نعم طال الزمان ، وتناءت المسافة بين نقطة بداية الثورة، وبين نقطة تحقيق الهدف من حربة مواطن، واستقلال وطن لكن عندما بكون الهدف واحدا لا يقبل التقسيط أما أن يتحقق أو يستمر المسار الصعب ..النضال باعتبار هو الخيار الوحيد .
تأتي ذكرى الفاتح من سبتمبر هذا العام مثل أخواتها الماضيات ؛ اللون باهت، والمذاق مر ، والثمرة مسوسة .
ايام الثورة كانت الذكرى تقام سنويا في الميدان، وفي المهجر حيثما وجد الشعب والثوار .وكانت مناسبة إبداع جميل، وفن رصين؛ يمجد النضال، ويروي البطولات، وأصبح الشباب الإرتري يتدفق نحو الميدان، مختارا لينال شرف الثورة، ويغبر قدميه بتراب العز والشرف..
وكلما سقط شهيد، وخلا موقعه، أتى عدد آخر مضاعف ، فشغل الثغرة وبهذا نمت شجرة الثورة ، واخضرت، وأينعت الثمار .ظلت هذه الحال منذ الفاتح من سبتمبر.١٩٦١م وحتى ذكرى الفاتح ١٩٩٣م
وهنا ماتت الأشواق ، عندما فوجئت الجماهير بحرية منقوصة .
تحررت البلاد ، ولم تتحرر الكرامة، وفتحت السجون والمعتقلات، لا المصانع والشركات ،
فضاق الوطن باهله ، وبدأت الهجرة من جديد اختار الشباب الموت في الصحاري عطشا، أو في البحر غرقا ، بدل البقاء في الوطن الحبيس ، واختار بعض الشعب البقاء في دور الهجرة القريبة والبعيدة هربا من الوطن الحر !!
فإثيوبيا تحتضن أكثر من مائة ألف نسمة ، وسواد اللاجئين الإرتريين في السودان،، وفي جيبوتي واليمن نصيب من إرتريين لاجئين. ولاجئون إرتريون آخرون في السعودية – ( قريبا من ٥٠ الف نسمة ) ودول الخليج مقيمين بضيم – يقدر العدد في كل دول الخليج بأكثر من ١٥٠ الف نسمة ) – تطاردهم قسوة الإقامة، وغلاء المعيشة ، وقلة العمل ، ومصر ( أكثر من ٤٠ الف نسمة ) وليبيا. فيهما بعض أرتريين لاجئين، تختار الأولى لرخص المعيشة فيها ، وتختار الأخرى لكونها معبرا إلى الدول الغربية. وتظل امنية الشباب البعد الجغرافي والمشاعري عن الوطن السليب ..
بلغ عدد اللاجئين في الدول الغربية أكثر من ٥٠٠ الف نسمة بينهم أكثر من ٧٠ الف في أمريكا و استراليا.
النتيجة :
يجد الشعب الإرتري في دور الهجرة الأمن والحرية والمعيشة الرغدة لكنه يفقد الكثير من النفائس الأثيرة لديه :
* كثير من الأسر اشتكت من ضياع القيم الوطنية والدينية لدى الجيل المولود في دار الهجرة البعيدة
* قل اهتمام هذه الأسر بالوطن الأصيل مقابل
الانتماء إلى الوطن البديل وإخلاص الولاء له
* ضآلة المكاسب المادية إذا قورنت بالخسارة الدينية والأخلاقية والاجتماعية.
وبهذا يتضح أن مآلات الهجرة نحس وشؤم على الشعب الإرتري ، وإن كان لها البريق الأخاذ بداية .فالفراشات تنتهي بالاحتراق في النار وهي منجذبة إلى ضوئها اللامع.
المشاركة ليست شهادة ولاء :
يحيي الإرتريون في الخارج المناسبات الوطنية الجامعة مثل ذكرى الاستقلال كإحيائهم المناسبات الدينية : عيد الفطر والاضحى واعياد المسيحيين ،
ويعطي الشعب الإرتري المهاجر مشاركة النظام في الاحتفالات الوطنية اهتماما خاصا وذلك.للاسباب التالية :
* محاولة التشبث بالعاطفة الوطنية التي تشهد تآكلا في نفوس المشاركين تدريجيا.فكلما انقرض الجيل المهاجر انقرضت معه ذكريات الوطن الأصيل وهذه حال الكثيرين .
* الميل الطائفي لدى بعض الفئات فهم يرون أن النظام يمثلهم طائفيا ولهذا يحرصون على التواصل معه من بعيد ويدعمونه وإن كانوا قد هربوا من بطشه.وأليم عقابه ومع مرور الزمن يقل حتى هذا الولاء أمام نمو المصالح الشخصية والانغماس في المذات الوفيرة والإعراض التام عن العودة إلى أرتريا.
* يتواصل بعض الأرتريين مع سفارات النظام ومناشطه في الخارج حفاظا على مصلحة الحصول على الأوراق الثبوتية الإرترية ويأتي هذا الولاء المصلحي إجبارا لان النظام يربط حق المواطنين في الجواز والخدمات الأخرى بواجب سداد الفواتير المالية أبرزها ضريبة ٢% من الدخل ورسوم الخدمات والمشاركة في الحفلات والتبرع بسخاء لصالح النظام وليس بعيدا ان تستغني هذه الفئة عن الوثيقة الإرترية نهائيا لارتباط مصيرها بالوثائق البديلة فدين المصلحة يتبدل لدى الإنسان حسب تبدل مصادر المصلحة فعندما لا يكون التخويف مخيفا ولا الوثيقة مرغوبة لا يجد المواطن مبررا يبقيه تحت شجرة تحترق من اعلاها وأسفلها..
تلك وصفة حقيقية للوطن يا سبتمبر ولا خيار غير مواصلة رحلة النضال؛ فتوريث الثورة أفضل من مكاسب الهجرة أو خيار المعيشة في قيود الاستعباد
كاتب حاضر، عرف الإعلام منذ أيام كان طالبًا في الثمانيات ، يرى أن القضايا الضعيفة توجب المناصرة القوية ولهذا يتشبث بالقلم
