
تصاعد التوتر بين نظامي إرتريا وإثيوبيا لا يصل صدام عسكري
– رغبة إثيوبيا إلى منفذ بحري قوية وملحة والحرب ليست سبيلها الوحيد
- ” الإتلاف الوطني الديمقراطي” نموذج عملي لتوحيد الفصائل المتقاربة
أجرى الحوار : أ.باسم القروي
ضيف ” زينا ” اليوم سمعت به من بعيد وعلمت أنه هميم وخبير ومطاوع لخدمة القضية وإيجابي، وأنه يشغل منصبا رفيعا في المعارضة الإرترية وله حضور فاعل مميز ..
تلك الصفات عززت من قناعتي لأطرق بابه فكان المرحب الجدير بالاحترام.
الضيف الكريم د.عبد الله جمعة محمد يرى أن الحرب بين إثيوبيا وإرتريا ليست في صالح نظاميهما ولهذا لا يتوقع اشتعالها كما لا يتوقع أن تتنازل إثيوبيا عن رغبتها في منفذ بحري وعينها في عصب لكن عبر الطرق الدبلوماسية لا الحسم العسكري.
وأكدت المقابلة ان المعارضة الإرترية أشد هشاشة من النظام القمعي على الرغم من أن الفرص المتاحة لها متوفرة وذكر أن من غير الصحيح وصف النظام الإرتري بالمنهار.
وتناولت المقابلة محاور الصراع الإقليمية والدولية في منطقة القرن الأفريقي .
بم تبدأ هذه المقابلة ؟
في البدء أشكر موقع “زاجل” على هذه الاستضافة، وأرجو أن تكون هذه المقابلة مسهمة مفيدة في قراءة المشهد الإرتري والإقليمي بعيداً عن التبسيط والتهويل، وأن تساعد القارئ الإرتري على فهم طبيعة التحولات الجارية، وما تتيحه من مخاطر وفرص أمام شعبنا وقواه السياسية.
1. ما أحدث مستجدات الوطن الإرتري سياسياً وعسكرياً؟
المشهد الإرتري اليوم لم يعد أزمة داخلية محصورة بين نظام ومعارضة، وإنما أصبح جزءً من إعادة تشكيل جيوسياسية واسعة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وتتقاطع فيه خمسة ملفات رئيسية.
أولاً: تصاعد التوتر الإرتري–الإثيوبي.
انتقلت العلاقة بين البلدين، بعد المصالحة التي بدأت عام 2018، من مرحلة التقارب إلى حالة من التوتر الاستراتيجي المتزايد. وتتصاعد المخاوف مع استمرار الخطاب الإثيوبي بشأن حاجتها إلى منفذ بحري، وما يرافق ذلك من تحركات سياسية وأمنية تجعل قضية البحر الأحمر، وميناء عصب بصورة خاصة، في قلب الحسابات الإقليمية.
ونحن نرى أن من حق إثيوبيا أن تبحث عن مصالحها الاقتصادية والتجارية، ولكن ليس من حق أي دولة أن تحول حاجتها الاقتصادية إلى ذريعة للمساس بالسيادة الإرترية أو إعادة إنتاج الصراع بين البلدين.
ثانياً: عودة التوتر في إقليم تيغراي.
إن تجدد المواجهات في تيغراي، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود السودانية والإرترية، يمثل تطوراً بالغ الخطورة؛ لأنه يعيد إنتاج البيئة التي يمكن أن يتحول فيها النزاع الداخلي الإثيوبي إلى صراع إقليمي أوسع.
وهنا تكمن خطورة المثلث الحدودي بين إرتريا وإثيوبيا والسودان، الذي أصبح أحد أكثر أجزاء القرن الأفريقي حساسية.
ثالثاً: إعادة تشكيل محاور البحر الأحمر.
إرتريا أصبحت جزءاً من شبكة علاقات إقليمية تتداخل فيها مصر والسعودية والسودان وإثيوبيا، إلى جانب القوى الدولية المهتمة بأمن البحر الأحمر.
واللافت أن قضية البحر لم تعد قضية موانئ فقط، بل أصبحت قضية أمن قومي واقتصاد عالمي وممرات تجارية واستراتيجية.
وهنا أرى أن غياب إرتريا عن بعض الأطر والمبادرات الدولية المتعلقة بالأمن البحري يمثل مشكلة سياسية لا ينبغي الاستهانة بها. فامتلاك ساحل طويل لا يكفي؛ المطلوب أن تكون الدولة الساحلية حاضرة في ترتيبات أمنه، وأن تقدم نفسها كشريك مسؤول في حماية الملاحة ومكافحة تهريب السلاح والبشر والمخدرات.
رابعاً: الحرب السودانية وتداعياتها الإقليمية.
الحرب في السودان لم تعد حرباً داخلية بالمعنى التقليدي، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.
وفي شرق السودان تحديداً، نشهد عودة ظاهرة تسليح المجتمعات وتكوين تشكيلات مسلحة خارج البنية التقليدية للدولة، وهي ظاهرة لها جذور تعود إلى عقود سابقة، لكنها اكتسبت زخماً جديداً بعد حرب أبريل 2023.
وهنا ينبغي أن نتعلم من التجربة السودانية نفسها، فإنه عندما يصبح السلاح جزءً من البنية الاجتماعية والسياسية، فإن نزعه لاحقاً يصبح أكثر صعوبة، وقد تتحول أدوات الحماية المؤقتة إلى مصادر دائمة لعدم الاستقرار.
خامساً: استمرار الانغلاق السياسي في إرتريا.
على المستوى الداخلي، لا تزال البلاد تفتقر إلى المسار السياسي الذي يسمح بإدارة الخلافات سلمياً، ولا تزال السلطة مركزة بصورة شديدة في يد القيادة التنفيذية والأجهزة الأمنية والعسكرية.
وبالتالي فإن التحدي الحقيقي أمام إرتريا ليس فقط خطر الحرب الخارجية، وإنما أيضاً غياب الآليات الوطنية التي تسمح للمجتمع بإدارة الاختلاف والتغيير بصورة سلمية ومؤسسية.
2. توصف إرتريا أحياناً بأنها”«وطن آمن في محيط قلق”. هل هذا توصيف دقيق؟
الأمن والاستقرار مفهومان مختلفان. وقد تكون إرتريا أقل تعرضاً للحرب الأهلية المفتوحة من بعض دول الجوار، ولكن ذلك لا يعني أنها تتمتع باستقرار مؤسسي أو سلام اجتماعي بالمعنى الحقيقي.
فالأمن الظاهري في إرتريا قائم بدرجة كبيرة على السيطرة الأمنية والعسكرية الصارمة واحتكار الدولة للقوة ومنع تشكل مراكز مستقلة للسلطة.
وهناك ثلاثة عوامل رئيسية تفسر ذلك.
أولاً، العسكرة الشاملة والخدمة الوطنية المفتوحة عملياً، التي جعلت قطاعات واسعة من الشباب مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية.
ثانياً، إغلاق المجال السياسي والمدني والإعلامي، مما منع تشكل قوى سياسية واجتماعية مستقلة قادرة على التعبير عن نفسها داخل البلاد.
وثالثاً، الجغرافيا وصغر مساحة الدولة، إلى جانب غياب بنية معارضة مسلحة واسعة داخل البلاد، الأمر الذي يجعل السيطرة الأمنية أكثر سهولة. ومن الملاحظ هنا أن العامل الأهم هو حرص المعارضة على عدم انزلاق الأوضاع إلى حرب أهلية أو فوضى أمنية. فنحن في المعارضة نفرق بين إسقاط النظام، الذي هو وواجبنا السياسي، وبين إسقاط الدولة والوطن، وهو محرم ونتحاشاه قدر الامكان.
لكن تجدر الإشارة إلى أن وراء هذا الأمن الظاهري توجد كلفة إنسانية ونفسية كبيرة، تتمثل في قلق الإنسان الإرتري من المستقبل، وعدم اليقين، والخوف من الملاحقة، وطول الخدمة الوطنية، والهجرة المستمرة للشباب.
لذلك أقول دائماً أن الدولة التي تحقق الأمن بإسكات المجتمع تستطيع أن تمنع الانفجار لفترة، لكنها لا تستطيع أن تعتبر ذلك بديلاً عن بناء الاستقرار المؤسسي.
3. النظام يقول إن لديه قاعدة شعبية، بينما تصفه المعارضة بأنه غير شرعي ومنهار. كيف تردون؟
ينبغي للمعارضة أن تكون واقعية وشجاعة في هذه المسألة. فنحن لا ندعي أن كل الإرتريين ضد النظام، ولا ننكر أن للنظام أنصاراً حقيقيين في الداخل والشتات، وأن هناك مواطنين يعتقدون- وهم مخطئون، أن النظام يحافظ على مشروع الدولة والاستقلال، أو يرون في القيادة الحالية ضمانة لحماية البلاد من التهديدات الخارجية.
لكن وجود بعض التأييد لا يساوي الشرعية الديمقراطية. والسؤال ليس هو كم شخصاً يحضر المناسبات الوطنية؟ وإنما هو هل يستطيع المواطن أن يؤيد النظام أو يعارضه بحرية؟ وهل يستطيع أن يمارس حياةً طبيعية؟ وهل يستطيع إنشاء مصنع أو تجارة دون ابتزاز وإتاوات؟ وهل يستطيع انتخاب قيادته ومحاسبتها؟
هذه هي المعايير التي تقاس بها الشرعية الديمقراطية. لذلك لا ينبغي لنا أن نقول إن النظام “بلا شعبية”، فهذا ادعاء غير دقيق. وإنما نقول إن الشعبية الحقيقية لا يمكن قياسها في بيئة لا تسمح بالتعددية السياسية والإعلامية والانتخابية.
ومن هنا فإن مشروع المعارضة ليس إقصاء مؤيدي النظام، وإنما توفير نظام ديمقراطي يستطيع فيه المؤيد والمعارض أن يعيشا كمواطنين متساوين.
4. لماذا صمدت العلاقة بين أسمرا والجيش السوداني رغم اختلاف السياقات السياسية؟
العلاقة بين أسمرا والقيادة العسكرية السودانية ليست تحالفاً أيديولوجياً بالدرجة الأولى، وإنما هي شراكة مصالح أمنية وجيوسياسية. وهناك مجموعة من المصالح المشتركة، منها القلق من التمدد الإثيوبي، والتحالف ضد اثيوبيا خاصة فيما يخص الحرب السودانية، ومواجهة احتمال استخدام أراضي البلدين من قبل خصوم كل من الطرفين، والتعاون في أمن الحدود خاصة أمن شرق السودان، وربما التعاون في شأن أمن البحر الأحمر.
ومهم التركيز على أن الحرب السودانية جعلت الخرطوم في حاجة إلى بيئة آمنة في شرق السودان، بينما تحتاج أسمرا إلى حدود مستقرة وإلى علاقة عمل مع السلطة الموجودة في شرق السودان.
ومن الخطأ تفسير العلاقة باعتبارها تطابقاً سياسياً. العلاقات بين الدول تُبنى غالباً على المصالح، وقد تتحالف دول تختلف في طبيعة أنظمتها عندما تجد أن مصالحها الأمنية تقتضي ذلك.
5. لماذا لا يذهب السودان إلى تبني المعارضة الإرترية عسكرياً ضد أسمرا؟
لأن فتح جبهة جديدة مع إرتريا سيكون مكلفاً بالنسبة إلى السودان، خصوصاً في ظل الحرب القائمة. فإنه إذا تحول السودان إلى داعم عسكري مباشر للمعارضة الإرترية، فإن أسمرا تستطيع الرد بوسائل مختلفة، بما فيها استخدام علاقاتها داخل شرق السودان، أو دعم قوى مناوئة للجيش السوداني، أو توسيع الحرب بالوكالة، كما فعلت في ع بين 1994 إلى 2004.
كما أن القيادة السودانية تحتاج في الوقت الراهن إلى العلاقة مع أسمرا لأسباب تتعلق بأمن شرق السودان والحرب مع الدعم السريع. لذلك فإن الخرطوم تفضل، حتى الآن، التعاون الأمني مع أسمرا بدلاً من فتح جبهة جديدة معها.
وهذا يوضح حقيقة مهمة في السياسة الإقليمية مفادها أن الدول لا تتحرك دائماً وفقاً للصداقات والعداوات الدائمة، وإنما وفقاً لحسابات المصلحة والكلفة والقدرة على إدارة المخاطر.
6. ما تقييمكم لظاهرة تسليح وتدريب مجموعات قبلية وشبابية في شرق السودان؟
هذه الظاهرة يجب ألا تُقرأ باعتبارها ظاهرة قبلية في الأساس، بل باعتبارها نتاجاً لمسار طويل من عسكرة المجتمع السوداني. فشرق السودان، وباقي أقاليم البلاد لم تصل إلى هذه الحالة بعد حرب أبريل 2023 وحسب. فقد بدأت عملية تطبيع السلاح والتشكيلات غير النظامية منذ عقود، وتوسعت خلال عهد الإنقاذ، ثم شهدت المنطقة بعد سقوط البشير انتشاراً أكبر للسلاح والتشكيلات المحلية، وصولاً إلى قبول وجود المليشيات على طرفي النزاع الدائر منذ 2023.
وبعد اندلاع الحرب الحالية، أصبحت السلطة العسكرية نفسها تشجع المواطنين في بعض المناطق على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم. وقد تكون لهذه السياسة فوائد تكتيكية قصيرة المدى؛ فهي توفر قوة محلية سريعة التعبئة وتخفف الضغط عن الجيش. لكن مخاطرها الاستراتيجية أكبر بكثير. لأنك عندما تجعل الانتماء القبلي مرتبطاً بالسلاح، فإنك لا تبني قوة للدفاع؛ بقدر ما تبني بنية صراع اجتماعي مسلح يصعب تفكيكها مستقبلاً.
والدرس السوداني واضح في هذه المسألة، فإن الدولة التي تفوض المجتمع في حمل السلاح لحماية النظام السياسي، قد تجد نفسها لاحقاً مضطرة إلى حماية الدولة من السلاح الذي وزعته على المجتمع.
ولهذا فإن بناء قوات أمن وطنية مهنية، وإدماج المليشيات في القوات المسلحة السودانية والتي تصبح ممثلةً لمكونات السودان جميعها، أفضل بكثير من ان تصبح لدى القبائل وحدات عسكرية.
7. ما أبرز الكيانات السودانية التي ارتبط اسمها بالدعم أو التدريب الإرتري؟
هناك تقارير ومعلومات متداولة حول تدريب واستضافة مجموعات سودانية في إرتريا، خصوصاً من شرق السودان. كما وردت تقارير عن تدريب عناصر من حركات دارفورية في إرتريا، وعن تقارب سياسي مع مجموعات أخرى متحالفة مع الجيش السوداني.
لكنني أتحفظ هنا على تقديم قائمة مغلقة أو الجزم بأن كل مجموعة مسلحة في شرق السودان هي صنيعة إرترية. فالمشهد أكثر تعقيداً؛ فهناك فرق بين من يتلقى تدريباً أو دعماً من إرتريا، ومن يتلقى دعماً من الجيش السوداني، ومن ينسق سياسياً مع أسمرا، ومن يستخدم الأراضي الإرترية في مرحلة معينة.
والأهم ألا نحمل القبائل والمجتمعات في شرق السودان مسؤولية هذه الظاهرة. فالمجتمع المحلي ليس بالضرورة صاحب القرار في إنشاء هذه التشكيلات، بل إن جزءاً كبيراً من عملية التسليح جاء من مؤسسات الدولة نفسها.
لكن بشكل عام تنشط عدد من الحركات المسلحة في شرق السودان، ومن أبرز الأسماء التي ترد في هذا السياق حركة تحرير شرق السودان بقيادة إبراهيم دنيا، والأورطة الشرقية الذراع العسكري للجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة بقيادة الأمين داؤود، والحركة الوطنية للعدالة والتنمية بقيادة محمد طاهر بيتاي من الجميلاب، ومؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد من الهدندوة، وحركة الأسود الحرة بقيادة محمد صالح عابد من الرشايدة، والجبهة الوطنية لشرق السودان بقيادة محمد صالح أكد، ومعظمها كون تكتلا متحالفا تحت مسمى تحالف القوى المدنية لشرق السودان.
8. هل تستطيع إثيوبيا احتلال إرتريا من جديد، أم أن الأمر يتعلق أساساً بالوصول إلى البحر؟
لا أعتقد أن سيناريو الاحتلال الإثيوبي الشامل لإرتريا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، رغم أن خطر الحرب ارتفع بصورة واضحة.
فإثيوبيا دولة كبيرة وتمتلك قدرات بشرية وعسكرية مهمة، لكنها تواجه في الوقت نفسه أزمات وصراعات داخلية معقدة، وبالتالي فإن الدخول في حرب شاملة واحتلال دولة أخرى سيكون قراراً بالغ الكلفة. ثم إن إرتريا ليست مجرد مساحة جغرافية؛ إنها دولة ساحلية ذات أهمية مباشرة لأمن البحر الأحمر، وأي حرب عليها تستدعي حسابات مصر والسعودية ودول أخرى وقوى دولية.
لكن ينبغي ألا نقلل من خطورة الخطاب الإثيوبي المتعلق بالبحر. فالمسألة لم تعد مجرد طلب اقتصادي للوصول إلى ميناء؛ بل هناك محاولة متزايدة لتطبيع فكرة أن إثيوبيا دولة بحرية بحكم مصالحها الاقتصادية والديموغرافية. وهنا تقع المسؤولية الأساسية على النظام الإرتري وليست على المعارضة الإرترية، التي لا تملك سلطة اتخاذ قرار الحرب والسلم، ولا يسمح لها بالوجود القانوني داخل إرتريا لتنظيم الدفاع عن السيادة والوطن من موقع قوة واقتدار.
وهذا لا يمنع من المحافظة على استقلال القرار الوطني، فيمكن للمعارضة أن تتعامل مع إثيوبيا والسودان ومصر والسعودية والمجتمع الدولي، لكن يجب ألا تتحول إلى أداة لغزو الوطن، ولا تصبح شريكاً في صراع أي دولة مع دولة أخرى. ويجب على المعارضة أن تقدم للعالم بديلاً عملياً للأزمة القائمة بين البلدين. نعم، إرتريا دولة ساحلية، ومن مصلحتها أن تكون شريكاً دولياً وإقليمياً في أمن البحر الأحمر، وأن تنفتح على التعاون الدولي في اطار القانون الدولي وسيادة الدول، ووفق تلك الشروط يمكن لإرتريا أن تسمح باستخدام موانئها تجارياً.
وإذا كان لإثيوبيا احتياج اقتصادي حقيقي إلى البحر، فإن بإمكان إرتريا في ظل نظام ديمقراطي ويحترم القانون أن يعالج تلك المسألة من خلال اتفاقات تجارية توفر لاثيوبيا موانئ وممرات نقل بضمانات دولية، وليس بالحرب أو الانتقاص من السيادة الإرترية. وهذه المقاربة تسحب من دعاة الحرب الذرائع.
9. الوطن الإرتري طارد لشعبه. ماذا يستفيد النظام من العسكرة والقمع، وهل حقق منها مصالح لنفسه ولأنصاره؟
هنا يجب أن نفرق مرة أخرى بين مصلحة النظام ومصلحة الوطن. فالنظام يستفيد بالفعل من هذه السياسة على المدى القصير. والعسكرة المستمرة تحقق له عدد من المصالح الانتهازية، منها:
أولاً، السيطرة على الشباب والمجتمع، فالخدمة الوطنية المفتوحة عملياً تجعل جزءً كبيراً من القوة البشرية تحت سيطرة الدولة.
ثانياً، منع نشوء طبقة سياسية مستقلة، فالشباب إما داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية أو خارج البلاد، وهذا يضعف إمكانية نشوء حركة سياسية داخلية منظمة.
ثالثاً، استخدام التهديد الخارجي لتأجيل الإصلاح الداخلي، فكلما ارتفع خطاب التهديد الخارجي، يتم تجريم المطالبة بالإصلاح السياسي باعتبارها تهديداً للوحدة الوطنية.
رابعاً، حماية مركز السلطة، وعندما تضعف المؤسسات الدستورية، يصبح الأمن والجيش هما العمود الفقري للنظام السياسي.
لكن هذه السياسة حققت للنظام بقاءً سياسياً أكثر مما حققت للدولة تنمية أو استقراراً مستداماً.
فالنتيجة المقابلة هي نزيف بشري هائل، وهجرة الشباب، واستنزاف الاقتصاد، وإضعاف الحياة الأسرية، وتراجع فرص بناء اقتصاد حديث.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية، فالنظام نجح في منع خصومه من إسقاطه، لكنه لم ينجح في بناء دولة يستطيع المواطن أن يشعر بأن مستقبله فيها أفضل من مستقبله خارجها. ولهذا فإن ظاهرة الهجرة ليست مجرد مشكلة اقتصادية أو حقوقية؛ إنها أيضاً مؤشر سياسي على أزمة العلاقة بين المواطن والدولة.
10. إذا كانت الولايات المتحدة أقرب إلى إثيوبيا، فمن يقف مع النظام الإرتري؟
لا أعتقد أن التوصيف الدقيق هو وجود دولة واحدة تقف مع النظام الإرتري. فالنظام الإرتري يتبع سياسة تنويع العلاقات الخارجية حتى لا يقع تحت هيمنة قوة واحدة.
وهناك تقارب مع مصر في ملفات الأمن الإقليمي والبحر الأحمر، وتقارب مع السعودية في بعض ملفات البحر الأحمر، وعلاقة أمنية وثيقة مع القيادة العسكرية السودانية في تأمين حدود البلدين وردع اثيوبيا من التدخل في شؤونهما.
أما دولياً، فهناك علاقات سياسية واقتصادية مع الصين، وتنسيق في بعض الملفات مع روسيا، وإن كان من الخطأ وصف هذه العلاقات بأنها تحالف عسكري كامل.
أما الولايات المتحدة، فعلاقتها بإرتريا شديدة التوتر، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن اختزالها في مجرد توترات مع إرتريا، لأن واشنطن تنظر إلى القرن الأفريقي من منظور أوسع يتعلق بإثيوبيا والبحر الأحمر والسودان ومكافحة الإرهاب والمنافسة الدولية.
والنقطة التي يجب أن نفهمها هنا هي أن أسمرا تستثمر في التناقضات بين القوى الإقليمية والدولية لتوسيع هامش حركتها.
11. كيف تصفون المعارضة الإرترية اليوم من حيث الحجم والقدرة والتأثير؟
المعارضة الإرترية ليست جسماً واحداً، وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها بدلاً من محاولة إخفائها. ولدينا تنظيمات سياسية تاريخية، وحركات قومية ومناطقية، وتنظيمات ذات مرجعيات مختلفة، ومنظمات مجتمع مدني، وحركات شبابية جديدة، إضافة إلى أطر ائتلافية متعددة. والمشكلة ليست في التنوع بحد ذاته، فالتنوع السياسي طبيعي. بل أن المشكلة هي عدم القدرة على إدارة هذا التنوع داخل مؤسسات سياسية ديمقراطية. ولقد أنتج الانقسام المتكرر حالة من التنافس على الشرعية التمثيلية، وأصبح جزء من طاقة المعارضة يستهلك في الصراع الداخلي بدلاً من إنتاج القوة السياسية.
أما الحركات الشبابية الجديدة، كان بالإمكان قيامها بالتعبئة في الشتات، لكن قدرتها على الاتنظيم والتوافق وتحويل التعبئة الجماهيرية إلى مشروع سياسي وطني جامع لا تزال موضع اختبار.
وأنا أرى أن التحدي الأكبر أمام المعارضة ليس إثبات أن النظام سيئ؛ فهذا أمر يعرفه الإرتريون. لكن التحدي هو الإجابة عن السؤال هو من يستطيع أن يقدم بديلاً وطنياً أكثر إقناعاً من النظام؟
وهنا يأتي مشروع الائتلاف الوطني الديمقراطي للإجابة على هذا السؤال من خلال المؤتمر العام التوحيدي.
12. في ضوء هذه التطورات، هل هناك فرصة حقيقية أمام المعارضة لإحداث تغيير في إرتريا؟
نعم، ولكن علينا أن نحدد بدقة أين توجد الفرصة. ولا أرى أن الفرصة تكمن في انتظار انهيار النظام، ولا في التعويل على حرب إثيوبية–إرترية، ولا في الرهان على قوة عسكرية صغيرة من خارج البلاد، مثل بعض المحاولات التي تسعى إلى مواجهة النظام من داخل اقليم أوسا في اثيوبيا.
الفرصة الحقيقية هي تحويل المعارضة من حالة احتجاج على النظام إلى قوة سياسية بديلة للدولة. وهذا يتطلب توحيد القرار السياسي.، فليس المطلوب إلغاء التنوع، وإنما إيجاد مؤسسة سياسية تستطيع إدارة التنوع. كذلك من الضرورة بمكان تقديم مشروع واضح لما بعد النظام.
أالنظام الإرتري ليس منهاراً تماماً، ولا ينبغي للمعارضة أن تبني استراتيجيتها على تمنيات أو توقعات غير واقعية، والنظام يعاني في الوقت نفسه من أزمة مؤسسات وشرعية واستدامة. والمعارضة الإرترية ما زالت تعاني من التشرذم، لكن البيئة الإقليمية الحالية تفتح أمامها نافذة سياسية مهمة إذا أحسنت استثمارها. ولا يمكن بناء مستقبل إرتريا على القوة المسلحة وحدها، ولا على الاستقواء بالخارج. التغيير المستدام يحتاج إلى شرعية سياسية ومشروع وطني ومؤسسات قادرة على إدارة الدولة. وأخيراً، وهو الأهم: المعركة الحقيقية أمام المعارضة ليست إثبات أن النظام سيئ أو أنه سينهار؛ فهذه القضية ليست محل نقاش وقد تجاوزناها نحو محاولة إيجاد الحلول للخروج من هذا المأزق التاريخي. والمعركة هي أن تثبت المعارضة للشعب الإرتري أنها تستطيع أن تكون بديلاً وطنياً أفضل، وتقوم بحماية وحدة وسيادة الوطن، وتبني السلام والاستقرار، وتعيد وتصون حقوق كل مكونات المجتمع بشكل عادل، وتعيد بناء المؤسسات، وتصلح الجيش والأمن، وتحقق المصالحة الوطنية، وتفتح الاقتصاد، وتعيد للشباب حقهم في الحياة والمستقبل داخل وطنهم. فالاستعداد المؤسسي للحظة التغيير، فالتغيير السياسي قد يأتي بصورة أسرع مما نتوقع، لكن المشكلة ستكون في اليوم التالي.
لذلك المطلوب مخاطبة الجيش والمؤسسات الوطنية، حيث يجب أن تصل رسالة واضحة إلى أفراد قوات الدفاع الإرترية، مفادها أن المشروع الديمقراطي لا يستهدف قوات الدفاع الإرتزية، وإنما يريد إخراج الجيش من السياسة وإعادته إلى مهمته الدستورية في حماية الدولة والشعب.
لقد دفع الشعب الإرتري ثمناً باهظاً من أجل الاستقلال، وليس من المقبول أن يتحول الاستقلال من مشروع لتحرير الإنسان إلى مجرد احتكار للسلطة باسم حماية الدولة.
- نحتاج أن تعرفنا على عمل الائتلاف الوطني الديمقراطي:
نحن في الائتلاف الوطني الديمقراطي الإرتري نرى أن مهمتنا التاريخية ليست فقط معارضة النظام، وإنما إعادة بناء المشروع الوطني الإرتري على أساس المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون والمؤسسات، بحيث تصبح الدولة ملكاً لكل الإرتريين، لا ملكاً لسلطة أو تنظيم أو مجموعة بعينها.
والتغيير الذي نريده ليس انتقالاً من استبداد إلى فوضى، وإنما انتقالاً منظماً من دولة الشخص إلى دولة المؤسسات، ومن دولة الخوف إلى دولة المواطنة، ومن العسكرة الدائمة إلى دولة مدنية قادرة على حماية سيادتها وشعبها. وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي الذي يواجه المعارضة الإرترية في المرحلة القادمة.
ومن واقع التجربة الناجحة في الائتلاف، أؤمن بأن توحيد المعارضة لا يعني إلغاء التنوع السياسي والاجتماعي، وإنما تنظيم هذا التنوع داخل مؤسسات ديمقراطية، على أساس برنامج وطني واضح، وقواعد متفق عليها، ومساءلة مؤسسية، ومشاركة حقيقية للشباب والنساء والقواعد الجماهيرية. فالغاية ليست مجرد توحيد التنظيمات، وإنما بناء قوة سياسية تمتلك الرؤية والبرنامج والقدرة المؤسسية التي تؤهلها للإسهام في إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي وبناء الدولة. وما نحاول انجازه اليوم ليس مجرد امتداد لتجارب سابقة، بل هو جهد واعٍ لإعادة تأسيس العمل الوطني على أسس مؤسسية حديثة، تستجيب لتطلعات شعبنا، خاصة جيل الشباب الذي يتطلع إلى واقع مختلف ومستقبل أكثر إشراقًا وعدلاً.
14- بعد هذه القراءة، كيف تقيمون الوضع في إرتريا والقرن الأفريقي، وما الرسالة التي تريدون توجيهها إلى الشعب الإرتري؟
أعتقد أننا أمام مرحلة دقيقة، ولكنها ليست مرحلة يأس، ويمكن تلخيص المشهد في مجموعة من الحقائق:
الاستقرار الأمني في إرتريا لا ينبغي أن يُساء فهمه كاستقرار سياسي؛ فالأمن القائم على السيطرة والعسكرة يمكن أن يستمر زمناً، لكنه لا يعالج أسباب الأزمة. وعلاقة أسمرا ببورتسودان تقوم أساساً على المصالح الأمنية والجيوسياسية المشتركة، وهي قابلة للتغير بتغير موازين المصالح. وشرق السودان أمام خطر حقيقي يتمثل في استمرار عسكرة المجتمع وانتشار السلاح؛ وهذه ليست مسؤولية القبائل والمجتمعات بقدر ما هي نتيجة لمسار سياسي رعته الدولة على مدى عقود. والبحر الأحمر أصبح مركزاً للصراع الاستراتيجي في المنطقة، وإرتريا لا تستطيع أن تحمي مصالحها بمجرد الغياب؛ بل عليها أن أن تقوم بعملية إصلاح سياسي واجتماعي في اطار تحول ديمقراطي وإعلان قطيعة مع الاستبداد والقهر بشكل جذري، حتى تكون إرتريا حاضرة وفاعلة في ترتيبات أمن البحر الأحمر، مع الحفاظ الكامل على سيادتها.
على هامش المقابلة – الضيف الكريم في سطور تعريفية :
سألناه عن الملف التعريفي باختصار فأجاب :
أنا الدكتور عبد الله جمع إدريس. بدأت علاقتي بقضية الوطن منذ طفولتي الأولى؛ فقد وُلدت في ظروف الحرب والنزوح، واضطرت أسرتي إلى مغادرة موطنها هرباً من العنف، وكنت رضيعاً عندما شهدت مأساة مذبحة عونا ونجوت منها بأعجوبة. وفي الخامسة من عمري عبرت أسرتي إلى السودان، حيث نشأت وتلقيت تعليمي من مرحلة رياض الأطفال حتى إكمال المرحلة الثانوية في الخرطوم.
انتقلت بعد ذلك إلى مصر لدراسة الطب، ثم واصلت مساري الأكاديمي في مجال الصحة العامة بجامعة ملبورن. وقد ظل العمل الأكاديمي والمهني بالنسبة لي مرتبطاً بخدمة الإنسان والمجتمع، وباهتمام موازٍ بالشأن الوطني والسياسي.
بدأ انخراطي في العمل العام منذ سنوات الدراسة، وكنت ناشطاً في الاتحادات الطلابية الإرترية. وفي القاهرة شاركت في الجهود التي أفضت إلى توحيد الاتحاد العام للطلاب الإرتريين واتحاد الشبيبة الإريترية، وانتُخبت أول رئيس للاتحاد الموحد خلال الفترة 1994–1996. وكانت تلك التجربة مهمةً بالنسبة لتطوري ونضجي في العمل التنظيمي والسياسي، وفي إدارة الاختلاف وبناء التوافق والدفاع عن الديمقراطية واستقلال المؤسسات الوطنية.
وعلى مدى ما يقارب أربعة عقود، راكمت تجربة في العمل الأكاديمي والمهني والسياسي والمدني، وشاركت في عدد من المبادرات والمؤتمرات الرامية إلى توحيد قوى المعارضة الإرترية. كما كنت عضواً في سكرتارية مؤتمر أواسا، وانتُخبت عام 2011 عضواً في الجهاز التشريعي الأول لـلمجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي.
وأشغل حالياً منصب رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام التوحيدي للائتلاف الوطني الديمقراطي الإرتري. وأتعامل مع هذه المسؤولية باعتبارها جزءاً من مشروع أكبر يتمثل في نقل المعارضة الإرترية من حالة التشتت وتعدد الأطر إلى عمل سياسي مؤسسي قادر على بناء البديل الوطني.
إلى جانب العمل السياسي والتنظيمي، أعمل في المجال الإعلامي والبحثي، فعملت محرراً في موقع عونا الإلكتروني، ولي عدد من المقالات والدراسات المنشورة في مجالات الصحة والتاريخ والسياسة وقضايا الدولة والمجتمع وبناء المؤسسات.
وباختصار، يمكنني القول إن مسيرتي انتقلت من تجربة طفل عاش آثار الحرب والنزوح، إلى تجربة طالب وناشط، ثم طبيب وباحث، وصولاً إلى العمل السياسي والمؤسسي. والخيط الذي ظل يجمع هذه المراحل هو الإيمان بأن قضية إرتريا لا ينبغي أن تختزل في تغيير نظام سياسي فحسب، وإنما في بناء دولة وطنية ديمقراطية ومؤسسات مستقرة تحفظ كرامة الإنسان وتصون السيادة وتستوعب جميع مكونات المجتمع. وهذا هو المنظور الذي أواصل من خلاله عملي الوطني اليوم.
