أ.د. جلال الدين محمد صالح يكتب : كرونا.. الجائحة المدمرة.. وتساؤلاتنا عن مصير سجناء الضمير في معتقلات النظام الإرتري

فوجئ العالم من حيث يظن أنه آمن بفايروس كرونا المدمر، قَطَّعه أوصالا متباعدة، على شكل دول ومدن معزولة، وفرض عليه معركة غير متكافئة، سببت دماًرا شاملاً في الجبهات الأمامية من تحصينات المجتمعات المنكوبة التي تهاوت تباعًا، مخلفة وراءها كارثة صحية، وربكة إدارية، وأزمة سياسية، وخسارة اقتصادية كبيرة تقدر بالمليارات، نتيجة توقف الحياة.

البداية من ووهان والخطر يتمدد  :

وكانت البداية من الصين حيث مدينة ووهان ذات الإحدى عشر مليون نسمة

وكانت الكارثة كبيرة، شلت الاقتصاد الصيني، وعطلت قواه المنتجة من مصانع، وأيد عاملة، كلها حكم عليها بالحجر الصحي، ودخلت مساكنها حتى لا يحطمنها كرونا وجنوده غير المرئية، والمتطايرة مع رذاذ كل عُطاس، أو المتسللة من بين الأنامل المتصافحة، وأيضا تلك المتسافحة

ولقد استنفرت الدول كل طاقاتها وإمكاناتها وتعامل بعضها بشفافية عالية في بيان الحالة المرضية توسعًا وتقلصًا، ونسبة الوفيات ارتفاعا وانخفاضا.

الوضع في ارتريا مقلق :

إلا أن الوضع في إرتريا يثير القلق فما زال محفوفا وملفوفا بالغموض، وما زالت المعلومات جد شحيحة، ليس باستطاعة المواطن التمكن منها، وربما غير دقيقة ووافية.

وأن ما أعلنته الحكومة عن حالات قالت: إنها وافدة قدمت من خارج البلاد، ليس بالضرورة أن تكون صحيحة ومقبولة من المواطن، فثقة الشعب على الحكومة جد ضعيفة إن لم تكن معدومة.

وأزمة الشعب الإرتري مع هذا الوباء ليس في كونه سريع الانتشار فحسب، وإنما في التردي الاقتصادي لوضع البلاد، مما يصعب معه وقاية الذات بالبقاء في المنزل، وإلا كانت الكارثة بحدوث مجاعة ناجمة من فقد التموينات الضرورية، مع أنها من أهم وسائل محاصرته والحذر منه.

ولأن إرتريا تقع بين جارين كبيرين بكثافة سكانية، فإن احتمالية تعرضها لغزو فايروسي من جارتها إثيوبيا والسودان كبير جدا، وقد تكون هي من ينقله إليهما.

وحتى لو كانت الحدود بينها وبينهما مغلقة وغير متاحة للعبور، فإن التسلل بطرق ملتوية أمر ممكن، ذلك إن اقتصاد إرتريا في ضرورات حياة الشعب يعتمد بنسبة كبيرة على تجارة التهريب من السودان وإثيوبيا.

وهنا تكمن الخطورة، ولا أحد يدري عن خطة الحكومة في مثل هذه الحالات والاحتمالات، وهل لوزارة الصحة سياسة واضحة وميزانية مرصودة لتنفيذ خطة الطوارئ؟.

ما أظن ذلك، ولا أحد يمكن أن يسأل ويناقش، لأن البلاد تدار برأي أحادي وقرار انفرادي.

وهذا في حد ذاته أزمة  أشد ما يكون فتكًا بالوطن من أزمة كورونا.

هذا إلى عجز الجهاز الصحي وافتقاره إلى أجهزة التنفس اللازمة، وإلى فريق طبي يكفي في إسعاف الحالات الحرجة، من جراء حالة العزلة المفروضة على الشعب، وبسبب الحيلولة دون عودة  الكفاءات الإرترية إلى البلاد ومطاردتها على مواقفها وقناعاتها السياسية.

يضاف إلى ذلك وضع المعتقلات غير الإنسانية وغير الصحية المليئة بسجناء الضمير من سنوات مضت، بدءًا من عام ١٩٩٤م، حتى يومنا هذا، ولم تسمح الحكومة لمنظمات حقوق الإنسان بالوقوف عليها؛ للتأكد من مناسبتها الصحية وملاءمتها لأدنى حقوق الإنسان في قضاء عقوبة السجن، متى كانت هذه العقوبة بقضاء مدني مستقل.

هؤلاء السجناء الأبرياء يعيشون في أقفاص مكدسة، وبيئة ملوثة، صالحة لأن تكون مرتع تكاثر فايروس كورونا وكل الفايروسات القاتلة.

وباتت حياتهم اليوم أكثر تعرضا للموت أو الأمراض المزمنة والعاهات الدائمة، نتيجة لما هم عليه من وضع مأساوي، لا علاج فيه، ولا غذاء أو دواء.

وباسم أسرهم المنكوبة التي لا يمكنها السؤال عنهم والاستفسار عن أحوالهم نطالب الأمم المتحدة وجهازها الحقوقي السؤال عن هؤلاء السجناء والتعرف عن وضعهم الصحي.

هذا فيما يخص الشأن لإرتري في التعاطي مع هذا الوباء.

الكرونا عالمياً:

أما عن الشأن العالمي خارج القطر الإرتري فإنا ما زلنا نتابع حالة الخوف السائدة بين الشعوب.

ولقد أظهرت الصين خلال محنتها هذه قدرة فائقة في التعامل مع الفايروس وإدارة معركتها معه، خرجت منها متعافية نوعا ما، لتستأنف حياتها الطبيعية من جديد.

وما زالت الصين محكومة بحزب شيوعي ماوي أحدث لمسات تجديدية في سياسته الاقتصادية، جعلت من الاقتصاد الصيني أحد أهم وأكبر الاقتصادات العالمية، إلى حد منافسة الاقتصاد الأمريكي.

وهو ما استفز أمريكا إلى حد وضع عراقيل تعيق من تقدمه، وتشغب عليه.

إلا أنه ومع هذا التقدم والنجاح الذي حققه الحزب في المجال الاقتصادي ما زال على ما كان عليه في ميدان الحريات يمارس الكبت والتضييق.

وهو ما تعاني منه أقلية الإيجور المسلمة إذ ظل الحزب الشيوعي الصيني يستضعفها بسياسات تضيقية تمس حريتها الدينية، في صمت من ما يعرف بالعالم الحر.

وتباينت التحليلات في تحديد الجهة التي سربت هذا الفايروس وأطلقته على الصينين، لتنكب به البشرية جمعاء على إثرها مسببا حالة من الهلع لا مثيل لها.

ومن بين هذه التحليلات أطلت علينا نظرية المؤامرة برأسها، لتوجه أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة، بينما الولايات المتحدة نفسها اجتاحها الفايروس وبصورة شرسة، حتى كادت  بعض ولاياتها تضاهي كارثة إيطاليا، وبالذات ولاية نيويورك.

ولم تجد الرئاسة الأمريكية في البيت الأبيض بدًا من الاستنفار الكلي، وضخ مبالغ ضخمة من المليارات لسد حاجات القوى العاطلة، والمستفيدين من صندوق الضمان الاجتماعي، وتهبئة المستشفيات الميدانية تحسبا لما هو مخيف.

ويتوقع المراقبون أن تكون الولايات المتحدة أكبر بؤرة تفشي لهذا الفايروس، وأكبر منبع انتشاره إلى أكثر من مكان في العالم من حولها.

وقد تكون له انعكاساته السلبية على حملة ترامب الانتخابية القادمة إذا ما تعقد الأمر أكثر مما هو عليه الآن.

ولعل هذا ما حمل الرئيس ترامب ان يجمل من لغته تجاه الصين، بعد أن كان يسمي الفايروس بالفايروس الصيني ويحمل الصين مسؤولية انتشاره في العالم، وقرر أن يستجيب لفكرة التعاون مع القيادة الشيوعية الصينية، بدل مناكفتها، والاستفادة من تجاربها وخبرتها في مواجهة الفايروس.

وفي سياق ما كان بينهما من لمز وغمز نبه الرئيس الصيني من قبل الرئيس ترامب إلى ضرورة الانشغال بمواجهة الفايروس الذي يغزو أمريكا بدل اتهام الصين.

كذلك الاتحاد الأوروبي هو الآخر بدأ يواجه بوادر أزمة ثقة بين عضويته، قد تتطور لتصل إلى نقطة معقدة، فقد لامت إيطاليا كلا من فرنسا وألمانيا على ما تقول إنه تقاعس واضح عن نصرتها والوقوف معها، في حين وجدت من الصين نجدة عاجلة، وأيضا روسيا بينما اتهم الرئيس الفرنسي إيطاليا بالسكوت عن الدعم الفرنسي.

كذلك روسيا داهمها الفايروس في عقر دارها، وشوهد الرئيس بوتن وهو يتفقد مرضاه، بينما كتائب وفيالق من جيشه ما زالت تدك الشعب السوري وتمطره بوابل من الموت.

والأمر نفسه يحدث في إيران، موتى بالآلاف، حيث يمرح الفايروس على أرضها ويسرح، دون أدنى سيطرة ظاهرة.

وأخذت تحتج على الولايات المتحدة بسبب الحصار المضروب عليها، وتطالب برفعه حتى تتمكن من إسعاف شعبها.

هكذا تتذوق إيران نكبة الموت وتتجرع مرارتها وهي التي ترمي ببراميل حارقة على الشعب السوري وتشرده من أرضه بدوافع طائفية تتوارى خلف القضية الفلسطينية.

لا أحد يتمنى الأذى والضرر للشعوب أيا كانت، بفعل سياسات حكوماتها الظالمة، ولكن اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، مما يعني أن الشعوب مسؤولة عن تجاوزات حكامها الظلمة، وإن لم تتكاتف معا في الاحتجاج عليهم، يوشك أن يعمها الله بعذاب من عنده.

وقد يكون هذا العذاب حربا تهلك الحرث والنسل أو فايروسا يملأها الفزع والفجع والوجع.

العالم ما بعد الكرونا :

فهل سيشهد العالم تغيرا في تحالفاته، وترتيب أولياته من بعد اجتياز هذه المحنة، أم ثمة مبالغة في طرح تساؤلات من هذا النوع؟.

هناك رؤى استشرافية تتنبأ بحدوث تحول في عالم ما بعد جائحة كرونا، تتغير فيه الأولويات، وربما أعيد فيه النظر إلى جدوى عدد من التكتلات القائمة ومنها الاتحاد الأوروبي

وآخرون يرون أن ما حدث ليس كافيًا لإحداث هذا التحول على هذا النحو المتصور، وإن حدث فليس هو إلى حد تكون فيه المفاصلات الكبيرة

وأيا كان الأمر فإن العالم القوي تعرف على نفسه أكثر مما كان يعرف، وظهر أنه أضعف ما يكون على الرغم مما كان يتباهى به من قوة اقتصادية، وعسكرية، وحتى هذه اللحظة لم يكتشف بعد العقار الذي يحسم به المعركة قبل أن تتفاقم آثارها الضارة أكثر مما هي فيه، ومن ثم لا يدري بالضبط متى ستنتهي وهل ستنتهي لصالحه؟.

الله القوي القهار :

وليس في هذا من دلالة سوى أن مدبر العالم ليس هو ما يسمى بالقوى العظمى بكل ما يملك من ترسانة عسكرية ضخمة، وقواعد بحرية وأخرى برية منتشرة في العالم، وبما لديه من تفوق علمي، وجبروت سياسي، وقوة اقتصادية، وإنما الله وحده هو من يدبر شأن العالم، ويُرِي المستكبرين في الأرض آياته العظام، لعلم يذكرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *