب ) يعرف التجرنية بطلاقة وهاتفه موزع عند المناديب خاصة في معسكر شجراب ..

والأصحاب الناجحون في الخروج من أرتريا أكبر مروج لتحريض أصدقائهم وربطهم بالسمسار المرئي.

معسكر شجراب هو المركز الرئيس للتهريب ولهذا يتعمد أن ياتي إليه الراغبون في التواصل من الشبكة ويوصي سابقهم لاحقهم ويحرضون ويزينون السبيل..

وميزة شجراب أنه يضمن الحصول على  وثيقة ” بطاقة لاجئ” كما يتيح التواصل  مع الشبكة التي تسهل الخروج الآمن حسب رأي الناس مقابل المال المدفوع .

المال يسهل كل الصعوبات :

شاب مسيحي صديقي كان مقيمًا في بورتسودان  مع بعض أقاربه سلم نفسه  للشرطة فسجن في سواكن ثم  اكتملت إجراءات تحويله إلى شجراب . ومن هناك تواصل مع الشبكة حتى سافر خارج السودان بتكلفة عشرة آلاف دولار شملت  استخراج الجواز الأرتري وتذكرة السفر والإجراءات والتسهيلات.

وبهذا يتأكد لنا أن شجراب هي المركز الأكبر للتواصل مع شبكة التهريب ومن معه المال لن يطول بقاؤه في المعسكر فبالمال يصبح كل عسير سهلا وكل محظور مباحًا و كل بعيد قريباً

عودة إلى رحلة شعب – قرورة :

أمضينا 12 يوما في رحلة الهجرة بين منطقة ” شعب ”  في سمهر ومدينة ” قرورة” السودانية مشياً على الأقدام ثم تواصلت الرحلة بالعربات ( لوري ) دون مصاعب حتى وصلنا مدينة طوكر و فيها  تم انكشاف أمرنا عند الأمن السوداني ، فتم إلقاء القبض علينا، أدى إلى سجننا في سواكن  وهرب الدليل حتى اختفى  يلتمس النجاة بنفسه ، كنا ثلاثة أشخاص فقط بقينا في السجن أيامًا تم تحويلنا بعدها للمحاكمة وبموجب ذلك غرم كل شخص منا 2000 جنيه ، نحن لا نملك شيئا ، تواصلنا مع أفراد نعرفهم فوجد أن قريب أحد الصديقين قام بسداد المبلغ نيابة عنا ولهذا تم تحويلنا إلى شجراب حيث الرغبة الحقيقية للحصول على بطاقة لاجئ والتواصل مع شبكة التهريب.

بقينا في شجراب أربعة أشهر ، فعرفنا الناس والحياة والتهريب والأسعار والمحطات الأخيرة ومصاعب الطريق.. كل التفاصيل ظهرت في شجراب أمامنا مكشوفة

تواصلت مع أكثر من جهة أبحث عن داعم لمغادرتي المعسكر ولم أوفق بداية

ولهذا كنت اشتغل ” حلاقا” مع صالون متعاون وهي مهنة كنت أحسنها في أسمرا.

حصيلة الشغل كانت تعينني في المصاريف دون أن تساهم في أجرة الترحيل البعيد

ماشي إلى أمريكا:

وكانت تأتي إلي مساعدات متقطعة من شخص لي قريب في أمريكا

فكرت كثيرا أن أمشي إلى هناك مهاجرًا وتعاظمت عندي القناعة أن السودان ليس هو المقر المناسب لاستقراري وإقامتي وفي المعسكر يتبادل اللاجئون هذا المعنى ويعززه السماسرة رغبة في المال لا رغبة في سلامة الضحايا.

لتحقيق ذلك تواصلت مع قريب لي بالخرطوم وجدت هاتفه –   وأبي تواصل معه كذلك بالهاتف يطلب   منه دعمي – أريد سداد فاتورة الرحلة من شجراب إلى الخرطوم عبر شبكة ( حبيب ) وهو اسم سمعت عنه كثيرًا وقد وجدت هاتفه

الثمن الجديد  2500 جنيه سوداني اتفقنا فيه مع المهرب المذكور أنه لن ندفع له حتى نصل الخرطوم سالمين ، وأبرم ا لاتفاق شفهياً ، قريب لي وافق على سداد المبلغ المذكور  فاطمأننت،

مناديب حبيب في الشجراب :

أي شخص يستطيع أن يكون مندوب حبيب في شجراب أو مندوب أي مهرب آخر ، المهمة سهلة جدا تتلخص في أن كل شخص يجد راغباً في السفر من المعسكر يتواصل به إلى المهرب “حبيب” هاتفياً

 ليجد مقابل كل شخص يجده مائتي جنيه سوداني ولهذا نشط كثيرون في السمسرة والترويج  وكان حبيب معروف الاسم مجهول الشخص، كان أبرز اسم يتداوله الناس في المعسكر بثقة.

ينشط مناديب حبيب في البحث عن  الراغبين وسط اللاجئين بشجراب ، فوضعت يدي إلى احدهم فضمني مع أربعة آخرين وقطعنا بالمركب نهارًا البحر إلى الضفة الغربية وجلسنا في بيوت خالية لعلها تستغل لمثل هذه الحالات ووجدنا الطعام جاهزاً  ثم لحق بنا ليلا عدد آخر مكون من بنات وأولاد فأصبحنا ثمانية عشر شخصاً بين الذكور والإناث..أعمارهم بين 16– 28 عاماً  تقريباً

تنتظرهم سيارة تتحرك بهم بطرق غير معبدة ..

أتت السيارة ( تايوتا دبل كبين )  فتكومنا عليها متلاصقين مكتظين  في صندوقها الخلفي لتنطلق بنا في صحراء تخترق الصعوبات ،  أمضينا ثلاثة أيام  حتى وصلنا قرية قيل لنا إنها قريبة من الخرطوم  

السكان عرب مزارعون ورعاة ، يقيمون في بيت واسع إقامة عادية

دفع الثمن خطأ

صاحب السيارة  – وهي من نوع تويوتا – قديمة لكنها بحالة جيدة قوية كانت تتخطى عقبات   الطريق باقتدار ،-  طلب دفع الثمن إلى ” حبيب ” بالخرطوم حسب الاتفاق.

 وقيل لنا اقتربنا من الخرطوم وبيننا وبينها ساعة فقط آمنة.

كنا نتواصل مع حبيب لنتأكد هل نطاوع صاحب السيارة  في دفع المبلغ .. وحبيب يؤكد أننا على مشارف الخرطوم ويدعو إلى دفع المبلغ وبناء على ذلك تم التواصل مع الأصدقاء لدفع القيمة حتى اكتمل ا لثمن من الجميع فاستلمه حبيب بالتحويل  عبر الهواتف ..عند ذلك أمرنا بالتحول من العربة التي نحن فيها إلى غيرها .

لحظة الاختطاف :

شككنا في الأمر فتواصلنا مع “حبيب ” وهو طمأننا وقال : إنها عادة المهنة أنها تغير العربة بين محطة ومحطة فلا حرج وقد علمنا من بعض الأصدقاء أنهم قد تغيرت عرباتهم  مرات أربع حسب الظروف خلال الرحلة وبعضهم مرتين أو ثلاث  وكلها إجراءات عادية لا تدعو إلى الريب  ويطمئنون أننا سوف ندخل العاصمة ليلاً لا  نهارًا ولهذا لزم الصبر والهدوء ؛ الأمر الذي بعث الطمأنينة علينا 

كنا في بيت استراحة طلب منا التحويل إلى بيت آخر يبعد عن البيت الأول بقليل وعنده جاءت التوجيهات الجديدة بتحويل الركاب إلى ا لراعي الجديد

استجبنا للتحويل إلى العربة الجديدة فانصرف سائقنا الأول بعربته  مسرورًا مودعاً بعد حوار قصير بينه وبين أصحاب العربة الجديدة

لاحظنا أن العربة الجديدة عسكرية وركابها مدينون مسلحون ، وخلفها على بعد أمتار عربة أخرى مسلحة تشرف على الوضع ولم نكن نرى سلاحا في العربة التي جاءت بنا من شجراب..!! وكان معه مساعد واحد  علماً أن العلاقة الآمنة بيننا وبينه تمكن من التعاون عند اللزوم.

كما لاحظنا أن اللغة التي نخاطب بها اختلفت، كنا في الرحلة السابقة في وضع آمن وحوار متفاهم واثق لا يخاف فيه أحد أحدا .أما الآن فقد اتجهت اللغة إلى القسوة والشدة وقالوا لنا : نحن اشتريناكم من صاحبكم الأول مطلوب منكم سداد قيمة الفاتورة الجديدة أي 10000 دولار ( عشرة آلاف دولار)  فدية عن كل شخص منكم .

هممنا بالهروب وتثاقلنا عن ركوب العربة  لكن الرصاص الهاطل تحت الأقدام كان قادرًا ليحسم الموقف لصالح المهربين الجدد ، والصحراء الموحشة لا تظهر رحمة بنا ، ولا تعاطفا ، فالهارب لا يعينه على النجاة شجر، ولا حجر، ولا جبل، ولا بشر ، فمن الميسور اصطياده بالرصاص وإدراكه بالعربة القوية التي تخترق المعيقات ،  والضرب الجائر بالسياط أجبرنا على ركوب العربة إنه كان الخيار الوحيد أمامنا .

وصف الخاطفين الجدد :

العربة التي تكومنا فيها كانت عسكرية وفيها خمسة أفراد عرب – (وليسوا برشايدة – )

لغة ولباسا وملامح – مسلحون بكلاشن كوف، وأعمار الخاطفين شبابية تتراوح بين 20 و28 تقريباً

العربة الأخرى التي تركض خلفنا من نوع تويوتا مدينية قوية شبيهة بالعربة التي جئنا فيها من رحلة شجراب وفيها ثلاثة أفراد مسلحين وهم كذلك عرب لسانا وشكلا ولباساً وملامح .وليسوا عرب رشايدة  الذين كنا نسمع أنهم ينشطون في هذه   المهنة..

تنطلق السيارتان بطرق وعرة نحو قرية نائية وصلنا ها بعد ثلاث ساعات من موقع الاختطاف

وصلنا إليها نهارًا جهارًا ، قرية فيها مسجد مبني لكنه شبه مهجور من  الصلاة إذ لم نسمع فيه أذانا ولا إقامة ولا ذكرا .

القرية صغيرة ، بيوتها بمواد ثابتة وبعضها من طين وأعواد خشب.

 فيها سكان مقيمون مستقرون ، وفيها خدمات من كهرباء وماء وكلهم يتواصلون اجتماعياً وكانوا يعرفون أننا نقيم هاهنا في ضيافة أليمة عند بعضهم

ولم يعترض أحد على الجريمة وكنا نتبادل الحديث أن سكان القرية كلهم يمتهنون الاختطاف والتجارة بالإجرام فإن فر أحد منا من ههنا اختطفه فريق آخر ليصبح ضحية جديدة  فهذه أخلاق القوم لا نكير فيها بينهم. بل يعتبرون ذلك فروسية  و( رجالة ) وبطولة.

ولذلك  فضلنا الهدوء التام ، والصبر الجميل ،والسياط الجائرة تقتل كل عزيمة فينا لفعل شيء يخلصنا من أيدي المجرمين ..

البيت فيه شجرة ظليلة وعربة جديدة مغطاة بغطاء لغرض حفظها  وهي تستخدم لمهام خاصة وليست لمطاردة الهاربين أو ترحيل المختطفين فيما ظهر لنا

والعربتان العسكرية والمدينة متخصصات في الاختطاف فيما يظهر

المنطقة ليس فيها طرق معبدة وهي هادئة جدًا  وسكانها أقرب إلى الجهل منهم إلى التعليم

والمدنية

ومما ظهر لنا من أخلاق المختطفين أنهم لا يصلون ، ويشربون الخمر ، يشترونها من قرية أخرى تصنع محليا وتعبأ في زجاجات مشروبات غازية يتهاداها الخاطفون ويتعاطونها باشتهاء إلى درجة السكر ولأني كنت لصيقا بهم مقربا إليهم وفيا في الخدمة والترجمة بينهم   وبين المخطوفين كانوا يسمحون لي بالجلوس معهم ، والأنس بهم، قدموا لي هدية خمرًا قمت برفضها إليهم بعنف حتى  كفوا عني بعد ذلك  وقد حدثوني أنهم يشترونها من قرية قريبة أشاروا إليها إنها تصنع الخمرة المحلية وتبيع …

الطعام

كان الخاطفون كريمين معنا في الطعام يقدمون إلينا أنواعًا من الخضار أو العدس وأحيانا من اللحم كان يأتي إلينا الطعام مطبوخاً في بيت عائلة خاصة بهم  مجاور..

لم نجد شحا في الطعام لكنا لم نكن نشتهي غير النجاة من قبضتهم فإن أكلنا أكلنا طعاما لا طعم فيه ، وتستلمه يد غير شاكرة من يد مطعمة سخية قاسية .

الماء والخلاء والصلاة :

توجد في  البيت ( المحبس) دورة خلاء نخرج إليها بالتناوب وتحت الحراسة المشددة

من غرفة واسعة نقيم فيها مطبلة الباب ، مفروش بفرشات بلاستيكية

الملابس متسخة والنفوس نافرة ، والروائح النتنة تنبعث من الأجساد

لكننا لم نكن نفكر إلا في النجاة من قبضة البلاء

كان  يسمح لي بالصلاة وكنت  الوحيد شاباً مسلماً من  بين 18 كانوا مسيحيين وثلاث فتيات مسلمات .

وأنا كنت اعرف اللغة العربية ولهذا وظفني الخاطفون في الترجمة بينهم وبين الآخرين

التعذيب الشديد :

وأكرمني الخاطفون بالطيب من القول وعدم التعرض لي بالضرب المؤذي ،على الرغم من أنهم كانوا يضربون الضحايا بالسياط في مواطن مختلفة من أجسامهم حتى كان يتدفق الدم النازف من بعضهم خاصة عندما يتبادل الخاطفون كلاما ساخنا مع أقارب الضحايا هاتفياً ويسمعون شتائم وسباباً فعندئذ كانوا يتشفون من الضحايا بالضرب الشديد ويمنحونهم فرصة التحدث إلى أهليهم مع الصراخ الأليم والرصاصات التي تضرب قريباً من سماعة الهاتف حتى يختلط زئيرها مع  صراخ الضحايا واستغاثاتهم.

تخفيف السعر الفدية.

 طلب منا الخاطفون بداية عشرة آلاف دولار لكل واحد مقابل الإفراج عنه

وهددونا إن لم ندفع المبلغ المطلوب فسوف يبيعوننا إلى فريق آخر يذهب بنا إلى مصر لنواجه خيارات أصعب : ارتفاع الفدية أو القتل بغرض الاستفادة من أعضاء الضحايا يقوم بذلك  أطباء ماهرون حريصون على سلامة الأعضاء لا سلامة صاحبها.

تواصل الناس بأصحابهم كما تم التحاور مع الخاطفين رغبة في تخفيف الفدية فكان أول الخارجين ثلاث فتيات مسلمات ( من قبيلة …..-  حذفنا الاسم احتراما للقبيلة-  ) توصل والدهن مع الخاطفين إلى اتفاق يدفع بموجبه 15000 دولار أي خمسة آلاف لكل واحدة فخرجت الفتيات الثلاث في اليوم الثاني  مسرورات بعد سياط مؤلم تعرضن له، وصراخ تحت التعذيب يقطع القلب عجل بدفع الفدية.. 

فتشجع البقية في الدفع لكن بأسعار مختلفة تراوحت بين  5000 إلى 2500 إلى 1500

وآخر الدافعين كنت انأ المترجم المقرب إليهم 00 6 دولار دفعناها بالجنيه السوداني بسعر 20 جنيه للدولار الواحد وكان الخاطفون يعرفون سعر العملة متابعين لحركة سوق العملات الأجنبية.

طريقة الدفع :

ارشد الخاطفون ضحاياهم على طريقة الدفع وهي بالجنيه السوداني عبر تحويل رصيد مهما كان المبلغ كبيرًا أو صغيرًا أو عبر الدولار يدفع إلى مندوب عنوانه مستشفى شرق النيل بالخرطوم وكثيرًا ما سمعنا هذا العنوان بين  مكالمات المخطوف والخاطف والدافع  ولعل ذلك لأنه أبرز موقع في المنطقة . والخاطفون يتحرون العناوين البارزة لتسهيل التواصل بينهم وبين زبائنهم دون أن يشكلوا حضورا مكثفًا ولا دائماً في الموقع العنوان.

والهاتف يجمع الدافع والمندوب المدفوع إليه  ويتم تقديم المبلغ إليه دون وقوف ولا حوار .

يأتي ليخطفه على عجل ثم ينصرف بسيارته  ثم يتأكد من تمام المبلغ بعيدًا عن الأنظار وبالهاتف يؤكد صحة الرقم وتبدأ بعد ذلك ترتيبات إطلاق سراح الضحية ، في زمان ومكان يتفق عليهما الطرفان .

اليوم العصيب ..يوم الإفراج :

قبل  خمسة أيام من إطلاق سراحنا ، لاحظنا جلبة للخاطفين بالليل ، والجو ممطر ، والسماء مظلمة ، تحركت العربتان المخصصات لترحيل المخطوفين بعد إحكام إغلاق الباب علينا بالطبلة الغليظة .

أحسسنا بوجود حدث قريب غير عادي  وغابت السيارتان إلى الصحراء  وسط الأمطار الغزيرة  ، انتظرنا فترة تقاس بالساعات عادت بعدها  – قبيل الفجر – السيارتان بما يقدر 30 شخصا صومالياً  أتوا من إثيوبيا حسب قولهم ، شباب  طويلة قاماتهم ، نحيلة أجسامهم ،سمراء ألوانهم ،يتحدثون لغة صومالية ، يعرفون شيئا من اللغة الأمهرية والإنجليزية والعربية

ولاحظنا أن الخاطفين يتعاملون معهم باحترام وهدوء ، يستجيبون لطلباتهم ، يذبحون لهم البهيمة ويقدمون من  الطعام بصورة أكثر رخاء مما كان يقدم إلينا ،

من أجل هؤلاء الضيوف الجدد تم تحويلنا إلى غرفة صغيرة فأخلينا لهم الغرفة الواسعة

قيل لنا إن ا لصوماليين يدفعون الثمن المناسب وعاجلا ً ولهذا  يتعامل معهم الخاطفون برقي فائق ،

مكث معنا هؤلاء الصوماليون يومين ثم تم تحويلهم إلى طريق مصر وأتانا التهديد  أن يتم تحويلنا بل بيعنا إلى مهربين آخرين في مصر  وعددنا فقط 2  : أنا مسلم ورفيقي مسيحي وأصحابنا كلهم دفعوا فسبقونا بالإفراج عنهم .

شعرت بالرعب أكثر ، فاجتهدت في البحث عن مبلغ 600 دولار ، وهو أقل ثمن يدفعه شخص من المخطوفين لأني كنت مترجما بين الخاطفين والمخطوفين

وبفضل الله تعالى تم توفير المبلغ بتبرع مشكور من قريب لي بالخرطوم وصاحبي دفع مبلغ 1500

دولار جمعها بشق الأنفس من أصحاب له وأصدقاء وبهذا تم تخليصنا من قبضة الخاطفين

طريق الوصول للخرطوم :

تحركنا في الساعة الثامنة ليلاً  من القرية التي كنا فيها ومضت سيارة لاندكروزر جميلة تخترق  باقتدار صعوبات الطريق غير المعبدة حتى وصلنا  الخرطوم بعد ست ساعات ..  وكنا قد التقينا بالزلط  الذي اتجه بنا  نحو الخرطوم  والطريق إليه من   القرية يطول أو يقصر حسب الموسم والمطر والطين.. الذي يقلل من سرعة العربة.

بعد ركوب الزلط  أسرعت العربة بانتشاء كبير تنطلق بارتياح فوق الزلط  ولم يكن صعبا عليها أن  تتحاشى حفريات صغيرة تعترض طريقها حدثت بسبب عوامل تعرية وانعدام الصيانة السريعة .

ساقنا الطريق إلى نقطة تفتيش ، وقفت سيارتنا كشأن كل السيارات العابرة، أمر السائق الزميل المسيحي أن يختفي بين المقاعد ففعل، والكشاف المضيء بيد الشرطي المفتش كشف السر الدفين  في  خلفية السيارة ،  إنه أجنبي مهرب يفضحه شكله وشعره ولسانه ولباسه ، فدار حوار بين السائق والعسكري المفتش بخصوصه .

لم يطل الحوار لأن سائقنا أسرع هارباً وترك الغبار وراءه ..إنه تصرف غير سار للشرطي

لم تتحرك عربة مطاردة لملاحقتنا من نقطة التفتيش وسائقنا كان مطمئنا غير خائف من ملاحقة ، لعله  كان يعرف  أنهم عاجزون   ..

وكان يقول : نعود إلى نقطة التفتيش بعد توصيلكم إلى ا لخرطوم لنعطيهم ما يخفف غضبهم علينا ، نعرفهم ونعرف العلاج وبدا أنه سعيد البال لأن الأمانة وصلت الخرطوم بسلام.

العدد :

في السيارة ثلاثة أشخاص السائق ورجل آخر كبير في السن كان يرشد السائق بمعالم وعناوين المدينة والطريق ، ويظهر أنه خبير أما الشخص الثالث فلم يظهر أي نشاط في المهمة إلا أن يكون احتياطاً يظهر دوره عند اللزوم

وداع:

دخلنا المدينة في الساعة الثانية فجراً ، ونحن بين بيوت الخرطوم في حي من أحيائها العامرة لا اعرف اسمه ولا السائق كان حريصا أن يخبرنا

طلب منا النزول ونحن لا نعرف البلد ، لأننا أول مرة تطأ أقدامنا الخرطوم

والوقت ليلا والسكون يحيط بكل شيء  ، طلبت منهم أن يوصلونا إلى أصحابنا وقلت : نتصل بهم بالهاتف :

أمروني بعنف ، فاستجبت لعنفهم مغلوباً وأنا سعيد لأننا في المدينة بين  الناس وقد تركنا وراءنا متاهات الصحراء . قلت لنفسي : الآن تحررنا .    الحمد لله.

كان عندي هاتف نوكيا سلمني إياه لخاطفون في وقت سابق حينما سلبوا عن المخطوفين كل أجهزتهم الحديثة، اتصلت بأصحابي  ، والسيارة لم تنتظر  نتيجة اتصالاتنا لأنه لم يكن يهمها أمرنا بعد إيصالنا العاصمة سالمين

انتهت الرحلة المدفوعة الثمن

نعم وفى الخاطفون الجدد بما وعدوا .

علمت بعد ذلك أننا قريب من مستشفى شرق النيل الكبير وصلنا إليه بعربة ركشة أجرناها ليدفع ثمنها صديق لنا قادم إلى العنوان البين

بعد الوصول   إلى الخرطوم تواصلنا مع ” حبيب” نطلب تعويضنا لأنه لم يوف  بما وعد من سلامة الطريق فابدى اعتذاره وقال : إنه وقع ضحية خيانة أحد العناصر في الشبكة.!

وأنا لا أستبعد أنه شريك في عملية البيع الجديدة إنهم قوم لا دين لهم ولا أمان.

قلت له : هل من مقارنة بين  حكومة السودان وحكومة أرتريا في تتبع المهربين :

قال : السلطات السودانية  مجتهدة في متابعة المهربين المجرمين فهي تكافح الظاهرة بتشريعات وأجهزة وإدارات مسئولة وإمكانيات موفورة ومع ذلك لا زال الملف غير محسوم والظاهرة غير مختفية   لأنه يقوم على إدارتها شبكة محترفة تستغل كل شيء يعينها على التخفي ومواصلة الجريمة  وتدير مناشطها  من العاصمة الخرطوم ، وتتواصل عبر شبكة مبثوثة ، وتكثر ضحاياهم  المستهدفون في أحياء معروفة ، ومعظم الأنشطة الإجرامية تدار بالهاتف الجوال ،ولهم القدرة على دخول العاصمة بارتياح آمن والخروج منها بارتياح آمن  .

بخلاف أرتريا فإنه  لا يستطيع أحد أن يتحدث بكل تفاصيل  عمله الإجرامي بالهاتف ولا تلاحقه الشرطة، وإن أي مكالمة مشبوهة في أرتريا تكفي ساعة واحدة لإلقاء القبض على المتهم فيها أينما كان،  ولهذا  يتجاهل الناس هناك في ا رتريا الحديث حول التهريب بالهاتف وإنما يلجأون إلى الفيسبوك لإتمام الصفقة  و يتنامى الشعور السلبي لدى الناس تجاه السلطات السودانية يزعم أن المهربين يمكن أن يتجاوزوا أي عقبة من مسول وقانون  بمال يقدم إليه، و ربما كان هذا المال قادرًا على أن يحول بعض النافذين ضعفاء  النفوس إلى شريك حقيقي يحمي الشبكة الإجرامية.

احتراق الاسم ” حبيب”

لاحظت  أن ” حبيب ” حاول التعرف على مكاننا بعد الاختطاف بهدف العمل على تخليصنا بالقوة عبر أصدقاء قادرين حسب قوله لكنه فشل في الحصول على معلومة يقينية تحدد موقعنا حسب حديثه  الملح والمتكرر  الذي كان يطلب فقط ذكر معلم بارز يظهر لنا..  ومع ذلك لا يستبعد أن يكون هو نفسه شريكا في البيع ويتصرف بما يوحي أنه ضحية خيانة عنصر من عناصر الشبكة . ولهذا عمم المختطفون معلومة إلى شجراب بالهاتف أن ” حبيب ” غير مؤتمن وانتشر الخبر  غير أن الناس لا يعرفون ” شخص ” حبيب ولهذا فمن الممكن أن يترك الاسم المحترق “حبيب”   بعد أداء خدمة وتجارة تزيد عن سبع سنوات – حسب دعاية  مناديبه وسماسرته – حظي فيها  بحسن ظن الضحايا  ويطرح نفسه تحت اسم جديد تبقي على المهنة نفسها والشبكة نفسها  .

سطر الختام من المحرر  :

لا تزال تجارة البشر رائجة تلتهم المزيد من الأرتريين ، كانت محصورة على رجال من قبيلة متهمين لكنها تحولت إلى ظاهرة يركب صهوتها كثيرون، يبحثون عن الربح السريع ، ومن بين صانعيها ومروجيها ضحاياها أنفسهم الذين يرمون بأرواحهم مختارين إلى مفترسيهم ،  وضعف  الأجهزة المعنية بحماية اللاجئين  أو تواطؤ بعض موظفيها يحمي هذه التجارة ولو بإهمال مراقبتها وملاحقتها، وإن أكبر عوامل نجاحها استخدامها لشبكة  الاتصالات القومية والصحراء  وعربات خارقة ، وسلاح ،ومطاوعة الضحايا وغياب الوازع الديني عند بعض القبائل التي يأوي في بيئاتها وينمو المهربون والخاطفون .

تبدأ المشكلة بتهريب من معسكرات لاجئين مغلقة فيها إدارات وأجهزة لا تسمح بالخروج منها والدخول إليها إلا بإجراءات شديدة ومع ذلك تعمل فيها  تجارة التهريب  بارتياح ثم تباع  تجارة التهريب إلى تجارة الخطف . والجهات المسئولة عن اللاجئين  تعرف كم شخصا تم تسجيله في المعسكرات وكم شخصا خرج منه دون تصريح منها وتجد أن أعداد الداخلين في المعسكر ضخمة كأعداد الخارجين منه عبر التهريب  منذ إنشائه  .

وتعرف  الجهات المسولة عن حماية اللاجئين المسارات  الجغرافية والمعابر التي يتم التهريب عبرها والفئات النشطة  ولهذا فهي الأقدر على  معالجة هذه الظاهرة وعلى محاصرة التجارة القذرة وليس من المعالجة في شيء غض الطرف عنها أو تجاهلها أو إنكارها أو اتهام شريحة ضعيفة بها دون النظر إلى كل عناصر قوتها ومواجهتها بالحسم الرادع .وقصدت هذه المادة كشف المستور لأصحاب القرار والقدرة في السودان – ونحسب أنهم على قدرة وحرص وإرادة  – لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية اللاجئين من شر أنفسهم ومن شر تجار البشر  الذين يستغلون كل الإمكانيات المتاحة في البلد مادية وبشرية وتقنية وسلاح لاستمرار هذه التجارة القذرة وإنها لعار العصر البشع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *