أدب وفناخبار

قراءة نقدية في قصيدة إرترية : (ما كان لم يكن!)

الخبير الإعلامي الشاعر احمد شريف ..نقد لنص حزين

قراءة نقدية في قصيدة إرترية : (ما كان لم يكن!)

للخبير الإعلامي الشاعر أحمد شريف

                          الدراسة بقلم د.حامد محمد حالفا

قال الصحابي النابغة الذبياني :أنشدتُ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم :

بلغنا السَّماءَ مجدَنا وجدوحَنا *وإنَّا لنرجو فوق ذلك مظهرًا.

فقال  صلى الله عليه وسلم : : أين المظهرُ يا أبا ليلَى ؟. قلتُ : الجنَّةُ .قال : أجل إن شاء اللهُ.الحديث .أخرجه البيهقي برقم ٢٣٢ / ٦

فالسامع يفهم، والشاعر تاول تاويلا حسنا والمفردة في النص تفتح افقا متباينا للفهم

والشعر مثل الكلام فيه رصين وغيره ، والقارئ هو الحكم والقراءة للقصائد متباينة فبعضهم يقرأها بمنظار الشرع والدين ، وبعضهم بمنظار فلسفي ، وهناك من يقرأها … وكلهم يتفق أن لغة الأدب والشعر تختلف عن لغة العلوم البحتة ، وكلهم يتفق ايضا على ان وجه الإمتاع في النص الأدبي يختلف من زول لزول فلا حرج على أديب أن يبدع ، ولا حرج على ناقد أن يستمتع ويمتع ويصحح  ، ثم الشاعر بالخيار أن اخذ يالنصح وطور نصه  ، وإن شاء أعرض عن ذلك حسب قناعته  أو ذائقته الفنية

ومن هنا تأتي قراءتي لقصيدة الشاعر أحمد شريف .

أمامي ست وخمسون بيتا من الشعر ضمتها قصيدة الشاعر ، وألهمتها الذكرى السادسة والثلاثون لاستقلال أرتريا من المستعمر الإثيوبي .

اتت القصيدة باكية في محيط مبتهج راقص ،وتعيب على الراقصين لماذا يرقصون حول نعوشهم ،

وترى أن هذه الذكرى تثير مواجع الأشجان لا ابتهاجات الفرح .

الإطلالة الحزينة :

تبدأ القصيدة باعتراف واضح أن الشاعر لا يملك ما يعطيه الوطن من هدية إلا الدموع الغزار والشجن الأليم ، وينفي عن نفسه أن لديه هدية يقدمها للوطن في ذكرى الاستقلال غير البكاء والوجع :

لا شَيءَ عِنْدِيَ مَا أُهدِيهِ لِلوَطَـنِ* سِوَى نَثِيثٍ مِن الآهَاتِ والشَّجَنِ 

سِوَى قِريضٍ يَزيدُ السَّوْءَ طلعَتُه * ويَرتَجِي فَيْءَ تَطْبيب مِن الوَهنِ!

ويَتْرَعُ الدَّمعَ، والأجْفَانُ ما فَتِئَتْ* تهزهزُْ القَلْبَ مَعْلُولا فَيُسلِمُنِي

 إلى سَراب وضَيْمٍ، لا أُخَالِطُهُ* إلى مَتَى أيُّهَا المَمْزُوجُ فِي زمَنِي؟

وهذه – يقينا – بداية مهزومة لا تغرس الأمل في المخاطب فهي تخاطب جريحا طريح الأرض منهكا لتعلن له أنه لا دواء ولا عناية وإنما أمامك انتظار الأجل المحتوم .وهذه البداية المهزومة تختلف عن استهلال الشعراء الإسلاميين أصحاب الفكرة من عهد الصحابة وإلى اليوم فهذا حسان بن ثابت رضي الله عنه يتوعد خصومه بعمل منتصر قادم لا بقصيدة يائسة :

عدمنا خيلنا إن لم تروها ** تثير النقع موعدها كداء 

يبارين الأسنة مصغيات ** على أكتافنا الأسل الظماء

والشعر يقتدي بسلف الأمة مبشرا ، يرى من خلال المحن منحا قادمات ، فشعار ( فتحت خيبر) رفع والمدينة محاصرة من الأحزاب ، والبشريات بسقوط الروم وفارس أتت في عهد الضعف الإسلامي حينما كانت الجزيرة مشتركة محاربة وتستعينوقريش بالأحابيش واليهود لضرب الإسلام الناشئ في عقر داره .

