بسم الله الرحمن الرحيم
ملتقى الفكر والتنمية
الحالة الإرترية نموذجا – رؤية شرعية
بقلم د.حامد محمد حالفا
الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦م الموافق : ٧ شوال ١٤٤٧هجري
استهلال :
هذه مادة فكرية تناقش فكرة ان التصور الإسلامي يقرر أن الأصل في الحياة السعادة والهناء والنعمة لا الشقاء والنكد والبلاء ، وإن التكليف مع التيسير يصاحب الإنسان منذ أن وجد وفي التكليف من الواجب او المباح
الكثير النافع، و من الضار الممنوع القليل المعدود
وهناك مؤثرات ذاتية وخارجية تحرض الإنسان على المعاصي فيقع فيما يسخط الله، وتنزل العقوبة على الفرد والمجتمع والدولة بسبب ذلك.
وفي الدنيا الخيرات كثيرة ووفيرة والإنسان مخاطب ليقوم بعمارة وتنمية الأرض يدير الحياة بشرع الله وبذلك يوفر على نفسه دوام النعمة والسعادة الدنيا
وعليه أن يحذر الفتن الذاتية والخارجية خوفا من أن يحرم من نعيم الدنيا والآخرة
وتستعرض المادة تفاصيل ” الملتقي”
و” الفكر ” و” التنمية ” بناء على أنها.مصطلحات المبادرة ، وكيف يتحقق تنزيل ذلك على الواقع والمصاعب التي تقف في وجهه إلى جانب تسليط الضوء على تطبيق الشريعة في إرتريا على المستوى الشعبي وصور تجلي ذلك التطبيق مع وجود نظام مخالف
الحلقة الأولى – تعريفات لغوية واصطلاحية :
تبدأ مسيرة الحياة في الفكر الإسلامي بإمكانية العيش الرغد في الجنة ، – جنة الدنيا توصله إلى جنة الآخرة – يسعد فيها الإنسان في معيشته ، وعقيدته، وسمو أخلاقه؛ ملتزما بشريعة سماوية؛ تطالبه بأداء فرائض، وإقامة العدل، وتنهاه عن اقتراف المنكرات، والجور في الحكم ، وتوفر له السعادة ؛ لم يمسسه سوء في حال استقامته، وتحذره من عواقب المعصية فهي المعيشة الضنك في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.
هذا هو الأصل في التصور الإسلامي ،انها دار سعادة لا شقاء فيها ، يبين ذلك قوله تعالى : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) ونص على صور من المتع العديدة أهمها والذها الطعام فهو الأصل لأن الحياة تقوم عليه والبقية فروع مكملة ومجملة ” زينة ” : ( وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ) وطلب الله تنفيذ التكليف العبادة : ( وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) وجاءت عوامل صارفة عن التكليف من الأهواء والشيطان والنفس الأمارة بالسوء فكانت المعصية وبداية الانحراف عن الطاعة : ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ) وأثمرت المعصية العقاب : ( فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) تمس العقوبة المائل المستجيب والمغوي المحرض المزين . والمخرج الوحيد عن المعصية هو التوبة إلى الله والتماس العون منه والإرشاد ، والعودة إلى الطاعة مرة أخرى: ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) – سورة البقرة ، آيات ٣٥ – ٣٧
فالنص واضح؛ ان حياة الإنسان تبدأ بالسعادة والهناء ، وإن العقاب المؤلم حصل نتيجة لمخالفة شرعية ، والمزين للمعصية هو الهوى والشيطان وانصاره وحزبه . ومن هنا وجد الصراع تاريخيا ويظل حاضرا ومستقبلا بين شريعة وحزبها حريصة على اسعاد الإنسان وبين الشيطان وحزبه من اهل الهوى والعقائد
الباطلة يريدون غواية وشقاء هذا الإنسان وان حسبوا انهم يحسنون صنعا وزينوا باطلهم وسموه سبيل الرشاد …
ويشتد الصراع بين الطرفين وسببه اختلاف العقائد والسلوك والحاجة إلى الموارد والمعيشة الهنية والسيادة والغلبة .
فرق الباطل ترغب أن تتمدد للسيطرة على القلوب و الموارد والاستحواذ على السيادة للاستئثار بكل شيء ، وبين إسلام يسعى للحيلولة دون سيطرة اهل الأهواء على الإنسان والأرض والفكر والسلوك ، ولتحقيق ذالك جاء بمنهاج حياة يتباين عما تنطوي عليه مناهج تلك الفرق من عقائد وسلوك .
ومسيرة الصراع بين الباطل والإسلام ممتدة يتصل ماضيها بحاضرها ويعبر إلى مستقبلها
وفي كل عهد أقوام وافكار وأخلاق تتصارع ؛ طرف شيطاني باطل معتدي وطرف إسلامي يدافع عن حقوقه وكرامته ومصالحه .
وتأتي مبادرة ( ملتقي الفكر والتنمية ) إسهاما من أهلها في نصرة القيم الإسلامية المتعلقة بتنمية وتطوير الفكر والسلوك والموارد الاقتصادية باستخدام الأساليب والوسائل والمناهج الحديثة مع التركيز علي الوعي عبر التحريض على القراءة والتعليم والعمل الجاد لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهيته في وطنه ليعيش حياة سعيدة في جنة الدنيا كما بدات حياته الأولى وليتقى عوامل الشقاء والغواية حرصا على دوام النعمة وخوفا من زوالها بسبب المعاصي .
يتكون العنوان من ثلاث مفردات لها معان مختلفة لغة ؛ وتتوحد في معنى واحد اصطلاحا بعد تركيبها . فمعاني المفردات من حيث اللغة. والاصطلاح الخاص لكل كلمة يأتي مرتبا على النحو التالي :-
اولا – مُلْتَقى:
له معاني مختلفة حسب تباين السياق والحركات والحروف زيادة ونقصانا من ذلك :
مُلْتَقى : اسم المفعول من الفعل : التَقَى وهو بضم الميم وفتح القاف بمعنى مكان اللقاء ، واسم الفاعل منه ملتقي بضم الميم وكسر القاف ومعناه : من حدث منه اللقاء في المكان المخصوص، والزمان المخصوص
وقد يأتي الملتقى اسم زمان للدلالة على وقت اللقاء تقول : ملتقانا غدا، واسم المكان تقول : ملتقانا في القاعة رقم كذا ، وقد يطلق على المعنوي لا الحسي تقول : ملتقانا في العمل للوطن او الدين اي نجتمع فكريا وعمليا وهنا نجد أقرب الدلالة على موضوعنا ..
ثانياً – فكر
أما كلمة ( فكر ) فمن معانيها اللغوية التدبر
والتأمل والنظر بإعمال العقل وجاء في المعاجم العربية : الفكر إِعمالُ العقلِ في المعلوم للوصَول إلى معرفة مجهول ويقال : لي في الأمر فِكْرٌ: نَظَرٌ ورويَّةٌ ، وما لي في الأمْرِ فِكرٌ: ما لي فيه حاجة ولا مبالاة، وأجهد فِكْرَه: أمعن في التفكير، ، وبنت الفكر: فكرة أو خطَّة مبتكرة منسوبة إلى شخص معين أو مجموعة معيّنة،، رجال الفِكْر: المفكِّرون
وقد عرفها بعضهم اصطلاحا فقال :
الفكر ، اصطلاحا هو عملية عقلية ذهنية استدلالية تستدعي قدرات معرفية عالية للربط بين القضايا والأحداث الواقعية في مجتمع معين والمفاهيم الخاصة بها والمتولدة عنها
والفِكرَة: من الفِكر، وهي الصورة الذهنية لأمر ما، وجمعها فِكَرٌ. وقيل: الفِكرُ مقلوبٌ عن الفرك،
لكن يستعمل الفِكرُ في الأمور المعنوية وهو فركُ الأمور وبحثها للوصول إلى حقيقتها. وجاء عند ابن فارس: “فكَرَ: الفاء والكاف والراء،: تردُّد القلب في الشيء، يقال: تفكَّر: إذا رَدَّدَ قلبه معتبرًا، ورجل فِكِّيرٌ: كثير الفكر”.
وقد وردت مادة (فَكَرَ) في القرآن الكريم في نحو عشرين موضعًا، ولكنها بصيغة الفعل ولم ترد بصيغة الاسم أو المصدر، قال تعالى:(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ)(المدثر:18)، وقال تعالى:( أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ)(الأنعام50)، وقال تعالى:(لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الحشر:21). ففي الآية الأولى وردت بصيغة الماضي “فَكَّر”، وفي الثانية وردت بصيغة المضارع المخاطب “تتفكرون”، وفي الثالثة بصيغة المضارع الغائب “يتفكرون
وخلاصة التعريف الاصطلاحي إسلاميا :
أن كل ما أنتج فكر المسلمين منذ مبعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى اليوم، في المعارف الكونية المتصلة بالله -عز وجل- والعالَم والإنسان يسمى فكرا وهو يعبر عن اجتهادات العقل الإنساني لتفسير تلك المعارف العامة في إطار المبادئ الإسلامية عقيدة وشريعة وسلوكًا.
ثالثا – : تنمية:
تأتي معنى التنمية لغة بمعاني كثيرة تدرك بالسياق أو زيادة او نقصان الحروف وتغيير الحركات ف ( تَنمية) مصدر للفعل نمى تنمية اي زاد زيادة مثل قفى تقفية اي جعل للشعر قافية والنماء الزيادة يقال : نما ماله بمعنى طرأ فيه الرَّفْعِ وَالزِّيَادَةِ فِي أَرْبَاحِهَ وَرَأْسَمَالِهَ
والتَّنْمِيَةُ الاقْتِصَادِيَةُ معناها : الرَّفْعُ مِنْ مُسْتَوَى الإِنْتَاجِ وَالدَّخْلِ الوَطَنِيِّ وقد تطلق إلى تحويل الموارد الطَّبيعية غير المستثمرَة إلى موارد منتجة مثل استصلاح الأراضي الصَّحراوية أو البور، و إنشاء صناعات جديدة .
والتَّنمية المستمرَّة: التَّنمية التي تتوفَّر لها مقوِّمات ناجحة ثابتة تكفل لها الاستمرار
ونما المال زاد وكثر ونما الحيوان زاد لحمه اي سمن ونما الحديث شاع وذاع بين الناس
والتنمية المجتمعية اصطلاحا هي :
تنمية المجتمع هو مصطلح عام يطلق على ممارسات النشطاء المدنيين والمواطنين المعنيين والمهنيين التي تهدف إلى بناء مجتمعات محلية أقوى وأكثر قدرةٍ على المقاومة. تسعى تنمية المجتمع إلى تمكين الأفراد والجماعات بإكسابهم المهارات التي يحتاجونها لإحداث تأثير في مجتمعاتهم وهذا معنى جليل يهدف إليه الدعاة ويتصدر جهودهم ومقاصدهم .
المعنى المركب اصطلاحا :
( ملتقى الفكر والتنمية ) اسم لنخبة من الدعاة وأهل الذكر والفكر تضمهم مبادرة تطوعية لتبصير وتطوير وتنمية المجتمع فكريا وسلوكيا وثقافيا ومعرفيا وفق مفاهيم شرعية ووطنية وعرفية تحقق مصلحة الأرض والإنسان .
انها تنمية شاملة تستهدف العقل والبدن والروح والمادة والإنسان والأرض والإيمان والأخلاق … يقوم بها الافراد والمؤسسات والجماعات والدول الراشدة ، وتسخر لها كل الإمكانيات المشروعة التي تساعد على إيجاد مجتمع فاضل ، ووطن السعادة وحمايته من عبث الفكر الضار ، و السلوك الضار وطن ومواطن معافى وآمن قابل للتطوير المستمر، وقادر على تجاوز المعيقات المثبطة والبلاءات المعيقة يعبر ذلك كله إلى العافية
مبررات وجوده :
توجب هذه التنمية وهذا الفكر المبررات التالية
١- حاجة المجتمع الإرتري المسلم إلى مزيد من الدعوة إلى الله
٢- اعراض وجهل كثير من فئات المجتمع عن دين الله تعالى وعن العمل والانتاج والمهن المنتجة
٣- فشل الدعوات المنحرفة في المجتمع من قبلية وفكرية مناوئة للتدين وإلحادية فقد ظهرت على شكل تكتلات وإنشاء كيانات لاهية تبتعد بمنسوبيها عن الله تعالى وتعمق فيهم الاخلاق العاطلة والعابثة والضارة وتتبنى نظريات سياسية مجتلبة لا صلة لها بأعراف الشعب وتراثه ودينه واخلاقه .
٤ – الرغبة في تقديم خطاب دعوي ثقافي وسطي مميز يتوجه إلى المجتمع الإرتري دون ترخص يتعايش مع المعاصي ولا تنطع ياخذ الناس بالعزائم ويفرض عليهم ما لم يفرضه شرع الله
٥- واجب التصدي الحاسم لعوامل هدم الوطن ، وهدم القيم وذلك بمقارعة الحجة بالحجة وتسجيل الحضور القوي المؤثر وغير المنهزم امام الباطل.
٦- خوف الانهيار الواضح الذي يعيشه الوطن انهيار شمل الإنسان فكرا وسلوكا والوطن تنمية واعمارا وامنا واستقرارا نتيجة للسياسة المتخلفة الحاكمة التي تحرص على تغييب المعرفة وتحرص على بقاء الوطن مدمرا على الرغم من الكنوز الاقتصادية الوفيرة
وطن شاخت الأجيال فيه وهي لم تنعم بالحرية فيه و الرفاهية والحكم الرشيد.
فاعل التنمية :
الأطراف المعنية بتحقيق مقاصد ملتقى الفكر والتنمية هي :
٢- الدعاة المسلمون النشطون في حقل التربية و لدعوة إلى الله
٣- العلماء بمختلف تخصصاتهم العلمية
٣- الجماعات الاسلامية والجمعيات الخيرية والمعاهد الدينية
٤- السلطان الحاكم الذي يلزمه النزول إلى رغبة الجمهور فيطلق حريات التعليم والعمل والتربية والتجارة وممارسة المهن المنتجة فالمبادرة ليست خصما له وإنما ناصحة أمينة تتوقع المؤازرة منه أو غض الطرف عن نشاطها المسالم المحايد فكل هؤلاء في الميدان وفرص النجاح أمامهم متاحة وبقدر تفاوت نشاطهم يتحقق كسبهم من الذيوع وسط المجتمع ، ويتقلد مقام الصدارة فيه وينال شرف الانتساب إلى الملتقى فكرا وسلوكا .ويستحق الذم من تقاعس عن العمل أو اجتهد في إعاقة العاملين والاعتداء عليهم أو تشويههم.
آلية العمل :
تتحقق مقاصد الملتقي بكل جهد يخدم الفكرة
والهدف من إنشائه سواء تم تنفيذ تلك الجهود بشكل جماعي أو مؤسسات جمعية أو مبادرات فردية او سلطان حاكم راشد ينصر القيم الفاضلة ويكف أذاه عن المواطنين ، وسواء كانت تجارب في التاريخ ولها امتداد حاضر ، أو استحدثت لاحقا وتجددت ..وسواء تداعى المعنيون بها ليكون منهم كيان جامع أو تعاونت جهودهم في تحقيق مقاصدهم…فبكل صورهم وصيغ انشطتهم الفكرية والتعليمية وإمكانياتهم المادية والمعنوية فهم يد على من سواهم وليس بالضرورة ان يكونوا تحت مظلة جامعة واحدة وإنما توحدهم الفكرة والعمل من أجلها .
ومن تقاعس من تلك الأطراف وتنافر مع مبادئ الملتقى فهو في منطقة العفو وغيره قد يقوم مقامه والمبادرة الإيجابية تستحق المؤازرة من أصحاب الفكر التنموي النبيل وتتوقع من مخالفيها عدم المبادأة بالأساءة إليها فالفكر
الحر يتعايش مع الفكر الحر ويتم تأجيل نقاط الخلاف إلى أحكم الحاكمين يوم القيامة والدنيا فرصة للتعايش وحماية المصالح المشتركة فلا فائدة في التضايق من الفكر المختلف