ولهذا لا يستحسن بشاعر مثل شريف أن يكون أسير البلاء المحيط به والوهن الذي يراه في قومه وإنما الشعر الرسالي يستنهض الأمة الواهنة ولا يعيرها بمذماتها التي تستمتع بها فهي ليست حاسة بهوانها ولا بمن يسبها بموت هي تعيشه ، ساكنة له . راضية به .

وقد صدق المتنبي :

ذل من يغيظ الذليل بعيش ** رب عيش أخف منه الحمام

من يهن يسهل الهوان عليه   **        ما لجرح بميت إيلام

الشاعر شريف نفي عن نفسه أنه يخالط الواقع الذميم ” السراب والضيم ” الممزوجين ببمآسي زمانه ، لكنه غير قادر أن يتحرر عن أسرهما فهو في قبضة الدمع والأسى وكأني به ضعيف ساكن مهزوم تطرحه القبضة القوية حتى تسلمه إلى السراب والضيم ، صحيح تدل جملة” لا أخالطه ” على أنه كائن فريد يتأبى الامتزاج إلى غير جنسه العزيز النادر لكن إشارات الدمع والأسى والقلب الواهن ليست سلاحا تجعله بمنجاة من السراب والضيم فهو- وإن تسامى – جزء من الأمة التي يعيرها فسوطه على غيره يدركه ألمه .

محتوى القصيدة :

جل أبيات القصيدة اتجهت إلى تعنيف المواطن الإرتري الذي يعيش حالة من السكون القاتل ،تدعوه إلى فعل شيء يستعيد به كرامته المهدورة وحريته المغصوبة وحرماته المنتهكة ووطنه السليب على يد عصابة مستبدلة ، وتعبر القصيدة بألفاظ قاسية جدا وهي تقرع المواطن الخامل وتصفه بأنه مفرق الكلمة ، – وقد صدقت – مشتت الصف ، واهن القوى. وكان بإمكانه أن يسعد في وطنه المستقل لو قام بتدابير لحماية نفسه من الاستلاب المحلي المعزز من الخارج .

النصح غير المجدي :

وقد أخلص نصحا لقومه موضحا أن مليون فحل منهم لو نهض لدك عرش طاغوته وآلمه أنهم استقبلوا نصحه المتكرر بالاستهزاء والسخرية ولهذا أصبح في يأس منهم ، عبرت عن هذا المعنى كثير من الأبيات في القصيدة من ذلك :

نـَاصَـحْـتُـهُمْ زمَـنًا، فِـي غَـيرِ مُـسْــتَـمَـعٍ – مَـا كُـلُّ مُـسـتَــمِـعٍ، لِلـقَـولِ ذُو فِـــطَـنِ

إذْ لا يُـرَى مُـؤْمِـنٌ باللهِ، ذُو وَرَعٍ – كَـمَا يُـرَى، عَـابِـدُ الأصْـنَامِ والـوَثَـنِ   

ونُـطْـلِـقُ الأنَّـةَ الحَـمْـقَـى بِلا وُجْهَـةٍ – لِيَـصْطَـلِي حَـظُّ مَـحْـقُـونٍ بِـمُـحْـتَـقَـنِ!

مِـليُـونَ فَـحْـلٍ، إذا دَكُّـوا وَضَاعَـتَـهُـمْ – لَـطَّـهَـرُوا وجْـهَ أوطَـانٍ مِـنَ الـدَّرَنِ

وحَـكَّــمُـوا العَـدْلَ فِـي ظلم أذَاقَـهُــمُ – طُــعْـــمَ التَّــلَـذُذِ فِـي لَــهْــوٍ مَــعَ الزَّمَـنِ

موقف قومه منه :

تصور القصيدة موقف قوم الشاعر أنهم على غير احتفاء به بل تصل مواقفهم المخاصمة إلى العداء المعبر عنه بالشتم والسب والخذلان فهم في موقف عدائي غير حميد تجاه شاعر يسعى لنهضة أمته ورفعة شأنها وموقف شريف الغاضب الهاجي افضل منه المقنع الكندي الغافر العافي في عتاب قومه :

إن الذي بيني وبين أبي ** وبين بني عمي لمختلف جدا 

أراهم إلى نصري بطاء وإن همو ** دعوني إلى نصرهم أتيتهم شدا

فإن يأكلوا لحمي وفرت لحمهم ** وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا

أما أحمد شريف فقد أوسع قومه ذما :

يَـا أُمَّــةً قَــتَــلَـتْ قُـــوَّادَهَـا حَــرَضًـا – بَــلْ أُمَّــةً جَـــعَــلَـتْ، مَــا كَــانَ لَــمْ يَــــكُــنِ !!!!

أمَـا تَـرَاهـَـا وقَـدْ حُــمَّـتْ مَــفَـاصِلُـهَــا – إذا تَــبَـنَّى “شريفٌ” رَأيَ مُــتَّـزِنِ

هُـمْ يَــخْـرُجُـونْ خَـفَـافِـيـشًا وقُــبُّـرَةً – ومَــا رَنَـى صَـوتُـهُـمْ لِـلـحَــقِّ والْـحُــسُـنِ

هُــمْ يَــخْـرُجُـونَ مِـنَ الأتْــرَاحِ كيفَ لَـهُـمْ – الـعَـيْـشُ فِـي حَـضْرَةِ الأِحْـقَـاقِ لِلوَطَنِ

هُــمْ يَـخْرُجُـونَ أُسَـارَى رَأيِ مُـرْشِـدِهِـمْ – أذِبَّــةً عَــلُــقُوا فِـي ( الـخُرْءِ والــعَــفَــنِ)

وشُـرَّهًـا ألِــفُـوا تَــمْــيـيـعَ فِـكْـرَتِــهِـمْ – لاَ يَـعْـلَـمُونَ أهُـمْ، فِـي الـشَّـامِ، أمْ يَـمَـنِ!!

أسْـمَـاءُ مُــنْـتَـحِـلٍ، أشْـكَـالُ مُــرْتَــزَقٍ، حُــرُوفُ مُـرْتَـجِــفٍ، أقْــوَالُ مُــمْـتَـهِـنِ

لِـلشَّــتْـمِ، والـقُــبْـحِ لا لِــلـحَــقِّ ألْــوِيَــةً – صِــيـغُـوا مِـن الـحَـمْـأةِ الـبَـلْـهَـاءِ والإِحَــنِ

وهكذا مضت القصيدة تشنع على الأهل ، ولم يذكر لهم خصالا طيبة كما لم تترك مجالا في صدره للعفو والغفران أو الستر عليهم وهذا مفهوم من إيحاءات القصيدة وإن كان الواقع يشهد أفضالا كبيرة قام به احمد شريف لصالح قومه خاصة في مجالات الإعلام والأدب والثقافة والمناسبات الاجتماعية فإن له حضورا كثيفا يشهد به القاصي والداني وأنا استغربت من قصائده الهجاءة المرة كيف لا تتوافق مع سيرته العطرة في خدمة المجتمع ولعله قد غلبته العاطفة في الشعر فقال أقسى ما علم، وغلبه في الخدمة الوطنية العقل والدين ففعل أحسن ما استطاع او لعله يريد بيان العلة كما هي دون تزيين في العليل بقصد ايقاظه وتنبيه على أخطار تحيط به من قبيل يا نائم يا غافل يا جاهل : النار تشتعل من حولك فمثل هذا الصراخ بالصوت العالي لا ملاطفة فيه .

الولاء للوطن :

الشاعر شريف يسكنه الولاء القوي للوطن ولهذا لا تعيب قصائده الوطن وإنما يصب غضبه على المواطن الخامل الجبان الذي يتقاعس عن التضحية من اجل تحرير الوطن

يظهر ولاء شريف في القصيدة  من خلال إجراء حوار ومناجاة بينه وبين الوطن تقيمه بعض أبيات القصيدة فأنت تحس بشخصين حبيبين أمامك يتبادلان الكلمات الناصحة :

يقول لي وطني ؛ لا تبتئس ابدا * جل الورى حبهم طن ومطنن 

سر هانئا غردا نجما تضاء به * واجهل طنانين مافون لمؤتفن 

لا تلتفت ابدا للخلف يا شمما * ما كل ذي شارب برء من الوهن

وتتجه أبيات من القصيدة ختامية لتمجيد الشاعر :

إني ادخرتك للكبرى وآخرة * اندى من العبق المنشود في سكني 

انت ” الشريف” وما في الكون كاسره * شكيمة الفضل في عقل وفي بدن 

من جمعت عنده الدنيا فلم يرها * إلا على عزة أسمى من الوطن 

فالنص يتحدى أنه لا كاسر للشاعر ، ولا نظير له عقلا وجسما

ونحتاج إلى ميزان حديث لمعرفة صدق الدعوى واحسب ان هذه مبالغات استاذه ابي الطيب المتنبي واشك في صحة الدعوى لأن الله خلق فوق كل ذي جسم جسيم ، وفوق كل  ذي علم عليم ، وفوق كل ذي موهبة ذا مواهب ، وقصة الخضر الولي مع موسى النبي عليهما السلام تدعو إلى التواضع

وصدقت الأبيات انه لا مثيل للوطن ولهذا لا تزال نفس الشاعر تتوق إلى وطن هرب منه وهي تجد النعماء في وطن لاذت به ، وهاجرت إليه ، ووجدت فيه الحرية ، والمال، والعدل، والسعادة، والأمن .

 

الملاحظات الختامية :

القصيدة من حيث المتحوى والابيات متوسطة بل قريبة من الطوال مقارنة بالقصائد العربية الشهيرة ، ومن حيث اللغة فهي جزلة فخمة الألفاظ والتراكيب ، جيدة السبك ، متماسكة المعاني. بدأت بالحزن وانتهت به عندما نظرت إلى المواطن والوطن وهي شامخة متعالية و عندما نظرت إلى ا لشاعر في وسط القطيع تحاول أن تحتفظ بمكانته العالية من خلال التشبث بالركن القصي بعيدا عن ضجيج الراقصين في حضرة الظالم 

والقصيدة من حيث المفردات مثقلة بعدد من الألفاظ الصعبة مثل

نَثِيث ، عِلْجًا، تَخنث ، الشَّانِئ ، طَـنٌّ ومُطَّنَنِ ، حَرَضا ، خفافيش ، قبرة ، حَمْأةِ، التَّهْوِيمِ.

وكذلك من الصعوبة أن تفهم التركيب إلا بعد إدراك معنى مفردة ( قبرة ) :

(هُمْ يَخْرُجُونْ خَفَافِيشًا وقُبُّرَةً –

وفي القصيدة كلمة غير مناسب ذكرها ترفعا عن معناها:

    ( أذِبَّةً عَلُقُوا فِي الخُرْءِ والعَفَنِ) وقد جلبها السعي على إفراغ الوسع في الذم.

كما توجد بعض الملاحظات الشكلية :

قد صرف لضرورة الشعر ما لا ينصرف ( خفافيشا) وترك الألف بعد واو الجماعة في الفعل : نسو في قوله 🙁 وقَدْ نَسُوْ سَفَها ) وفك الادغام دون مسوغ في ( يَهْزُزُنِي) والصحيح : يهزني ، وكتابة ( رنى ) من الفعل الثلاثي (رنا يرنو ) مثل دعا يدعو وسما يسمو فلا أرى وجها لكتابتها بالألف على صورة ياء مثل رمى وقضى وسعى فتلك أصلها واو وهذه أصلها ياء في علم الصرف .وأحسب ان الفعل ( رنا ) يستعمل لحاسة البصر  اي ادام النظر في امر حسن لا في حاسة السمع . والإنسب للأذن : اصغى لا رنا

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى